في مشهد يختزل مأساة إنسانية بكل تفاصيلها القاسية، أسدلت ستارة الحياة ظهر يوم 4 أغسطس 2022، عن والدة الشاب المخفي قسراً محمد عبد الرحمن سعيد الغفوري، لترحل عن عالم يفترض به أن يكون رحمةً، لكنه كان بالنسبة لها قاسياً حتى اللحظة الأخيرة.
رحلت الأم وهي تحمل في جوارحها غصة "الوداع المفقود"، بعد معركة استنزاف طويلة خاضتها بين أرصفة الوقفات الاحتجاجية تحت وهج شمس عدن اللاهب، وبين أروقة المؤسسات الرسمية التي وعدت ولم تُنجز، وكشفت عن مصير ولم تُعلن.
لم تكن الراحلة مجرد رقم إضافي في سجلات المفقودين، بل كانت أيقونة للصبر والألم، ووجهاً ثابتاً لا يعرف التعب في وقفات "رابطة أمهات المختطفين".
سلاحها الوحيد كان لوحة كرتونية بسيطة، خطت بيدها عبارة حملت ألم سنوات: "أطلقوا سراح المخفيين قسراً منذ خمس سنوات في سجون عدن". تلك اللوحة لم تكن مجرد ورق، بل كانت صرخة مكتومة لابنها محمد، طالب كلية المحاسبة بمديرية الشيخ عثمان، الذي كان يحلم بالتخرج وتأسيس أسرة، قبل أن تتحول حياته إلى فراغ غامض.
وتكشف تفاصيل القضية عن مفارقة درامية تؤرق الضمير؛ فمحمد الغفوري لم يكن مواطناً عادياً، بل ترك مقاعد دراسته في 2015 لينضم لصفوف المقاومة الشعبية دفاعاً عن مدينته في مواجهة مليشيا الحوثي.
لكن "جزاء" ذلك الوطنية، كان بمثابة صاعقة للأسرة؛ ففي 24 أغسطس 2016، داهمت قوة عسكرية مقنعة منزل خاله، واقتادته إلى المجهول، لينقطع الوصل منذ تلك الليلة، ويبدأ عداد العذاب للأم والعائلة.
ولا يتوقف المشهد عند حدود الاختفاء، بل يمتد ليضرب بنية الأسرة الاجتماعية. تروي شقيقته "رباب الغفوري" بأسى كيف أن محمد الذي عقد قرانه قبل اختطافه بعام، انتظر عودته لتكتمل فرحته، لكن الأقدار فرضت سيناريو آخر؛ حيث أجبرت خطيبته - تحت وطأة الانتظار والضغوط - على فسخ عقد الزواج بعد عامين، لتضاف فجيعة "الطلاق" إلى فجيعة "الغياب".
أمضت الأم سنواتها الأخيرة تعاني من تدهور صحي ونفسي حاد، أقعدها الفراش وأصاب كبد جراء الانهيار المستمر.
وقبل رحيلها بخمس سنوات وأحد عشر شهراً وثلاثة عشر يوماً من البحث الدؤوب، تركت لأبنائها إرثاً ليس من مال أو عقار، بل وصية دموع: "لا توقفوا البحث عن محمد.. ابحثوا عنه حتى بعد موتي".
ورغم أن الأسرة حصلت في 2020 على معلومات مؤكدة من إدارة سجن المنصورة المركزي تفيد بتسليم محمد لقوات "مكافحة الإرهاب"، إلا أن الحقيقة الرسمية لا تزال غائبة، والجدران صامتة.
واليوم، وبعد مرور 9 سنوات كاملة على غيابه، تظل قضية الغفوري شاهدة على ملف "المخفيين قسراً" في سجون المجلس الانتقالي بعدن، ملفٌ يستنزف أرواح الأمهات ليغادرن الحياة بقلوب مقهورة، بينما يبقى مصير الأبناء طي الكتمان، بانتظار كشف الحقيقة التي طال انتظارها.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news