اليمن .. وطن بلا دولة ومواطن يدفع ثمن الصراع المفتوح
قبل 2 دقيقة
تعيش اليمن اليوم لحظة تاريخية معقدة تتقاطع فيها السياسة مع الوطن، ويتقاسم فيها المواطن عبء الصراع وتبعاته اليومية. فالأحداث الأخيرة، بما تحمله من تصعيد عسكري وتحركات سياسية متباينة، أعادت طرح السؤال القديم الجديد حول معنى الدولة، وحدود الشرعية، ومسؤولية القوى المحلية والإقليمية تجاه شعب أنهكته الحرب.
لقد كشفت التطورات الأخيرة عن هشاشة التوازنات القائمة، وأظهرت أن منطق القوة ما زال يتقدم على منطق الحوار. فكل تقدم ميداني لطرف، يقابله انكماش في فرص السلام، وتتسع معه دائرة الخسائر الإنسانية. وبين البيانات السياسية المتضادة، يبقى المواطن اليمني هو الحلقة الأضعف، ينتظر نهاية لا تأتي، ووعدًا بالاستقرار يتأجل باستمرار.
سياسيًا، تعكس الأحداث على الأرض حالة انسداد عميق في المسار الوطني. فغياب مشروع جامع، وتعدد مراكز القرار، وتضارب الأجندات، جعل من الوطن ساحة مفتوحة للتجاذبات. ولم تعد القضية مجرد خلاف على السلطة، بل صراع على هوية الدولة ومستقبلها. هذا الواقع يهدد النسيج الاجتماعي، ويعمق الانقسامات المناطقية، ويقوض أي محاولة لبناء عقد وطني جديد.
أما وطنياً، فإن اليمن يدفع ثمناً باهظًا. فالمؤسسات تآكلت، والاقتصاد شارف على الانهيار، والخدمات الأساسية أصبحت حلماً يوميًا للملايين. الكهرباء والمياه والصحة والتعليم تحولت إلى امتيازات نادرة، بينما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن، ويزداد الفقر اتساعًا وقسوة. وفي ظل هذا المشهد، تتراجع قيم الانتماء لصالح البحث عن النجاة الفردية.
المواطن اليمني اليوم يعيش بين الخوف والأمل؛ خوف من غدٍ أكثر قسوة، وأمل ضعيف بأن تنتهي هذه الدوامة.
أما الأطفال، فقد نبتت على وجوههم تجاعيد الزمن، وكبروا في لحظة واحدة؛ أصبحوا ناضجين قبل أن يعرفوا معنى الطفولة.
إن أثر الأحداث الأخيرة لا يقاس فقط بما يحدث في الجبهات أو قاعات السياسة، بل بما يتركه في النفوس. فالشعور العام بالإحباط، وفقدان الثقة، وتطبيع المعاناة، كلها نتائج خطيرة قد تستمر حتى بعد توقف الحرب. لذلك، فإن أي حل سياسي لا يضع المواطن في قلبه سيبقى حلاً ناقصًا.
ختامًا، يحتاج اليمن اليوم إلى شجاعة وطنية حقيقية، تتجاوز الحسابات الضيقة، وتعيد الاعتبار لمعنى الوطن كمساحة جامعة لكل أبنائه. فالسلام ليس تنازلاً، بل إنقاذ لما تبقى، والسياسة ليست غلبة، بل مسؤولية. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن اليمني هو البوصلة الحقيقية، وأي مسار لا ينتهي عند كرامته وحقوقه هو مسار إلى مزيد من التيه.
كما أن المسؤولية التاريخية تفرض على النخب السياسية والإعلامية مراجعة خطابها، والتوقف عن تأجيج الكراهية، والعمل على بناء لغة جامعة تعترف بالأخطاء وتفتح باب المصالحة. فاليمن لا يحتاج إلى منتصرين جدد، بل إلى دولة عادلة، وقانون يحمي الجميع، ومؤسسات تستعيد ثقة الناس.
إن إعادة الإعمار ليست إسمنتًا فقط، بل إعادة ترميم للثقة، وإحياء للأمل، واستثمار في الإنسان بوصفه غاية السياسة ووسيلتها. ومن دون مشاركة حقيقية للمجتمع، واحترام للتنوع، وضمان للعدالة الانتقالية، ستظل الأزمات قابلة للتجدد. لذلك، فإن اللحظة الراهنة، رغم قسوتها، قد تكون فرصة نادرة لإعادة تعريف الأولويات، ووضع حد لدورة العنف، والانطلاق نحو مستقبل يستحقه اليمنيون.
إن صمت العالم، وتراجع الاهتمام الدولي، يزيدان من معاناة اليمن، ويمنحان الصراع عمرًا أطول. ومع ذلك، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الداخل، وقدرة اليمنيين على استعادة قرارهم، وصياغة مشروع وطني مستقل. فالتاريخ لا يرحم المترددين، والوطن لا يُبنى بالنوايا وحدها، بل بإرادة سياسية صادقة، وتنازلات متبادلة، وحماية للسيادة، وصون لكرامة الإنسان في كل مدينة وقرية. وعندها فقط يمكن للألم أن يتحول إلى درس، وللمعاناة أن تصنع وعياً جديدًا، يعيد لليمن مكانته، ويمنح أبناءه حق الحياة، والأمان، والمستقبل. بعيدًا عن السلاح، وتغليب صوت العقل، والحكمة، والعدالة، التي بدونها لا تقوم دولة، ولا يستقر وطن. ولا يمكن للتاريخ أن يغفر استمرار هذا النزيف الإنساني والسياسي في اليمن اليوم وغدًا إن استمر الصمت.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news