الكتابة كتمرين على الهزيمة

     
بيس هورايزونس             عدد المشاهدات : 130 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
الكتابة كتمرين على الهزيمة

الكتابة تمرين صارم على تقبّل الخسارة الكاملة، الخسارة التي لا تترك خلفها سوى رماد المفردات. من يكتب لا يربح، من يكتب يعلن دون وعي أنه فشل في أن يُسمَع فآثر أن يُقرأ. اللغة كانت دوماً أداة الأقوياء، إلا في الكتابة تصبح اللغة وسادة البائسين ومهرب الهاربين من حياة رفضت أن تُعاد صياغتها خارج شروط السوق أو سلطة القمع أو منطق القطيع.

سارتر كاهن الحيرة رأى أن الكاتب يكتب لأنه لم يختر أن يوجد فقرر أن يخترع نفسه في جملة اسمية .. وكأن الكتابة محاولة يائسة لإقناع العالم أو الذات بأننا لسنا عبثاً صرفاً بل على الأقل عبث أنيق العبارة.. ألبير كامو كتب “الطاعون” لا لأنه كان يحب الجزائر بل لأنه لم يكن يحتمل صمتها. الكتابة بهذا المعنى ليست إنتاجاً فكرياً بل نوع من الحياة البديلة، حياة على الورق لأن الحياة الواقعية أقل من أن تُحتمل.

الكتابة لا تغيّر العالم لكنها تغيّر الكاتب، وهذا بالضبط جوهر الهزيمة النبيلة، أن تبني متحفاً من الكلمات في خرائب التجربة .. الذين غيّروا العالم لم يكتبوا كثيراً، نابليون لم يؤلف ديواناً، هولاكو لم ينشر مقالاً نقدياً في مجلة “الٱداب”، الله حين قرر أن يُعلن نفسه لم يكتب كتاباً بخط يده بل استعان بوحي شفوي وبسلسلة من الرواة، كأن الكتابة أمر ثانوي في مجرى الخلق.

الكاتب المهزوم هو من جلس ليوثّق السقوط لا الانتصار، من كتب لا ليقنع الآخرين بل ليخدع نفسه ويقنعها أن ما حدث لم يكن كارثياً كما يبدو .. تماماً كما يفعل الجنود بعد الهزيمة، يعدّون الرصاصات التي لم تُطلق، ويتحدثون كثيراً عن الطقس في ساحة المعركة.

ما تكتبه ليس نصاً بل تقريراً داخلياً عن فشل لم تتجاوزه بعد، والمفارقة أن القرّاء يحبون هذا الفشل، يحبون أن يروك محطماً على الورق، لأن ذلك يمنحهم لحظة خادعة من النجاة. والكتابة لا تجيد التوقيت، دائماً تأتي متأخرة كالمعزين الذين نسوا التاريخ، أو كمحامٍ يظهر بعد صدور الحكم .. إنها تشرح ما حدث بعد أن لم يعد أحد يهتم، ولذلك تُقرأ بمتعة باردة، كأنك تستعرض صور حفل لم يُدعَ إليه أحد. الكتابة أيضاً ليست شجاعة بل ردّ فعل عصبي على الفزع، هي شتيمة غير معلنةونحيب بصوت هادئ وصرخة تم ترويضها بالحروف.

الكاتب لا يحارب .. لأنه فقد الإيمان بالسلاح، ولأنه لا يثق بالنصر، فآثر أن يحمل دفتراً بدلاً من بندقية، لكنه رغم كل ذلك يواصل لأنه لم يتقن شيئاً آخر، ولأنه أدمن الهزيمة حتى صارت وطنه الوحيد .. لا أحد يكتب لأنه سعيد، ولا يكتب لأنه يريد تعليم الآخرين. الكاتب ببساطة يكتب لأنه لم يجد طريقة أنضج ليبكي فبكى الأبجدية. لا أحد يربح في الكتابة، كلنا نخسر ونصوغ خسارتنا بأسلوب جميل .. وهذا وحده أفظع انتصار.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

غارات إسرائيلية واسعة تضرب طهران.. أكثر من 80 مقاتلة تقصف مواقع للحرس الثوري

حشد نت | 869 قراءة 

ترامب يحدد دولة جديدة لمهاجمتها بعد الانتهاء من حرب إيران ويهدد أن "أيامها معدودة"

الوطن العدنية | 796 قراءة 

مصادر أمنية: الحوثيون يوسعون شبكة أنفاق سرية تحت أحياء صنعاء

حشد نت | 774 قراءة 

قرار مفاجئ من السلطات الإماراتية تجاه اليمنيين المقيمين بالإمارات

المشهد اليمني | 653 قراءة 

صنعاء تصدر الإنذار الأخير وتدعو للإخلاء الفوري قبل الكارثة المحتملة

عدن الغد | 651 قراءة 

عاجل: إيران تعلن رسميا ”وقوع جنود أمريكيين في الأسر”!!

المشهد اليمني | 570 قراءة 

تصعيد عسكري غامض قرب الحدود السعودية الإماراتية

موقع الجنوب اليمني | 567 قراءة 

قرار رسمي صارم يرعب كل قيادات المجلس الإنتقالي الجنوبي

المشهد اليمني | 537 قراءة 

تعزيز غير مسبوق.. البحرية الأمريكية تدفع بثقلها نحو الشرق الأوسط

حشد نت | 532 قراءة 

أنباء عن نهب قواطر عسكرية محملة بالأسلحة واشتباكات وقتلى وجرحى في حلية بلحج

موقع الأول | 522 قراءة