تشهد اليمن اليوم واحدة من أعقد مراحلها التاريخية، حيث تتداخل فيها أزمات الدولة مع صراعات الهوية، وتتقاطع فيها مشاريع سياسية متناقضة حول شكل الدولة ومستقبلها. وفي ظل هذا الواقع المضطرب، تعود فكرة الدولة الوطنية الموحدة إلى الواجهة بوصفها الإطار الأكثر قدرة على إنقاذ اليمن من دوامة العنف والتشظي، وإعادة بناء عقد وطني جامع يستوعب جميع أبنائه.
ارتبطت الدولة الوطنية في اليمن منذ بداياتها الحديثة بإعلان الوحدة اليمنية عام 1990، التي مثلت نقطة تحول كبرى في تاريخ البلاد، إذ نقلت اليمنيين من واقع التشطير والصراع إلى فضاء الدولة الواحدة القائمة على التعددية السياسية والشراكة الوطنية. وفي هذا المناخ الجديد، تشكلت القوى السياسية الحديثة، وكان من أبرزها التجمع اليمني للإصلاح.
ومنذ نشأته، ارتبط الإصلاح بفكرة الدولة الوطنية الواحدة، حيث نشأ في بيئة سياسية فتحت المجال أمام العمل الحزبي والتنافس الديمقراطي، مما جعله جزءًا من البنية السياسية التي قامت عليها الجمهورية اليمنية الحديثة، وتعبيرًا عن رؤية أوسع تتعلق ببناء دولة وطنية تستوعب الجميع.
ومع تعاقب الأزمات والتحولات، ظل السؤال الجوهري حاضرًا: كيف يمكن لليمن أن ينتقل من حالة الصراع إلى حالة الدولة؟ وهنا برز دور القوى السياسية، وفي مقدمتها الإصلاح، في تقديم تصورات عملية لمشروع الدولة المدنية، بوصفه الخيار الذي يجمع بين الوحدة، والديمقراطية، والمواطنة المتساوية.
من التأصيل الشرعي إلى الوعي الوطني
تأسست رؤية التجمع اليمني للإصلاح للوحدة اليمنية على بُعد فكري عميق لا يكتفي باعتبارها خيارًا سياسيًا أو نتيجة تفاهمات ظرفية، بل يضعها في إطار أوسع يرتبط بالقيم الدينية والإنسانية والمصير المشترك. وفي هذا السياق، تأتي الإشارة إلى الطرح الفكري الذي يربط بين وحدة المسلمين عمومًا، والعرب خصوصًا، ووحدة الأسرة اليمنية باعتبارها أكثر تجليات هذا المعنى عمقًا، لما تحمله من روابط التاريخ واللغة والهوية والمصير الواحد.
ومن هذا المنطلق، تُقدَّم الوحدة اليمنية باعتبارها التزامًا يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، لتصبح واجبًا يرتبط بالمصلحة العليا للوطن، لا مجرد خيار قابل للتفاوض أو المساومة. فالتصور الفكري الذي يستند إليه الحزب يرى أن التفريط في الوحدة لا ينعكس فقط على الواقع السياسي، بل يمس جوهر الكيان الاجتماعي والروحي للمجتمع اليمني، بما يحمله من تشابك تاريخي وثقافي ممتد بين شمال الوطن وجنوبه وشرقه وغربه.
وهكذا يتشكل موقف حزب الإصلاح بشكل واضح، حيث يرى أن الوحدة ليست حالة إدارية أو صيغة حكم، بل هي تعبير عن وحدة المصير والهوية، وأن أي مساس بها يمثل انحرافًا عن المسار الطبيعي لتطور الدولة اليمنية، ولذلك ارتبط هذا الفهم بموقف مبدئي يرفض التشطير والتجزئة، ويعتبرها حالة طارئة أنتجتها ظروف سياسية غير مستقرة.
كما يكشف هذا التصور المبكر أن فكرة الوحدة لم تولد مع لحظة إعلانها، بل سبقتها حالة وعي فكري وسياسي وإعلامي أسهمت في تهيئة الأرضية لها، واعتبارها ضرورة تاريخية لا يمكن تجاوزها، وهو ما منحها لاحقًا عمقًا اجتماعيًا جعلها تتجاوز كونها اتفاقًا سياسيًا إلى كونها مشروعًا وطنيًا جامعًا.
من التنظير إلى التطبيق
مع دخول الوحدة اليمنية حيز التنفيذ، انتقلت الفكرة لدى الإصلاح من مستوى التنظير إلى مستوى التطبيق، حيث واجهت أول اختبارات وجودها في الواقع السياسي المعقد للدولة الناشئة، حيث برز موقف التجمع اليمني للإصلاح كأحد المواقف السياسية التي أعلنت بوضوح دعمها للوحدة، واعتبرتها خيارًا إستراتيجيًا لا يمكن التراجع عنه، خصوصًا في ظل التحديات التي رافقت مرحلة ما بعد الإعلان.
وقد تجسد هذا الموقف بصورة أكثر وضوحًا خلال حرب صيف 1994، حيث وقف الإصلاح إلى جانب الدولة والوحدة في مواجهة مشروع الانفصال، انطلاقًا من قناعة بأن تفكك الدولة يعني فتح الباب أمام صراعات أعمق تهدد الكيان الوطني برمته. ولم يكن هذا الموقف ظرفيًا، بل جاء امتدادًا لرؤية تعتبر أن الحفاظ على الوحدة هو حفاظ على فكرة الدولة نفسها.
ومع تطور الأحداث لاحقًا، خاصة بعد انقلاب 2014، عاد التهديد ليأخذ شكلًا أكثر تعقيدًا، مع صعود مشروع حوثي مسلح يحمل أبعادًا سلالية وطائفية، مما أعاد طرح سؤال الوحدة من زاوية مختلفة. وفي هذا السياق، انحاز الإصلاح إلى خيار الشرعية والدولة، معتبرًا أن مواجهة هذا المشروع لا تتعلق بصراع سياسي فحسب، بل بصراع على هوية الدولة اليمنية وشكلها ومستقبلها.
وفي المستوى الاجتماعي، لم يقتصر هذا الموقف على الإطار السياسي، بل تجسد في حضور اجتماعي واسع لأبناء الإصلاح ومنتسبيه في مختلف المحافظات، حيث ساهموا في مواجهة الانقلاب، ورفض محاولات إثارة الانقسامات الطائفية والمناطقية والقبلية، بما يعكس تحول فكرة الوحدة إلى ممارسة يومية لدى الإصلاح كجزء داخل النسيج الاجتماعي، منذ لحظة تأسيسه وحتى اليوم.
التأسيس في ظل الوحدة
شكّل إعلان الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990 نقطة تحول حاسمة في تاريخ اليمن الحديث، ليس فقط على مستوى الجغرافيا السياسية، بل في طبيعة الدولة نفسها. فقد انتقل اليمنيون من نظامين متباينين في البنية والأيديولوجيا إلى دولة واحدة فتحت المجال أمام إعادة صياغة الحياة السياسية على أسس جديدة، كان أبرزها إقرار التعددية الحزبية، وحرية التعبير، وإتاحة المجال العام لمختلف القوى الاجتماعية والسياسية. وفي هذه اللحظة تحديدًا، وُلد التجمع اليمني للإصلاح كأحد أبرز تجليات هذا التحول.
لقد جاء تأسيس الإصلاح نتيجة تراكمات اجتماعية وفكرية سبقت الوحدة، ووجدت في مناخها فرصة للظهور العلني والعمل المنظم. فقد التقت داخل الحزب مكونات متعددة من التيار الإسلامي والقبلي والتعليمي، في إطار رؤية تسعى إلى التفاعل مع الدولة الجديدة لا التصادم معها، والمشاركة في بنائها من داخل مؤسساتها، وهذا ما منح الإصلاح منذ بدايته طابعًا مركبًا، يجمع بين الامتداد المجتمعي والحضور السياسي.
ومنذ لحظة التأسيس، ارتبط الإصلاح بفكرة الدولة الموحدة باعتبارها الإطار الذي يمنح العمل السياسي شرعيته، ويضمن استمراريته، فلم يتعامل الحزب مع الوحدة كواقع مفروض، بل كخيار وطني يستوجب الحماية والتطوير. ولذلك انخرط مبكرًا في العملية السياسية، وشارك في الانتخابات البرلمانية، وأسهم في تشكيل ملامح التجربة الديمقراطية الناشئة، كتعبير عن قناعة بأن الدولة لا تُبنى إلا عبر المشاركة لا العزلة.
كما ساهم وجود الإصلاح كقوة سياسية منظمة في تثبيت التعددية داخل النظام السياسي الجديد، حيث مثّل أحد الأعمدة التي قامت عليها معادلة التوازن بين القوى المختلفة؛ فالدولة التي نشأت بعد الوحدة لم تكن قائمة على حزب واحد أو توجه أحادي، بل على تعدد الفاعلين، وكان للإصلاح دور واضح في ترسيخ هذا الواقع من خلال حضوره في البرلمان، ونشاطه في المجتمع، ومواقفه من القضايا الوطنية. وبهذا المعنى، يمكن القول إن العلاقة بين الإصلاح والوحدة علاقة تأسيس متبادل أسهمت في تشكيل ملامح الدولة اليمنية الحديثة.
الدولة الوطنية كمشروع اجتماعي
تنطلق رؤية التجمع اليمني للإصلاح للدولة الوطنية من فهم عميق لطبيعة المجتمع اليمني وتعقيداته التاريخية، حيث لا تُطرح الدولة بوصفها مجرد هيكل إداري أو سلطة سياسية، بل باعتبارها إطارًا جامعًا يعيد تنظيم العلاقة بين المجتمع والسلطة على أساس الحقوق والواجبات.
وفي هذا السياق، يقدّم الإصلاح تصورًا يقوم على أن الدولة لا يمكن أن تكون مستقرة أو قابلة للحياة ما لم تُبنَ على قاعدة المواطنة المتساوية، التي تذيب الفوارق التقليدية القائمة على السلالة أو المنطقة أو الانتماء الضيق، وتُحِلّ محلها هوية وطنية جامعة.
وبرز مفهوم التعددية السياسية كركيزة أساسية في بناء الدولة المدنية، إذ يرى الإصلاح أن التعددية ليست حالة اضطرارية فرضتها الوحدة، بل خيارا واعيا يضمن استيعاب التنوع داخل المجتمع اليمني. فالتجربة التاريخية في اليمن، كما في غيره من الدول، أثبتت أن إقصاء القوى السياسية أو احتكار المجال العام يؤدي بالضرورة إلى الانفجار، بينما يتيح الانفتاح السياسي إدارة الاختلاف ضمن مؤسسات الدولة بدلًا من انتقاله إلى ساحات الصراع. ومن هنا، يربط الإصلاح بشكل واضح بين بقاء الوحدة اليمنية واستمرار التعددية السياسية، باعتبارهما وجهين لعملية واحدة.
ولا تقف رؤية الإصلاح عند حدود التعددية، بل تمتد إلى التأكيد على التداول السلمي للسلطة بوصفه آلية عملية لضمان تجديد الشرعية ومنع تراكم الأزمات. فمشاركة الحزب في الانتخابات النيابية والمحلية، وانخراطه في العملية السياسية منذ بداية الوحدة، كان تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن الاحتكام لصناديق الاقتراع هو الطريق الوحيد لبناء دولة مستقرة. وفي مقابل ذلك، يرفض الحزب بشكل واضح أي محاولات لفرض السلطة بالقوة أو خارج الأطر الدستورية، انطلاقًا من أن هذه الممارسات تقوض أساس الدولة وتفتح الباب أمام دورات متكررة من الصراع.
ومن زاوية أخرى، يولي الإصلاح أهمية خاصة لدور المجتمع في بناء الدولة الوطنية، حيث لا يرى الدولة ككيان منفصل أو متعال على المجتمع، بل كنتاج طبيعي لتفاعلاته. ولهذا، ارتبط حضوره السياسي بنشاط واسع في مجالات التعليم والعمل الاجتماعي والإغاثي، في محاولة لتعزيز قيم التماسك المجتمعي والانتماء الوطني، ويعكس هذا التوجه قناعة بأن الدولة لا تُبنى فقط عبر النصوص الدستورية، بل عبر بناء إنسان واعٍ قادر على حماية هذه الدولة والدفاع عن قيمها، وهو ما يجعل مشروع الدولة الوطنية في جوهره مشروعًا مجتمعيًا بقدر ما هو مشروع سياسي.
التجمع اليمني للإصلاح والوحدة اليمنية.. من التأصيل الفكري إلى الممارسة الوطنية الفاعلة
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news