بالنظر إلى ما تكشفه الوقائع المتداولة خلال الأسابيع الأخيرة، فإن ما يعيشه اليمن اليوم ليس أزمتين منفصلتين، بل أزمة نقدية مركبة ذات وجهين متلازمين: الأول شحّ واضح في السيولة النقدية الورقية بالريال اليمني داخل الأسواق، والثاني امتناع أو تقييد واسع من قبل كثير من شركات الصرافة في شراء العملات الأجنبية من المواطنين، أو الاكتفاء بشرائها ضمن حدود ضيقة وسقوف يومية متدنية لا تتناسب مع حاجة السوق. وهذا الترابط ليس عارضًا؛ لأن ندرة الريال في التداول تدفع إلى الامتناع عن شراء النقد الأجنبي، كما أن الامتناع عن الشراء يفاقم بدوره اختناق السوق ويعطل دورة النقد، فتدخل السوق في حلقة مغلقة من الجمود والارتباك وفقدان الثقة.
وقد اكتسبت هذه الأزمة صفتها الرسمية حين أقرّ البنك المركزي في عدن بوجود نقص في السيولة من العملة الوطنية داخل الأسواق، ثم عاد لاحقًا ليصف الوضع بأنه شحة في المعروض من الريال مع تزايد الطلب عليه من المواطنين، مؤكدًا استمرار التنسيق مع البنوك وجمعية الصرافين؛ غير أن الإقرار بالمشكلة، على أهميته، لا يكفي بذاته ما لم يتحول إلى تدخل فعلي حاسم يعيد انسياب النقد إلى السوق ويكسر حالة الشلل التي طالت المعاملات اليومية، وأثقلت كاهل المواطنين، وأربكت النشاط التجاري والمالي.
طبيعة الأزمة النقدية الراهنة وأسبابها:
من حيث الأسباب، فإن الأزمة لا يمكن اختزالها في سلوك الصرافين وحدهم، ولا في نقص عابر للسيولة، بل هي نتيجة تراكم اختلالات مالية ونقدية ومؤسسية.
فالسبب الهيكلي يتمثل في الاختناق المالي العام الناتج عن تراجع موارد الدولة من النقد الأجنبي، خصوصًا منذ تعطل صادرات النفط، بما أضعف قدرة المالية العامة والبنك المركزي معًا على إدارة السيولة بكفاءة ومرونة؛ فعندما تفقد الدولة موردها الأهم من العملة الصعبة، وتضعف قدرتها على تمويل النفقات العامة والالتزامات الأساسية، فإن أثر ذلك لا يبقى محصورًا في الموازنة، بل يمتد مباشرة إلى القطاع المصرفي، وإلى قدرة السوق على الوصول إلى النقد المحلي والأجنبي معًا.
يضاف إلى ذلك اختلال واضح في تركيب السيولة داخل السوق؛ فالمشكلة لا تبدو دائمًا في غياب القيمة النقدية من حيث المجموع، بل في اختلال شكلها وتوزعها؛ إذ قد توجد لدى الأفراد كميات معتبرة من العملات الأجنبية، في حين يندر الريال الورقي اللازم لتحويل تلك العملات إلى سيولة محلية قابلة للاستخدام؛ وهذا ما يفسر جزئيًا كيف يمكن أن تتوافر العملة الأجنبية في أيدي المواطنين، بينما يعجز السوق عن شرائها، لا لغياب الرغبة دائمًا، بل لغياب المقابل النقدي المحلي الجاهز؛ ومع تحسن سعر الصرف نسبيًا في فترات معينة، اندفع كثير من المواطنين إلى تحويل ما لديهم من مدخرات بالعملة الأجنبية إلى الريال، فازداد الضغط على النقد الورقي بصورة حادة، وظهرت الاختناقات بسرعة في منافذ الصرافة.
كما لا يمكن تجاهل عامل الاكتناز وحبس السيولة خارج الدورة الطبيعية؛ فحين تسود الشكوك، ويغيب الاطمئنان إلى استقرار السوق، ويفقد الفاعلون الاقتصاديون الثقة في استمرارية التدفقات النقدية، يميل الأفراد والتجار وبعض المنشآت إلى الاحتفاظ بما لديهم من النقد المحلي خارج التداول تحسبًا للأسوأ، أو انتظارًا لتحسن شروط السوق، وهذا السلوك، وإن بدا مفهومًا من زاوية الحذر الفردي، يتحول على المستوى الكلي إلى أحد أبرز أسباب تعميق الاختناق، لأن السيولة لا تختفي بالضرورة من البلد، بل قد تنسحب من التداول وتتعطل وظيفتها الأساسية في التبادل والتسوية.
ومن الأسباب التي أسهمت كذلك في تعقيد الأزمة، أن البنك المركزي تبنى سياسات احترازية مشددة هدفها الأساسي حماية سعر الصرف وكبح المضاربات، وهي غاية مفهومة ومشروعة في ظل هشاشة الاقتصاد وتعدد الضغوط؛ غير أن تغليب الاعتبار السعري على الاعتبار التشغيلي للسيولة يمكن أن يؤدي عمليًا إلى تقليص مرونة السوق النقدية، خصوصًا إذا لم يرافقه ضخ منظم ومدروس للريال في القنوات المحتاجة؛ فالحفاظ على سعر الصرف مهم، لكن ترك السوق دون تغذية كافية بالنقد المحلي يفضي إلى اختناق قد يكون ثمنه الاقتصادي والاجتماعي باهظًا؛ وهنا تكمن حساسية إدارة السياسة النقدية في البيئات الهشة: إذ لا يكفي تثبيت السعر إذا كان ذلك يتم على حساب تعطيل التداول اليومي وشلل المعاملات؛ ولا يقابله تدخل البنك المركزي للدفاع عن السعر الثابت سواء بتوفير الريال المحلي أو العملة الصعبة عند الحاجة.
ثم إن سوق الصرافة نفسها تعاني منذ سنوات من اختلالات رقابية ومؤسسية معروفة؛ فضعف الانضباط، وتفاوت الالتزام بين المنشآت، واتساع الممارسات الخارجة عن النظام، كلها عوامل تجعل أي شح في السيولة يتحول بسرعة إلى امتناع جماعي أو انتقائي، وإلى حالة من السلوك السوقي غير المنضبط؛ وفي الأسواق الرخوة تنظيميًا، لا تحتاج الأزمة إلى وقت طويل حتى تنتقل من مشكلة نقدية إلى حالة ارتباك عام تتغذى على الشائعات، وتنتج ممارسات دفاعية أو انتهازية تزيد المشهد سوءًا.
مركز المسؤولية المؤسسية عن الأزمة :
مهما تعددت الأسباب وتشابكت، فإن المسؤولية المؤسسية الأولى عن هذه الأزمة تبقى واقعة على عاتق البنك المركزي؛ وهذه نتيجة مباشرة لطبيعة الاختصاص؛ فالبنك المركزي هو الجهة صاحبة الولاية على النقد والسيولة، وهو المسؤول عن إدارة عرض النقد، وتنظيم السوق، ومراقبة البنوك وشركات الصرافة، وتفعيل أدوات التدخل والرقابة والمعالجة؛ ومن ثم، فسواء كانت الأزمة حقيقية ناتجة عن اختلالات مالية ونقدية موضوعية، أم كانت مصطنعة بفعل اكتناز أو تواطؤ أو ممارسات احتكارية، فإن المسؤول الأول عنها هو البنك المركزي؛ لأنه إن كانت حقيقية فهذا يعني أن أدواته في إدارة السيولة لم تكن بالقدر الكافي من الفاعلية، وإن كانت مصطنعة فهذا يعني أن الرقابة والضبط والتدخل لم ترتقِ إلى مستوى كسر التلاعب في الوقت المناسب.
ولا يعني ذلك إعفاء بقية الأطراف من المسؤولية؛ فشركات الصرافة الكبرى، وجمعياتها، والمنشآت التي امتنعت عن الشراء أو قيّدت تعاملاتها إلى مستويات غير مبررة، تتحمل مسؤولية مباشرة في تعميق الأزمة على مستوى السوق والمواطن؛ كما أن الحكومة تتحمل مسؤولية غير مباشرة، لأن أصل الاختناق النقدي مرتبط بانهيار الإيرادات العامة، وتعثر الموارد السيادية، وضعف انتظام تمويل الرواتب والخدمات، وهي كلها عوامل تضغط على الجهاز النقدي وتجعله يعمل في بيئة شديدة الهشاشة؛ غير أن هذا كله لا يغيّر من الحقيقة المركزية: في الأزمات النقدية لا يجوز تشتيت المسؤولية؛ فالمسؤول الأول هو البنك المركزي، لأنه الطرف الوحيد الذي يملك الولاية والأدوات والقدرة القانونية على التشخيص والتدخل والحسم.
البنك المركزي بوصفه المسؤول الأول عن المعالجة :
ومن هنا، فإن المسؤول الأول عن المعالجة هو البنك المركزي كذلك، بوصفه مركز الفعل النقدي في الدولة؛ فالمعالجة تبدأ بالضخ المنظم والمدروس للسيولة، وتغذية السوق بالنقد المحلي عبر القنوات الرسمية، وإعادة توزيع الكتلة النقدية على نحو كفء يضمن وصولها إلى نقاط الطلب الفعلية؛ ولا يكفي في هذا المقام التنسيق العام أو البيانات المطمئنة، بل المطلوب برنامج تشغيلي واضح، يومي ومعلن، يحدد حجم السيولة التي ستُدفع، والجهات التي ستُغذى بها، والأولويات الجغرافية والقطاعية التي ستُغطى، بما يعيد الثقة إلى السوق ويكسر التوقعات السلبية.
كما أن البنك المركزي مطالب بفتح آلية عملية تجعل البنوك وشركات الصرافة قادرة على شراء العملات الأجنبية من المواطنين، لا أن تُترك وحدها في مواجهة الطلب وهي تعاني أصلًا من نقص الريال؛ فالمسألة هنا لا تُحل بإصدار أوامر مجردة، بل ببناء نافذة سيولة أو ترتيبات تسوية تُمكّن هذه الجهات من الحصول على النقد المحلي مقابل ما تجمعه من عملات أجنبية أو مقابل ضمانات وسقوف تشغيلية منضبطة؛ عندها فقط يصبح من المنطقي مطالبتها بالقيام بدورها في خدمة السوق، لا بصفتها ممولًا ذاتيًا للأزمة، بل باعتبارها قناة تنفيذية ضمن سياسة نقدية متكاملة.
أدوات التدخل والرقابة لكسر الاختناق :
وفي موازاة ذلك، فإن البنك المركزي مطالب بتفعيل أدواته الرقابية بجدية أكبر، لا سيما إذا اتضح أن جزءًا من الأزمة مصطنع أو مُفاقَم بفعل الممارسات السوقية؛ فالتفتيش الميداني، ومراجعة الأرصدة الفعلية، ومراقبة سقوف التعامل، واتخاذ عقوبات فورية بحق الممتنعين أو المتواطئين أو المحتكرين، جزء جوهري من وظيفة البنك في حماية السوق؛ وإذا كانت الأزمة حقيقية، فإن التدخل ينبغي أن يكون علاجيًا وتشغيليًا؛ وإذا كانت مصطنعة، فإن التدخل يجب أن يكون حاسمًا ورادعًا؛ وفي الحالتين، يبقى البنك المركزي هو الجهة الأقدر على امتصاص الصدمة، ومنع ردات الفعل العكسية، وكسر أي محاولة لابتزاز السوق والمواطنين.
المعالجات المكملة ومنع تكرار الأزمة :
ولا يقل أهمية عن ذلك التوسع الجاد في المدفوعات الرقمية، وربط جزء أكبر من التحويلات والرواتب والمدفوعات بمنظومات غير نقدية تخفف الضغط على الورق النقدي؛ فهذه ليست معالجة لحظية مكتملة، لكنها ضرورة استراتيجية لتقليل هشاشة السوق أمام أزمات السيولة المتكررة. كذلك فإن أي دعم خارجي أو تمويل مخصص للرواتب أو لعجز الموازنة يجب ألا يُنظر إليه بوصفه حلًا تلقائيًا للأزمة، ما لم يُربط بخطة تشغيل نقدي واضحة تضمن تحوله إلى تدفقات منظّمة داخل الجهاز المصرفي والسوق، لا إلى مجرد أرقام محاسبية لا يشعر بها المواطن في معاملاته اليومية.
ونخلص من ذلك أن الأزمة الراهنة نتاج تفاعل أربعة عوامل كبرى: ضعف مالي بنيوي للدولة، وتشدد نقدي واحترازي في إدارة السيولة، واكتناز وحبس للنقد المحلي خارج التداول، وضعف مستمر في انضباط سوق الصرافة، غير أن تعدد الأسباب لا يبدد مركز المسؤولية، بل يجعله أوضح؛ فالبنك المركزي هو المسؤول الأول عن الأزمة، لأنه صاحب الولاية على النقد والسيولة؛ وهو المسؤول الأول عن معالجتها أيضًا، لأنه وحده يمتلك أدوات الضخ والتنظيم والرقابة والتدخل لكسر الاختناق، سواء كان حقيقيًا أم مصطنعًا.
وبصياغة أكثر مباشرة: في الأزمات النقدية لا يجوز تشتيت المسؤولية. إن كانت الأزمة حقيقية، فذلك يعني قصورًا في إدارة السيولة وأدوات التدخل؛ وإن كانت مصطنعة، فذلك يعني قصورًا في الرقابة والضبط وكسر التلاعب، وفي الحالين، يبقى البنك المركزي هو نقطة البدء في التشخيص، ونقطة الحسم في المعالجة؛ وما لم يبادر إلى تدخل فعلي واسع ومنظم وشفاف، فإن السوق ستظل تدور في الحلقة ذاتها: شح في الريال، وامتناع في الشراء، واضطراب في التعاملات، واتساع في كلفة الأزمة على المواطن والاقتصاد معًا.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news