يوما بعد آخر، تتكشف تداعيات سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظة عدن والمحافظات المجاورة لأكثر من عشر سنوات، ومن ذلك حجم الاستيلاء على المقرات الحكومية وتحوّيلها إلى أصول خاصة بالمجلس المدعوم من الإمارات منذ تأسيسه عام 2017.
وتشير مصادر متعددة إلى أن عملية الاستيلاء كانت ممنهجة بقوة السلاح وطالت العشرات من المباني الحكومية، والمقرات الحزبية والإعلامية، والمؤسسات النقابية والإنسانية في العاصمة المؤقتة عدن ومحافظات جنوبية أخرى.
ويُنظر إلى تلك الحملة على أنها جزء من استراتيجية تهدف إلى تعطيل مؤسسات الدولة، وتجريف التعددية السياسية، وخنق الفضاء المدني.
وفيما يلي رصد لأبرز المقرات التي جرى الاستيلاء عليها والتي تظهر للسطح تباعا مع تراجع قبضة المجلس على عدن وسواها.
تعطيل ماكينة الدولة
بدأت ملامح هذه الاستراتيجية تتضح جلياً باستهداف المقرات الحكومية والسيادية، حيث شكلت أحداث أغسطس 2019 نقطة تحوّل كبرى باجتياح مقار الوزارات السيادية والخدمية في عدن وشل حركتها.
وامتدت هذه السيطرة لتشمل مبنى مصلحة الضرائب الذي استولى عليه المجلس وحوله لسنوات إلى مقر لـ "الجمعية الوطنية" (برلمانه الخاص)، قبل أن يتم استعادته في يناير 2026.
وتشير المعلومات إلى استخدام مبنى سكن محافظ عدن في منطقة جولد مور كمقر سكن لقيادات المجلس، وهو أيضاً مبنى حكومي. وفي السياق ذاته، استُخدمت قاعة وضاح – وهي ملهى ليلي مملوك للحكومة – كمبنى لقناة عدن المستقلة، بينما اتُّخذ مبنى مملوك لتاجر من تعز، كان يُعرف سابقاً بفندق حياة عدن، مقراً للأمانة العامة للمجلس.
ولم تقتصر العمليات على عدن، بل امتدت لتشمل إسقاط السلطة المحلية في محافظة أرخبيل سقطرى في يونيو 2020 والسيطرة على ديوان المحافظة.
كما طالت التحركات مقر هيئة الشؤون الخارجية الذي استُخدم كذراع سياسية خارج إطار الدولة الشرعية، إلى جانب المحاولات المتكررة للتحشيد المسلح أمام قصر معاشيق الرئاسي لتعطيل عمل الحكومة المعترف بها دولياً.
ضرب العمل الإنساني والحقوقي
على صعيد المجتمع المدني، دفع العمل الإنساني والنقابي فاتورة باهظة، ففي سابقة خطيرة في مايو 2024، تم اقتحام مقر وملجأ "اتحاد نساء اليمن" في عدن، حيث طُرد الطاقم وغُيرت الأقفال، ليتم تقاسم المبنى المخصص لإيواء النساء المعنفات بالقوة، مما حرم عشرات النساء والأطفال من مأوى آمن.
وفي السياق ذاته، طالت الانتهاكات "جمعية الإصلاح الاجتماعي الخيرية" بمصادرة أصولها وإغلاق مقراتها، متجاهلين دورها الإغاثي الذي يكفل آلاف الأيتام والأسر الفقيرة.
ولم تسلم الكيانات النقابية من هذا التجريف، حيث تعرض مقر نقابة الصحفيين اليمنيين بالتواهي في مارس 2023 لسطو مسلح طُرد على إثره العاملون وصودر المقر لصالح كيان موالٍ للمجلس، وهو السيناريو ذاته الذي تكرر مع مقرات اتحاد نقابات العمال ونقابات مهنية أخرى لخلق كيانات موازية.
إنهاء التعددية السياسية
سياسياً، عمل المجلس الانتقالي على إقصاء الخصوم وتجريف الحياة الحزبية؛ فقد تعرضت مقار حزب "التجمع اليمني للإصلاح" في كريتر والتواهي ومحافظات أخرى منذ عام 2017 وحتى 2019 لاقتحامات وعمليات إحراق ومصادرة.
ولم يقتصر الاستهداف على الإصلاح، بل طال مقر حزب "المؤتمر الشعبي العام" في عدن في مارس 2022، حيث تم السطو عليه ورفع لافتات الانتقالي وتحويله إلى مقر تابع له، ضمن خطة واسعة لإعادة توظيف المباني الحزبية السابقة لخدمة هيئات المجلس.
خنق حرية التعبير وإسكات الإعلام
لإحكام السيطرة على السردية العامة، وجه المجلس ضربات قاصمة للمؤسسات الإعلامية، الرسمية منها والمستقلة. ففي يونيو 2021، تم الاستيلاء على مباني وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) في رصيف السواح بالتواهي، وتحويله إلى مقر "للهيئة الوطنية للإعلام الجنوبي" وكذلك لقطاع الشؤون الخارجية، وهو مبنى حكومي. كما استُخدم مبنى وكالة "سبأ" في حي البنجسار كمقر لمركز التأهيل والتدريب.
كما تم اقتحام مؤسسة "14 أكتوبر" للصحافة ومبنى إذاعة وتلفزيون عدن للتحكم بالمحتوى الرسمي وتغيير الخط التحريري بالقوة. واستمر هذا النهج حتى وقت قريب، حيث شهد شهر فبراير 2026 اقتحاماً وتدميراً واسعاً لمقر ومحتويات صحيفة "عدن الغد" المستقلة.
الخلاصة
تُظهر هذه الحصيلة الموثقة أن استحواذ المجلس الانتقالي على المؤسسات في عدن والجنوب يتجاوز فكرة السيطرة الأمنية الميدانية، ليمثل إحلالاً قسرياً لهياكل الدولة والمجتمع المدني لصالح مشروع سياسي أحادي.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news