آ
كثّفت المملكة العربية السعودية جهودها لتوحيد وإعادة هيكلة القوات اليمنية المناهضة للحوثيين، عقب التوسع السريع ثم الانهيار المفاجئ للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات العربية المتحدة، وذلك بعد انسحاب أبوظبي العسكري من البلاد. ورغم أن الدور القيادي للرياض في اليمن بات بلا منازع، فإنها تواجه تحديات عسكرية وسياسية مُلِحّة في ظل حالة عدم اليقين الإقليمي.
وقال تحليل جديد لمعهد الشرق الأوسطآ آ (MEI) ترجمه موقع مأرب برس " أن جنوب اليمن شهد تحولًا سريعًا في التوازن السياسي والعسكري خلال الأشهر الماضية. ففي أوائل ديسمبر/كانون الأول 2025، سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعومة إماراتيًا، على محافظتي حضرموت والمهرة من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، معلنة خططًا لتنظيم استفتاء على الاستقلال خلال عامين. وطالب مجلس القيادة الرئاسي والمملكة العربية السعودية القوات الانفصالية بالانسحاب، محمّلين أبوظبي مسؤولية التقدم الميداني للمجلس. واعتبرت الرياض، التي تشترك بحدود تمتد لنحو 700 كيلومتر مع حضرموت، تلك التحركات تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
وفي نهاية ديسمبر/كانون الأول، استهدفت غارة جوية سفينتين في ميناء المكلا كانتا — بحسب رواية الحكومة — تنقلان أسلحة لصالح المجلس الانتقالي. ونفت الإمارات هذه الاتهامات، لكنها أعلنت إنهاء مهمتها في مكافحة الإرهاب في اليمن وسحبت ما تبقى من مستشاريها العسكريين وأصولها.
تحت ضغط الإنذارات السياسية والعمليات العسكرية، أُجبرت القوات الانفصالية على الانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها، بما في ذلك مواقع في المكلا وعدن. وفي مطلع يناير/كانون الثاني، نفذت القوات الحكومية، بدعم من التحالف الذي تقوده السعودية، عملية لاستعادة السيطرة على المنشآت العسكرية التي كان المجلس يسيطر عليها. وفي الفترة ذاتها، وُجّهت إلى زعيم المجلس عيدروس الزبيدي تهمة الخيانة العظمى، وغادر اليمن إلى الإمارات عبر أرض الصومال.
وعقب طرح السعودية مبادرة لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض، أعلن المجلس الانتقالي حلّ نفسه، وشارك أحد أجنحته في محادثات تمهيدية. إلا أن قيادات أخرى داخل اليمن رفضت الخطوة، وخرجت تظاهرات في عدن تأييدًا للحركة الانفصالية.
في سياق إعادة ترتيب مؤسسات الدولة بعد أزمة حضرموت والمهرة، عيّن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، رئيسًا جديدًا للوزراء، وأجرى تعديلًا وزاريًا، كما عيّن عضوين جديدين لشغل المقعدين الشاغرين في المجلس. والعضوان هما اللواء محمود أحمد سالم السبيحي، وزير الدفاع السابق الذي احتجزه الحوثيون لثماني سنوات، وسالم أحمد سعيد الخنبشي، محافظ حضرموت الذي قاد عملية استعادة المعسكرات في المحافظة. وفي 8 فبراير/شباط، أُعلنت حكومة موسعة تضم 35 وزيرًا.
في ظل هذا التحول المتسارع في موازين القوى الداخلية، لا تزال التوترات بين الولايات المتحدة وإيران مرتفعة. إذ تواصل واشنطن تعزيز وجودها العسكري في المنطقة للضغط على طهران تحسبًا لفشل المفاوضات الجارية. وقد يؤدي تجدد المواجهة بين الطرفين إلى تداعيات خطيرة على أمن الخليج عمومًا، وعلى اليمن خصوصًا، بالنظر إلى التقارب العسكري والأيديولوجي بين الحوثيين وإيران. ومن المرجح أن تدفع هذه المعطيات الرياض والحكومة اليمنية إلى التريث في تحديد آلية مواجهة الحوثيين، مع إعطاء أولوية لإصلاحات عسكرية هيكلية.
إعادة تنظيم الجيش: المؤشرات الأولية
في هذا السياق، بدأت تتبلور معالم إصلاح عسكري من خلال سلسلة قرارات يمنية–سعودية منبثقة عن التوازن العسكري–السياسي الجديد. ففي 10 يناير/كانون الثاني، أعلن الرئيس العليمي تشكيل لجنة عسكرية عليا لإعادة تنظيم وتجهيز وقيادة جميع القوات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. وتعمل اللجنة بالتنسيق الوثيق مع التحالف الذي تقوده السعودية، فيما تتكفل الرياض بدفع رواتب التشكيلات العسكرية، بما في ذلك تلك التي كانت تتلقى دعمًا إماراتيًا سابقًا. ووفق تصريحات رسمية، شمل التمويل عشرات الآلاف من مقاتلي المجلس الانتقالي، إضافة إلى قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح.
كما بدأت القوات الموالية للحكومة نقل منشآتها العسكرية إلى خارج المدن، في خطوة ذات أبعاد استراتيجية ورمزية، خصوصًا في عدن، العاصمة المؤقتة ومعقل المجلس سابقًا. وفي 20 يناير، سلّمت كتائب العمالقة معسكر جبل حديد في عدن إلى القوات الحكومية، في إطار خطة تهدف إلى تقليص الوجود العسكري داخل المراكز الحضرية، والإبقاء على وحدات الشرطة وقوات حماية المنشآت فقط.
آ
جميع شركاء الرياض: الصيغة السعودية الجديدة للقوة في اليمن
مع تراجع النفوذ الإماراتي في اليمن وانحسار السيطرة الإقليمية للمجلس الانتقالي الجنوبي، بدأت ملامح الاستراتيجية السعودية تتبلور، بما ينعكس على التعيينات السياسية ومسار الإصلاح العسكري. تقوم مقاربة الرياض على تجميع فاعلين متباينين: قوات درع الوطن المدعومة سعوديًا، وفصائل قبلية مسلحة (لا سيما من قبيلة الصبيحة)، وعناصر سلفية، وحزب الإصلاح وأذرعه العسكرية. وفي هذا السياق، قد تمثل كتائب العمالقة—التي لم يُختبر ولاؤها بعد بالكامل لراعيها السعودي الجديد—ورقة ترجيح محتملة نظرًا لحجمها وخبرتها القتالية وانتشارها الجغرافي.
لعبت قوات درع الوطن دورًا محوريًا في استعادة وتأمين مناطق كانت خاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي مطلع عام 2026. أُسست هذه القوات عام 2022 بدعم سعودي مباشر، ثم أُضفي عليها الطابع الرسمي عام 2023 كوحدة احتياطية تحت الإشراف المباشر لرئيس مجلس القيادة الرئاسي. ينتمي عدد من قادتها إلى قبيلة الصبيحة في محافظة لحج، فيما يضم قوامها مقاتلين من محافظات جنوبية عدة؛ أما تشكيلها في حضرموت فيتكوّن في معظمه من عناصر محلية ومن مقاتلين من شبوة.
تبدو قبيلة الصبيحة لاعبًا محوريًا ضمن الشبكة السعودية جنوبًا. ويتجاوز تأثيرها البعد الميداني، إذ ينتمي إليها أحد الأعضاء الجدد في البنية العسكرية الحاكمة، كما يُعدّ العميد حمدي شكري السبيحي، قائدًا بارزًا في كتائب العمالقة، من أبرز وجوهها—وقد نجا مؤخرًا من محاولة اغتيال في عدن، بما يعكس تشابك الولاءات في المشهد اليمني.
يتعزز حضور السلفيين داخل قوات درع الوطن وغيرها من التشكيلات المدعومة سعوديًا. وينتمي عدد من قادة هذه القوات إلى التيار السلفي، مع تجنيد عناصر قبلية ذات توجهات مماثلة. وتشير تقارير محلية إلى إنشاء مراكز تدريب في حضرموت تجمع بين التأهيل العسكري والتأطير الديني. وقبيل تصعيد أواخر 2025، استقطبت درع الوطن مقاتلين من الحزام الأمني المدعوم إماراتيًا في عدن وأبين، ومن كتائب العمالقة، عبر حوافز مالية أعلى وأكثر انتظامًا—على عكس ما كان سائدًا قبل سنوات.
لا يزال حزب الإصلاح، الذي يضم أطيافًا إسلامية بينها الإخوان المسلمون وسلفيون، يحتفظ بتأثير ملحوظ داخل المؤسسة العسكرية رغم تراجعه مقارنة بمرحلة ما قبل الحرب.
كتائب العمالقة: قوة تحويلية للسعودية؟
قد تمثل كتائب العمالقة—التي يُقدّر عديدها بنحو 30 ألف مقاتل—رافعة مؤثرة للرياض بعد انتقالها التدريجي إلى المعسكر السعودي عقب الانسحاب الإماراتي. نشأت الكتائب في سياق مقاومة الحوثيين في عدن، وتكوّنت من مقاتلين قبليين وسلفيين، كثير منهم من يافع في أبين. وهي لا تندرج رسميًا ضمن هيكل الجيش الحكومي، بل تعمل ضمن قيادة مشتركة في الساحل الغربي بقيادة طارق صالح ومقرها المخا قرب باب المندب.
يقود الكتائب عبد الرحمن المحرمي (أبو زرعة)، وهو سلفي من يافع درس في دماج. عُيّن عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، ثم نائبًا لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2023، ما عكس آنذاك تقاربًا مع أبوظبي. خلال أزمة الشرق، وقّع بيانًا مع قيادات في المجلس ينتقد آ«قرارات أحاديةآ» للرئيس العليمي، ثم زار الرياض والتقى وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، قبل أن يُكلَّف بالإشراف على ترتيبات أمنية في عدن بالتنسيق مع التشكيلات المدعومة سعوديًا—في مؤشر على تحوّل تموضعه السياسي.
تحديات الإصلاح العسكري بقيادة السعودية: العامل المحلي
لا تستند البنية السعودية الجديدة للقوة إلى وزارة الدفاع فحسب، بل إلى تحالفات مع تشكيلات مسلحة ترتبط إما برئاسة مجلس القيادة الرئاسي أو بقيادة الساحل الغربي. وكانت التشكيلات المدعومة إماراتيًا حتى مطلع 2026 مبنية على أسس محلية/مناطقية (الحزام الأمني في عدن وأبين، والنخب في شبوة وحضرموت). وعليه، فإن التحدي المركزي أمام اللجنة العسكرية العليا لا يقتصر على الدمج الشكلي، بل على إدماج تشكيلات مناطقية ضمن قيادة وطنية فعّالة.
ترتبط هذه المعضلة بمآلات مؤتمر الحوار الجنوبي الذي اقترحته الرياض. فكلما كان المؤتمر شاملًا ومحدد الأهداف—بما في ذلك وضع أفق موثوق لمعالجة القضية الجنوبية—تعزّزت فرص احتواء التشكيلات السابقة ومواءمة مصالحها. وتُظهر أحداث شبوة وعدن في فبراير (سقوط قتلى وجرحى في احتجاجات مرتبطة بالمجلس الانتقالي) حساسية العامل المحلي وأثره المباشر على قابلية الإصلاح.
عند إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، أشار الرئيس العليمي إلى دعم آ«جاهزيةآ» القوات للمرحلة التالية آ«في حال رفضت الميليشيات الحلول السلميةآ»â€”وهو تحذير موجّه للحوثيين، وربما أيضًا لأي طرف يعرقل التوافقات السياسية.
عمليًا، لا يعني الدمج القانوني سيطرة فعلية. فقوات النخبة الحضرمية، رغم إدماجها اسميًا ضمن المنطقة العسكرية الثانية منذ 2017، احتفظت بهوامش استقلال وتأثير خارجي. لذا قد تعوّل الرياض على أدوات موازية—انتظام الرواتب، شبكات الوساطة القبلية، والحوافز المؤسسية—لتثبيت الولاء على المدى المتوسط.
حضرموت تمثل عقدة مفصلية: محافظة متاخمة للسعودية وتضم غالبية الموارد النفطية والغازية، بهوية محلية قوية ونزعات حكم ذاتي لا تتطابق بالضرورة مع مشروع دولة جنوبية بحدود ما قبل 1990. وقد اشترط تحالف قبائل حضرموت، مطلع 2026، الاعتراف بالمحافظة كطرف جغرافي ثالث (إلى جانب الشمال والجنوب) قبل الانخراط الكامل في ترتيبات تقودها الرياض.
يُعدّ تحالف قبلي–عسكري محلي (يُشار إليه إعلاميًا بجيش الحشد) فاعلًا مهمًا في موازين حضرموت. وقد تقاربت بعض قياداته مع الرياض منذ 2024، فيما انخرط عناصر منه سابقًا في تشكيلات مدعومة إماراتيًا. كسب هذا التحالف سيُسهّل إعادة التنظيم الأوسع.
الحاجة إلى جبهة حكومية متماسكة
يتوقف المسار المقبل أيضًا على مقاربة الرياض تجاه الحوثيين: بين استئناف مسار وقف إطلاق النار، أو التفكير بعملية عسكرية تستهدف على الأقل ميناء الحديدة و/أو صنعاء. تميل السعودية إلى التريث لثلاثة أسباب:
التشرذم العسكري
: لا تزال الجبهة المناهضة للحوثيين غير متماسكة، رغم تراجع الدور الإماراتي. توحيدها ممكن بمرور الوقت، لكنه غير مكتمل حاليًا.
الشرط السياسي
: لا يُعالج التكامل العسكري وحده جذور الفوضى؛ يلزم تقدم سياسي ملموس، ويُمثل مؤتمر الحوار الجنوبي اختبارًا لقدرة الرياض على تثبيت نفوذها بين حلفاء سابقين لأبوظبي.
البيئة الإقليمية
: مع تصاعد التوترات واحتمال ضربات على إيران، تُرجّح الرياض أولوية الدفاع وأمن الحدود، تحسبًا لهجمات انتقامية قد يشنها الحوثيون على المملكة أو على الملاحة في البحر الأحمر.
إعادة الهيكلة أثناء التشغيل: مخاطر مكافحة الإرهاب والتهريب
لا ينبغي أن تُبطئ إعادة الهيكلة عمليات مكافحة الإرهاب والتهريب. بالنسبة للشركاء الغربيين، غيّر انسحاب المستشارين الإماراتيين آ«المعادلة الأمنيةآ» التي ساهمت في تفكيك معاقل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب (مثل المكلا) ومنع إعادة تموضع واسع في الداخل. اعتمد النموذج الإماراتي على تنظيم مناطقي، تخطيط عملياتي، وشراكات محلية طويلة الأمد.
قدرات قوات درع الوطن في مكافحة الإرهاب ما تزال قيد الاختبار. وقد سُجّل هجوم مباشر لتنظيم القاعدة على هذه القوات في العبر قرب الحدود السعودية في فبراير/شباط 2025. كما أشارت تقارير أممية إلى مؤشرات آ«تزايد تعاونآ» بين الحوثيين وتنظيم القاعدة، وآ«تكثيفآ» تواصل مع حركة الشباب—متغيرات تحمل مخاطر متوسطة وطويلة الأجل على الأمنين الإقليمي والبحري.
في ملف التهريب، لعبت التشكيلات المدعومة إماراتيًا دورًا أساسيًا في اعتراض شحنات أسلحة متجهة إلى الحوثيين. وتداخلت مهمتا مكافحة الإرهاب والتهريب ضمن استراتيجية واحدة لإضعاف قدرات الحوثيين والقاعدة على حد سواء.
آ آ
وأتس أب
طباعة
تويتر
فيس بوك
جوجل بلاس
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news