ليس الفقر هو القاتل الحقيقي، بل "الحنين إلى القمة" هو السهم الذي يخترق الروح، بهذه العبارة بدأت مأساة إنسانية فريدة من نوعها، كشفت عن وجه قبيح للواقع في اليمن، حيث تحول نجم ساطع في سماء الفن إلى مجهول يافطته "بائع متجول".
القصة بدأت بموعد صدفة مع القدر، حين كان فريق برنامج "خاطرك مجبور" يجوب شوارع مدينة الحديدة لرصد معاناة الباعة المتجولين، ليصطدموا ببائع بضائع بسيطة لا يختلف في مظهره عن أي شخص يبحث عن قوت يومه، إلا أن "نظراته" كانت تخون ما خبأته الأيام؛ عينان تلمعان بذكاء حاد وثقافة ثرية، لم يستطع الزمن ولا الغبار أن يطفئ نورهما.
في لحظة كشفت المستور، وبسؤال بسيط عن هويته، انهال الطوفان: هذا الرجل هو "سمير"، خريج كلية الفنون الجميلة بجمهورية مصر العربية، ليس فقط خريجاً، بل "الأول" على دفعته بامتياز.
سمير ليس مجرد رسام عادي، إنه العبقري الذي تمكن من حفر اسم اليمن ذهبياً في المحافل الدولية، نال تكريم 6 دول أجنبية، ووصل فنه الفلسلي المذهل إلى قصر "الإليزيه"، ليتلقى رسالة شكر وتقدير شخصية من الرئيس الفرنسي الراحل "جاك شيراك"، تقديراً لموهبة نادرة لم يراعي العالم فيها سوى الإبداع.
لكن الوطن، وبكل أسف، كان له رأي آخر.
فبينما صفقت له العواصم العالمية، أغلقت في وجهه أبواب المؤسسات الرسمية، وتجاهلته وزارات الثقافة التي من المفترض أنها الحضن الأول للمبدعين.
من قاعات العرض الدولية والمآدب الراقية، وجد سمير نفسه مجبراً على استبدال ريشة الرسام ببضائع متواضعة، يطارد السيارات في زحام الشارع، وينام على قارعة الطريق بعد أن خذلته فرص العمل، وتوارت خلف نوافذ البيروقراطية الوعود الزائفة.
حالة "سمير" ليست مجرد قصة فردية، بل هي مرآة تعكس واقعاً مريراً يقتل الطموح في مهده، وتجبر الفلاسفة على مقايضة إبداعهم بلقمة عيش مهينة. إنه درس قاسٍ في "الخذلان الإبداعي"، وصرخة مدوية لم تصل بعد إلى آذان من يعنيهم الأمر، تاركين عبقرياً يموت بطيئاً وسط عوادم السيارات، وذاكرته المثقلة بأوسمة الشرف هي وحدها ما تبقى له من أمجاد ذبلت قبل أوانها.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news