أعاد إعلان المجلس الانتقالي حل نفسه رسميا في الداخل والخارج، خلط الأوراق وفتح الباب أمام مرحلة جديدة متعددة الدلالات، في حين ينظر إليها كخطوة لترتيب القضية الجنوبية في إطار الدولة اليمنية الشاملة.
وجاء ذلك، وفقا للبيان الذي تلاه الأمين العام لهيئة رئاسة المجلس -قبل حله يوم الجمعة- عبدالرحمن الصبيحي، في العاصمة السعودية الرياض، ونشرته وكالة الأنباء الرسمية "سبأ". وذلك بعد تقلص نفوذه في الجنوب اليمن، وهروب رئيسه عيدروس الزبيدي إلى الإمارات، عبر البحر إلى الصومال ومن ثم أبوظبي .
وقال الصبيحي :"نعلن حل المجلس الانتقالي الجنوبي، وحل كافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، وإلغاء كافة مكاتبه في الداخل والخارج، والعمل على تحقيق هدفنا الجنوبي العادل من خلال العمل والتهيئة للمؤتمر الجنوبي الشامل تحت رعاية المملكة (السعودية)".
وأوضح الصبيحي أن استمرار وجود المجلس لم يعد يخدم الهدف الذي أنشئ من أجله؛ وتمثيله وقيادته صوب تحقيق تطلعاته واستعادة دولته، في ظل المستجدات الراهنة.
وبحسب مراقبين فإن هذا القرار مثل نهاية تاريخية للمجلس، الذي تأسس في مايو/ أيار 2017م بدعم من الإمارات، وسيطر خلال الفترة الماضية على مؤسسات وأذرع عسكرية وأمنية متعددة، مما منحه نفوذا واسعا في الجنوب اليمني.
وكان قد سيطر خلال شهر ديسمبر الماضي على محافظتي حضرموت والمهرة، واعترف العديد من الوزراء بمشروعه الانفصالي، قبل أن يواجه إجراءات حازمة من رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي وقيادة التحالف، أسفرت عن إعادة ضبط المشهد السياسي والأمني في مناطق واسعة في الجنوب.
*خطوة كبيرة في المشهد*
ويرى محللون أن حل المجلس مؤخرا مثل تطورا كبيرا في المشهد اليمني بشكل عام وأعاد رسم المسار السياسي والأمني، لحل القضية الجنوبية في إطار الدولة.
وتعليقا على ذلك، يقول المحلل السياسي والكاتب الصحفي عبد الواسع الفاتكي إن:" إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي يمثل تطورا سياسيا مفصليا في المشهد اليمني العام وفي المحافظات الجنوبية بصفة خاصة".
وأوضح الفاتكي أن" هذا القرار يأتي بعد سلسلة من التطورات الدراماتيكية التي بدأت بتحركات المجلس العسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة وما تلاها من قرارات حازمة أصدرها رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي لضبط المسار السياسي والأمني".
وأضاف لـ" المهرية نت أن " المملكة العربية السعودية لعبت دورا جوهريا في إعادة صياغة المشهد عبر إخراج التشكيلات العسكرية التابعة للمجلس وإصدار قرارات بإقالة عدد من القيادات المحسوبة عليه وصولا إلى مغادرة رئيس المجلس وعدد من قيادات الصف الأول للمشهد السياسي".
وتابع" هذا الإعلان يطوي صفحة التفرد بتمثيل القضية الجنوبية التي انتهجها المجلس الانتقالي خلال الفترة الماضية ومحاولته فرض نفسه كممثل حصري عبر إقصاء المكونات والشخصيات الجنوبية المعارضة لتوجهاته الرامية لفصل الجنوب عن الشمال تحت مسمى دولة الجنوب العربي؛ مما أدى إلى خلل في توازنات القوى وأثر سلبا على جوهر القضية الجنوبية ومسارها السياسي والقانوني".
وأوضح الفاتكي أن قرار الحل يعكس نهاية الدور السياسي والعسكري للمجلس الذي تحول في الآونة الأخيرة إلى فصيل يفرض سلطته خارج نطاق الشرعية والتفاهمات الإقليمية والدولية بما في ذلك اتفاق الرياض الذي منحه نصف مقاعد الحكومة وعضوية مجلس القيادة الرئاسي".
وأردف " لكن ممارساته التي وصفت بتقويض الحكومة الشرعية ومعاداة توجهات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية عجلت بإنهاء دوره وفتحت الباب أمام قوى جنوبية جديدة تؤمن بالحوار وتتبنى رؤية سياسية تتوافق مع المصلحة الوطنية العليا وتحظى بدعم إقليمي ودولي واسع لرسم ملامح المرحلة القادمة بعيدا عن لغة السلاح والإقصاء".
*تحول مفصلي في الجنوب*
في ذات السياق، يقول الصحفي والناشط الإعلامي صلاح طاهر إن: "إعلان حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي يمثّل تحوّلًا مفصليًا في المشهد السياسي بجنوب اليمن، وينهي مرحلة كان فيها هذا الكيان يحتكر تمثيل القضية الجنوبية ويحوّلها إلى أداة للابتزاز وتمرير أجندات خارجية، بعيدًا عن مسارها الحقيقي والعادل".
وأضاف في حديثه لـ" المهرية نت" أن: "حلّ المجلس يعني انتهاء التشكيلات العسكرية التابعة له، وما رافقها من توظيف للقوة خارج إطار الدولة". مشيرًا إلى أن "المرحلة المقبلة لن تخلو من تحديات، خصوصًا في مدينة عدن، في ظل احتمالية تحرّك جيوب ما زالت مرتبطة بقيادات فارّة، قد تسعى إلى إثارة الفوضى، وهو ما يشكّل اختبارًا حقيقيًا لمجلس القيادة الرئاسي وللجنوبيين عمومًا".
وحول تفاعل الشارع الجنوبي مع حل المجلس يقول طاهر إن:" الشارع الجنوبي يتفاعل مع هذا الإعلان بوصفه انفراجه سياسية، تفتح الباب أمام بروز قوى جنوبية وطنية بديلة، أكثر استقلالية، قادرة على بلورة رؤية عادلة للقضية الجنوبية في إطار اتفاق الرياض، وبما يخدم المصلحة العامة".
واختتم حديثه بالقول إن:" الحلول الواقعية تظل في إطار مشروع وطني جامع". ومؤكدًا أن "خيار الانفصال أو إعلان دولة جنوبية مستقلة ليس عمليًا، ولا يصب في مصلحة الجنوبيين ولا اليمن ككل".
وفي السياق الشعبي، هناك تفاؤل كبير في الشارع اليمني بحل القضية الجنوبية، وإعادة توحيد الصف اليمني، وسط دعوات بمعاقبة المتورطين في القضايا الجنائية والمالية بحق الشعب.
ومع ذلك، هناك مخاوف من الخلايا النائمة التابعة للانتقالي، واحتمال استخدام هذا الإعلان كمناورة سياسية لإعادة التموضع بشكل أقوى في المشهد.
*خطوة لإعادة التموضع*
من جهته، يرى الدكتور عبده مدهش الشجري أستاذ مساعد في جامعة إقليم "سبأ". أن:" إعلان حل المجلس الانتقالي، لا يشكّل تحولًا حقيقيًا في المشهد الجنوبي، و يُعد خطوة لإعادة تموضعه ، بعد انكشافه ككيان يدار بأجندات إقليمية ودولية، دون مشروع وطني أو عمق جماهيري، واعتماده على القوة والدعم الخارجي والتعبئة الشعبوية".
وأضاف لـ" المهرية نت" أن:" هدف حل المجلس يتمثل في الهروب من تبعات الجرائم المالية والجنائية، وتفادي تطبيق العدالة الانتقالية وجبر الضرر، والحيلولة دون مصادرة الأموال والممتلكات، إضافة إلى السعي لإعادة بناء علاقات مع المكونات الجنوبية، تمهيدًا لتشكيل تكتل جنوبي يرفع مطالب عالية في أي حوار قادم، بما يؤدي إلى تقليص الدور السيادي والقانوني للدولة".
وأفاد الأكاديمي أن:" إعادة تدوير المجلس أو منحه غطاءً جديدًا عبر مجلس القيادة الرئاسي سيعني تكرار أخطاء سابقة، أبرزها منح الحصانات وعدم المحاسبة، وهو ما أوصل البلاد إلى وضعها الراهن".
وحول المرحلة المقبلة يقول الشجري أنها:" ستشهد بروز قوى أخرى تمثل إرادة المحافظات الجنوبية، ليغدو المجلس مجرد كيان منبوذ محدود التأثير، وليس له أهمية على الساحة الجنوبية".
وشدد الشجري على ضرورة أن" يتضمن مخرجات مؤتمر الحوار الجنوبي -الجنوبي التزامًا بالعدالة الانتقالية، وإجبار المتورطين في الانتهاكات، على جبر الأضرار".
*ضرورة سياسية*
بدوره، يقول الناشط السياسي والإعلامي أمين أحمد فرحان إن: إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي من قبل وفد يضم بعض قياداته وأعضائه الموجودين في الرياض يُعد "تحصيل حاصل وخطوة لا بدّ منها؛ حيث كان الأصل أن يصدر قرار الحل رسميًا عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي".
وأضاف لـ" المهرية نت ": "منذ تأسيس المجلس، لم يستند إلى الدستور اليمني أو القوانين المنظمة للعمل السياسي، وانتهك الضوابط القانونية منذ نشأته، ولم يخدم القضية الجنوبية، وسعى في استغلالها لتحقيق مصالح قياداته وخدمة أجندات خارجية، تسبب في انعكس فسادًا وفشلًا إداريًا وإجرامًا على الواقع العام".
وأشار إلى أن" التطورات الأخيرة تمثل نتيجة طبيعية لمسار خاطئ استمر قرابة عشر سنوات". لافتا إلى أن:" المعالجة الصحيحة تبدأ بحل المجلس رسميًا، ومحاسبة قياداته، وتوقيف أرصدته، والحجز على ممتلكاته، ومحاكمة المتورطين في قضايا الفساد والانتهاكات".
ودعا فرحان الشرفاء من أعضاء وأنصار المجلس إلى تأسيس كيان سياسي جديد عبر لجنة تحضيرية تتولى صياغة برنامج سياسي متكامل، وبمسمى وهوية مختلفين، بما يحقق احتواءً منظمًا للقضية الجنوبية ويمنع الفوضى والضجيج السياسي.
وأفاد بأن" استكمال قرار الحل بإجراءات حقيقية سيمثل تحولًا جوهريًا في المشهد السياسي والاقتصادي على مستوى اليمن عمومًا". محذرًا في الوقت ذاته " من الاكتفاء بخطوات شكلية قد تحوّل القرار إلى مجرد مناورة سياسية تُراكم الأزمات مستقبلًا".
وأعرب عن أمله في دعم القيادة السياسية اليمنية والمملكة العربية السعودية والأحزاب الوطنية لهذه الخطوة، مشددًا على أن تداعيات القرار تتجاوز اليمن لتطال دول الإقليم، نظرًا لتشابك المصالح والتأثيرات، في إطار موقفه السياسي ورؤيته الشخصية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news