في توقيت سياسي بالغ الحساسية، عادت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (جنوبي اليمن) لتشهد حشودًا ينظمها المجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل)، المدعوم إماراتياً، في مشهد يثير أسئلة تتجاوز الطابع الاحتجاجي أو التعبوي.
فبعد إعلان حلّ المجلس نفسه رسميًا، وفرار رئيسه “عيدروس الزبيدي”، من عدن، واستبعاد عضويته من مجلس القيادة الرئاسي واتهامه بـ“الخيانة العظمى”، إضافة إلى تقليص النفوذ الإماراتي المعلن في الملف اليمني، تتحرك هذه الحشود عند تقاطع معقد بين رهان إماراتي يسعى لإعادة تدوير أدوات النفوذ والعودة إلى واجهة المشهد اليمني، وبين محاولات احتواء سعودية تهدف إلى ضبط الإيقاع ومنع انفلات جديد يربك مسار التسوية ويعمّق الانقسام.
الحشود التي رفعت شعارات انفصالية واستدعت رموزاً أُسقطت سياسياً، لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الإقليمية الجارية، ومساعي إعادة ترتيب موازين النفوذ في جنوب اليمن، خصوصًا مع تراجع الدور الإماراتي العلني لصالح ترتيبات تقودها السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
ومع إعلان السلطات في عدن حمايتها لتلك الحشود وتغطية الإعلام السعودي الرسمي للمظاهرة الأخيرة، أمس الأول الجمعة، يبرز سؤال المرحلة القادمة: إلى أين تمضي هذه الحشود، وما السيناريوهات المحتملة لمآلاتها سياسياً وأمنياً، وأيضاً على مستقبل ووحدة اليمن؟
وشهدت عدن للجمعة الثالثة على التوالي، احتشاد الآلاف من الموالين للانتقالي في ساحة العروض بمديرية خور مكسر، استجابة لدعوات قيادات المجلس المنحل، على رأسهم عيدروس الزبيدي.
احتجاجات وظيفية
وحول مآلات هذا، يتوقع المحلل السياسي اليمني، ياسين التميمي، أن التجمعات الاحتجاجية في ساحة العروض بعدن ستتحول إلى تظاهرة تقليدية أسبوعية، وسط ترحيب من جميع المتحكمين بمقاليد الأمور الأمنية والسياسية والاستراتيجية في المدينة، من سلطة محافظة عدن وانتهاء بالسعودية.
ويضيف التميمي لـ“بران برس” إن “التجمع الاحتجاجي الأول نُفذ تحت السطوة العسكرية والأمنية للمشروع الانفصالي، وبدا ثأرياً في خطابه وفي سلوك المحتجين، لكن التجمع الذي تلاه، تم تحت أنظار السلطة الأمنية الانتقالية”.
وتابع: “نحن أمام انتقال ذي طابع معنوي، يأخذ شكل التكيف الاضطراري مع الواقع الجديد. وهو تكيف لن يكن سلساً أو سهلاً، بل سيرتبط عضوياً بطبيعة التحولات الأمنية وبالجدية في مسالة إعادة انتشار القوات وتوزيعها وإخراجها من عدن وبقية المدن” حد قوله.
ويرى "التميمي" أن تصريحات وزير الدولة محافظ عدن "عبد الرحمن الشيخ" بشأن احترام حرية التعبير للمحتجين في ساحة العروض، لا تنفصل على التنسيق الكامل مع السعودية التي سخرت وسائل إعلامها للتعاطي الودي مع التجمعات الاحتجاجية، في ظل توجه ملحوظ لاستئناسها، والحد من الاستغلال السيء لها من جانب الإمارات، خصوصاً عبر الرسائل السيئة الذي كان بعض المتعصبين يوجهها بقسوة إلى السعودية وقيادتها.
وحذر من أن تذهب الأمور إلى أبعد من مجرد احتواء الاحتجاجات، إلى التفكير مثلاً في استغلالها لترجيح الخيار الانفصالي في المشاورات الجنوبية- الجنوبية، أو الجنوبية- الشرقية المقبلة، أو استخدامها كمبرر لفرض صياغة أكثر راديكالية فيما يتعلق بشكل الدولة اليمنية من تلك التي اعتمدها مؤتمر الحوار الوطني، وهو ما قد يشكل مبرراً أخلاقياً يجعل الجميع يصفق أو يصمت أمام ما يريد الإقليم تمريره عبر المحتجين الوظيفيين”.
رهان إماراتي واحتواء سعودي
من جانبه، يجزم الصحفي والباحث السياسي اليمني، فؤاد مسعد، بأن “الإمارات في المواجهة الراهنة مع اليمن والسعودية لا تمتلك أي ورقة سوى استخدام القضية الجنوبية والتصعيد الجماهيري باستخدام من تبقى لديها من قيادات تابعين لها”.
وأشار الصحفي مسعد، في حديث لـ“بران برس” إلى أن “الإمارات ستعمل جاهدة لعرقلة المسار الجديد الذي تتضح معالمه من خلال تحسين الخدمات وتسليم المرتبات”. ومع ذلك، قال إنها “لن تعود إلى المشهد اليمني مهما عرقلت؛ لأن ما فعلته من جرائم خلال عشر سنوات كفيل بأن تظل منبوذة ليس لدى اليمنيين فقط، بل للسعوديين والسودانيين، كما هي منبوذة في دول كثيرة من الصومال إلى باكستان وغيرها”.
وفيما يتعلق بالحشود، يقول مسعد إن “فعالية أمس الجمعة كشفت عن قدرة الرياض على اختراقها من خلال قيادات وإعلاميين موجودين في الرياض، وهم يتبنون خط المملكة الداعي للحوار بعيداً عن الاصطفاف خلف شعارات التفويض والاحتكار التي تستخدمها أبوظبي”.
وتتفق الآراء على أن حشود الانتقالي تتجاوز كونها فعلًا احتجاجيًا عابرًا، لتبدو أقرب إلى رسالة سياسية متعددة الاتجاهات، تحاول من خلالها “أبوظبي” اختبار قدرتها على إعادة حلفائها إلى الواجهة وخلط الأوراق في لحظة إقليمية حساسة، فيما تمضي الرياض في مسار احتواءٍ حذر، يوازن بين منع الانفجار والحفاظ على تماسك المشهد.
وبين هذا وذاك، تظل عدن ساحة مفتوحة لتجاذبات تتجاوز بعدها المحلي، ما يضع هذه الحشود أمام خيارين: إما النجاح في فرض معادلة سياسية جديدة، أو التحول إلى مجرد ورقة ضغط مؤقتة تُطوى مع تغير المصالح وتبدّل الحسابات الإقليمية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news