يشكّل الإعلان السياسي الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي محطة مفصلية في مسار قضية شعب الجنوب، ليس فقط من حيث التوقيت والسياق الإقليمي والدولي الذي جاء فيه.. والبيان لا يكتفي بتأكيد الموقف التاريخي للجنوب في استعادة دولته، بل يقدّم إطارًا سياسيًا وقانونيًا مرحليًا، يحاول المواءمة بين الإرادة الشعبية الجنوبية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي وتوازنات الشراكة السياسية القائمة.
أولًا: تثبيت منجزات الواقع… الشرعية من الأرض لا من الخطاب
يبدأ الإعلان بتثمين ما حققه أبناء الجنوب من إنجازات ميدانية وإدارية، وفي مقدمتها استلام مسؤولية تأمين وإدارة مناطقهم، وإنهاء مظاهر الفوضى والتهريب والإرهاب، ووقف استنزاف الموارد.
وهنا يحرص المجلس على ترسيخ معادلة سياسية واضحة: الشرعية تُستمد من القدرة على إدارة الأرض وحماية المجتمع، لا من الخطابات أو التسويات الشكلية. هذه المقدمة لا تأتي بوصفها توصيفًا إنشائيًا، بل كإسناد سياسي لخطوة الانتقال من “واقع الأمر” إلى “مشروع الدولة”.
اقرأ المزيد...
النص الكامل للإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي
2 يناير، 2026 ( 9:01 مساءً )
نص المادة الأولى من الإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي
2 يناير، 2026 ( 8:38 مساءً )
ثانيًا: الحشود الجماهيرية كمرتكز تفويضي لا رمزي
يشير البيان إلى الحشود الجماهيرية في مختلف محافظات الجنوب بوصفها تعبيرًا عن وحدة الصف، لكن القراءة المتأنية تكشف أن المجلس يتعامل مع هذه الحشود كـتفويض سياسي صريح، لا مجرد زخم شعبي.
ففي الأدبيات السياسية، يُعد التفويض الشعبي أحد أهم مرتكزات الانتقال السياسي، وهو ما يوظفه المجلس لتأكيد أن مشروعه لا يمثل نخبة أو فصيلًا، بل إرادة جمعية تتطلع إلى الأمن والاستقرار والتنمية.
ثالثًا: المرحلة الانتقالية… خيار محسوب لا تراجع سياسي
الإعلان عن مرحلة انتقالية مدتها سنتان يمثّل أحد أكثر بنود البيان دلالة، إذ يبتعد المجلس عن منطق القفز السياسي أو الإعلان الأحادي الفوري، ويتجه نحو مسار مرحلي منضبط زمنيًا.
هذا الخيار يعكس إدراكًا عميقًا لتعقيدات المشهد، ويقدّم نفسه كبديل عقلاني عن سيناريوهات الصدام أو الانفجار، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن المرحلة ليست مفتوحة أو قابلة للتمديد غير المشروط.
رابعًا: تدويل محسوب للقضية… لا وصاية ولا عزلة
دعوة المجلس للمجتمع الدولي لرعاية الحوار وتنظيم استفتاء تقرير المصير تمثل نقلة نوعية في الخطاب السياسي الجنوبي، حيث يتم الانتقال من مطلب سياسي إلى مسار قانوني متسق مع القواعد الدولية.
اللافت هنا أن المجلس لا يطلب وصاية دولية، بل شراكة رقابية تضمن الشفافية، وتُكسب العملية شرعية دولية، بما يقطع الطريق أمام محاولات التشكيك أو الالتفاف.
خامسًا: الاقتصاد والخدمات… رسالة طمأنة للداخل والخارج
يشدد البيان على انتظام عمل مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات، وصرف المرتبات، وتنظيم الإيرادات عبر البنك المركزي في العاصمة عدن، وهي نقاط تحمل رسائل مزدوجة:
للداخل: أن مشروع الاستقلال لا يعني الفوضى أو انهيار الدولة.
للخارج: أن الجنوب يسعى لبناء دولة مسؤولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية والإدارية.
سادسًا: الجنوب شريك لا خصم… إعادة تعريف العلاقة مع الشمال
من أبرز ملامح الإعلان حرصه على تأكيد استمرار دعم الجنوب لأي جهود لمواجهة الانقلاب وإعادة بناء مؤسسات الدولة في الشمال.
هذه الفقرة تعكس محاولة واعية لفصل قضية شعب الجنوب عن الصراع اليمني الداخلي، وتقديم الجنوب كشريك استقرار، لا كعامل تفكيك، وهو خطاب موجّه بوضوح للإقليم والمجتمع الدولي.
سابعًا: الإعلان الدستوري… ورقة ضغط سياسية لا خطوة انفعالية
إقرار إعلان دستوري لاستعادة دولة الجنوب، مع تحديد موعد التنفيذ، يمثل أداة ضغط سياسية محسوبة، وليست إعلان مواجهة.
المجلس الانتقالي ربط نفاذ الإعلان بالاستجابة لمسار الحوار أو التعرض لأي اعتداءات، ما يعني أن جميع الخيارات مفتوحة، لكن ضمن منطق دفاعي مشروع، لا اندفاعي.
ثامنًا: الحوار كشرط لا كترف سياسي
يختتم البيان بدعوة شاملة لكل القوى والمكونات السياسية للحوار، مع وضع مبادئ واضحة تحكمه، وفي مقدمتها الاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره.
وهذا يضع حدًا لما يسميه البيان “إدارة الأزمة”، ويشترط أن يكون الحوار جادًا ومحددًا زمنيًا، بما يمنع استنزاف القضية في مسارات شكلية.
خلاصة تحليلية
يمكن القول إن الإعلان السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي يمثّل وثيقة انتقال سياسي مدروسة، تجمع بين:
الشرعية الشعبية،
الواقعية السياسية،
والمرجعية القانونية الدولية.
وهو إعلان يسعى إلى تحقيق معادلة دقيقة:
استعادة دولة الجنوب دون الانزلاق إلى صراع شامل، وتثبيت الحق التاريخي دون تهديد أمن المنطقة.
المجلس الانتقالي الجنوبي ومن خلال البيان السياسي خاطب الأطراف اليمنية، والمجتمع الدولي بضرورة التعامل مع قضية شعب الجنوب بوصفها قضية محورية وحق، لا ملفًا مؤجلًا في صراعات الآخرين.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news