ليست السياسة السعودية في اليمن شمالاً وجنوباً مجرد حسابات عابرة أو ردود أفعال لحظية، بل هي عقيدة جيوسياسية مسكونة بهواجس التاريخ وظلال الماضي الجاثمة. إنها "العقدة" المتوارثة التي ترى في قيام دولة مؤسسات حديثة وراسخة على حدودها الجنوبية خطراً داهماً يهدد نفوذها التقليدي، فتستعيض عن بناء الدول برعاية القبائل، وعن تمكين المؤسسات بدعم المشيخات. إنها محاولة مستمرة لإبقاء الجغرافيا اليمنية، بشمالها وجنوبها، في حالة من السيولة الأمنية الدائمة، حيث تكون القبيلة هي الوكيل المعتمد، والمال السياسي هو الرباط المقدس، والنتيجة الحتمية هي تجميد عجلة التاريخ عند عتبة "المشيخة" المطيعة، ومنع ولادة أي مشروع وطني يمتلك قراره السيادي.
وتتجلى مأساة هذا النهج في "خديعة الأصل" التي رعتها السعودية في الشمال اليمني لعقود طويلة عبر ما عُرف بـ "اللجنة الخاصة". لقد استثمرت الرياض فيما يمكن تسميته بـ "دولة المشايخ"، وحولت قبائل عتيدة مثل حاشد وبكيل من نسيج اجتماعي أصيل إلى إقطاعيات سياسية وعسكرية موازية للدولة ومنافسة لهيبتها. كانت الصناديق تتدفق لتجعل من "الشيخ" نداً للرئيس ومن "المرافق القبلي" بديلاً للجندي النظامي، مما أدى لتعطيل بناء جيش وطني وعقيدة قتالية جامعة. ولكن حين دقت ساعة الحقيقة واصطدمت هذه الكيانات الورقية بمدّ مليشاوي عقائدي، تبخرت تلك القلاع في أيام معدودة، وأثبت التاريخ أن القبيلة التي تقتات على المال الخارجي لا تحمي حدوداً ولا تذود عن وطن، بل تسقط كأوراق الخريف تاركةً خلفها فراغاً سيادياً قاتلاً دفع ثمنه اليمن والمنطقة بأسرها.
واليوم، تطل هذه العقدة برأسها من جديد في الجنوب، محاولةً استنساخ ذات التجربة الفاشلة في حواضر المدنية والتجارة كحضرموت والمهرة وشبوة. ففي مسعى حثيث لعرقلة المشروع الوطني الجنوبي المتصاعد، تعمد الرياض إلى صناعة واجهات واحلاف قبلية مستحدثة، ولعل نموذج الشيخ عمرو بن حبريش وحلفه القائم على التلويح بالقوة القبلية هو التجسيد الأوضح لهذه السياسة. إنها محاولة لـ "تزييف" المجتمع الجنوبي وقبيلته قسراً، وتحويل الحقوق الحضرمية والمهرية والشبوانية واللحجية والعدنية والابينية والضالعية والسقطرية واليافعية المشروعة من مطالب سياسية ومدنية إلى مجرد مقايضات في دواوين المشايخ. إن هذا النهج لا يهدف لتمكين أبناء الأرض، بل لتمزيق الجسد الجنوبي إلى كانتونات هزيلة تتصارع فيما بينها، مما يفتح الباب على مصراعيه لنمو بؤر التوتر التي قد تستثمرها قوى التطرف والإرهاب.
ولكي تستبصر القيادة السياسية في المجلس الانتقالي الجنوبي طريقها وسط هذه الألغام، فإن عليها تبني استراتيجية "الندّية المؤسسية" التي تجرد القبيلة من وظيفتها السياسية دون الصدام مع مكانتها الاجتماعية. إن التحصين الحقيقي للجنوب يبدأ من انتزاع الذريعة التي تتغذى عليها هذه الأحلاف، وذلك من خلال تقديم نموذج "الفيدرالية الحية" التي تمنح حضرموت والمهرة وشبوة حقوقها كاملة في إدارة ثرواتها وشؤونها بعيداً عن مركزية القرار. فحين يجد المواطن كرامته ومستقبله في مؤسسات الدولة العادلة، سيلفظ تلقائياً عباءة الشيخ المرتهن للخارج، ويدرك أن الولاء للوطن هو الضمانة الوحيدة، وأن المال السياسي ليس إلا قيداً يكبّل تطلعات الأجيال القادمة نحو الحرية والاستقلال.
وفي ختام هذا الاستبصار، يجب أن يتغير الخطاب الدبلوماسي الجنوبي تجاه الجارة والشقيقة الكبرى والشريكة وقائدة التحالف العربي المملكة العربية السعودية ، ليتحول من لغة المناشدة إلى لغة المصالح الكبرى. يجب إفهام صانع القرار في المملكة أن المراهنة على شيوخ القبائل هي مراهنة على رمال متحركة، وأن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق بتمزيق النسيج الاجتماعي الجنوبي، بل بوجود دولة جنوبية مؤسسية وجيش نظامي واحد يمتلك شرعية القوة ووضوح الهدف. إن الجنوب الذي بنى دولته المدنية في أصعب الظروف لن يقبل اليوم بأن يُعاد تدويره كإقطاعيات قبلية، فخلاصنا يكمن في مدنيتنا، وقوتنا في تماسك مؤسساتنا، وقدرتنا على إقناع العالم بأننا شركاء في الأمن والاستقرار، ولسنا مجرد تابعين في بورصة الولاءات القبلية العابرة للحدود.
هذا والله من وراء القصد
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news