من مولد الرحمة إلى موسم الجباية: كيف حوّل الحوثي حب النبي إلى أداة هيمنة؟

     
مأرب برس             عدد المشاهدات : 97 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
من مولد الرحمة إلى موسم الجباية: كيف حوّل الحوثي حب النبي إلى أداة هيمنة؟

آ 

لطالما مثّل المولد النبوي مناسبة دينية بسيطة في قرى اليمن ومدنه، يوماً مفعماً بالسكينة والروحانية، يجتمع فيه الناس في البيوت والمساجد لقراءة القرآن، يتبادلون الطعام والحلوى، وينشدون الأناشيد الصوفية في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ينصرفون بقلوب خاشعة شاكرة لله أن بعث فيهم نبي الرحمة، ولم يكن المولد في يوم من الأيام أداة للاستعراض أو وسيلة للجباية أو ورقة سياسية لفرض الولاء وإخضاع الناس، بل ظل لعقود طويلة احتفالاً شعبياً ودينياً خفيف الظل، تحركه مشاعر المحبة العفوية لا الأوامر والتعليمات.

آ 

غير أنّ هذا المشهد تبدّل جذرياً بعد انقلاب جماعة الحوثي الكهنوتية الإرهابية على الدولة، وسيطرته على العاصمة صنعاء، إذ أخذت الذكرى الهادئة طابعاً صاخباً تحكمه الحسابات السياسية والغايات السلطوية، فلم يعد المولد يوماً دينياً في جوهره، بل تحول إلى مناسبة موسمية تُدار بعقلية المهرجانات، تمتد التحضيرات لها لأسابيع، ينفق فيها المليارات التي يتم جبايتها من الناس بالقوة، على الزينة والأضواء والخطب، لتغدو مناسبة تُستخدم لتثبيت صورة الجماعة كسلطة قائمة لا كحركة متمردة.

آ 

في المشهد الجديد، لم يعد حضور الناس في الساحات احتفالاً بالمولد النبوي تعبيراً عن محبة نبوية، بل إعلاناً للولاء لزعيم جماعة الحوثي، وأصبح تعليق الزينة الخضراء على أبواب المنازل وجدرانها والمحلات التجارية وحتى السيارات ووسائل النقل العامة، علامة ولاء اجبارية يُحاسب من لا يرفعها وليس أمراً طوعياً كما يتم تصويره من قبل إعلام جماعة الحوثي.

آ 

هذه التحولات توضح لكل متأمل وبشكل كافٍ، كيف قامت الجماعة بتفريغ المولد من مضمونه الروحي وإعادة ملئه بمضامين سُلالية كهنوتية لتعزيز هيمنتهم على السلطة وإحكام قبضتهم عليها وأخرى اقتصادية ضمنت لهم نهب الأموال العامة والخاصة تحت غطاء المولد النبوي لرفد خزانة الجماعة وزعيمها وقياداتها السُلالية، فالاحتفالات الضخمة لا تأتي بلا كلفة، إذ صارت الجماعة تنظر إلى المولد كأحد أهم مواسم الجباية، فالتجار وأصحاب الشركات ورجال الأعمال وحتى أصحاب المحلات الصغيرة، يُجبرون على دفع مبالغ باهظة تحت مسميات مختلفة؛ اما المدارس فتُحوَّل إلى صناديق تبرع قسري؛ يجبر فيها الطلاب على جمع التبرعات من أسرهم، كذلك هو حال الموظفين، الذين يعانون من انقطاع رواتبهم أو ضيق ذات اليد، يتم إلزامهم بدفع مساهمات “رمزيةâ€‌ لا يستطيعون رفضها، وبهذا تحوّل حب النبي الذي كان في الأصل سنة طوعية وطقس روحاني، إلى عبء مالي يُثقل كاهل اليمنيين، وأضحى المولد يوماً يترقبه الناس بقلق لا بفرح، لأنه يعني استدعاء موجة جديدة من الاستنزاف وفرض الجبايات.

آ 

في الوقت نفسه، تسعى الجماعة إلى إعادة صياغة صورة النبي نفسه بما يخدم مشروعها، السُلالي والكهنوتي، فبينما يرى اليمنيون في الرسول رحمة للعالمين وقدوة للبشرية جمعاء، يقدم الحوثيون النبي الكريم في خطابهم بصورة مختلفة، إذ يختزلونه في رمز لسُلالتهم المشؤومة، ويربطونه مباشرة بزعيمهم عبد الملك الحوثي على انه حفيده ووريثه، ففي لوحاتهم الدعائيه وحتى اللافتات التي تضع اسم النبي لابد أن يرفقوا فيها صورة لزعيم الجماعة في محاولة للإيحاء للعقل الباطن أن هذا هو امتداد لذاك أو ممثل شخصي له، أما الخطب التي يلقيها دعاتهم في المساجد فلا بد أن تتحدث عن الولاية الموروثة، مما يعكس بوضوح لكل يمني عن أهداف جماعة الحوثي الإرهابية الحقيقية التي تسعى لتحويل النبي من رسول عالمي ونبي الهدى إلى مؤسس شرعية عائلية سُلالية، خاص بهم، وبذلك يصبح المولد أداة لترسيخ فكرة أن الحكم حكر على سلالة تدّعي الانتساب إلى بيت النبوة، في حين أن رسالة الإسلام قامت أصلاً على نفي العصبية والتمييز بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح.

آ 

وتزداد المفارقة وضوحاً عند النظر إلى السياق الزمني، فاليمن منذ انقلاب مليشيا الحوثي الإرهابية على السلطة، يعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم، فملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الميليشيات يعيشون تحت خط الفقر وكل يوم والعدد يزداد، بينما يعاني مئات الآلاف من الأطفال من سوء التغذية، فيما لازالت رواتب القطاع العام مقطوعة منذ 2016 وحتى االيوم، اما الخدمات فمنهارة في كل القطاعات، ومع ذلك، تصر الجماعة على إنفاق المليارات على استعراضات المولد: الشوارع تُغطى بالأضواء الخضراء، المنصات تُجهز بأحدث التقنيات، فيما المواكب تُسير في الشوارع وتتنقل بين المدن، بينما تغرق بيوت اليمنيين في الظلام والعوز، في مشهد مأساوي يلخص ما يعيشه اليمنيون ويوضح عمق الفجوة بين الواقع الذي يعيشه الشعب اليمني وبين الصورة التي تسعى مليشيا الحوثي الإرهابية لفرضها، على أنها السلطة الوحيدة القادرة على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي في اليمن، لكنها في الحقيقة مجرد واجهة تخفي انهياراً داخلياً هائلاً تحاول تغطيته.

آ 

يتضح لنا جميعا مما سبق ذكرة أن المولد النبوي اليوم لم يعد سوى إعلان سنوي عن وجود سلطة امر واقع، ورسالة للعالم بأن الحوثي يمتلك الجماهيرية والقدرة على الحشد، غير أن هذه الجماهيرية التي تُعرض على الشاشات ليست سوى جماهير مساقَة بالقوة أو الخوف أو الحاجة، فالحضور في الساحات أصبح واجباً مفروضاً، ومن يتخلف يُتهم بالعمالة والعداء للدين، اما الزينة الخضراء فلم تعد خياراً جمالياً، بل إشارة ولاء تُقرأ بعيون الرقابة، وهكذا تحول المولد من مساحة محبة إلى اختبار ولاء، ومن ذكرى رحمة إلى أداة هيمنة.

آ 

الحقيقة انه لا يمكن قراءة هذه التحولات بعيداً عن النفَس الإيراني الذي يهيمن على تجربة الحوثي، فكما حولت طهران عاشوراء والغدير إلى أدوات تعبئة سياسية لكسب ود الغالبية الشيعية في ايران، يمضي الحوثيون اليومعلى نفس المنوال، يضخّمون الاحتفالات ويملؤون الساحات بالشعارات والرايات احتفالاً بالمولد النبوي، لكن اللافت أن جماعة الحوثي الكهنوتية، رغم جذورها الزيدية التي لم تكن تولي المولد النبوي أي اهتمام، اختارت أن تتبناه كعنوان رئيسي لاستعراض قوتها، في خطوة براغماتية تهدف إلى كسب ودّ الأغلبية الشافعية في اليمن، خطوة تبدو في ظاهرها تقارباً مذهبياً، لكنها في جوهرها محاولة لتجريف الهوية الوطنية اليمنية السنية الجامعة لصالح هوية دينية مسيّسة ومستوردة.

آ 

وبالتالي يتضح لنا ان المولد في صيغته الحوثية قد أصبح اليوم عبارة عن مختبر مصغر لإعادة تشكيل المجتمع اليمني، وإعادة صياغة الذاكرة الوطنية الجمعية، وغرس معاني جديدة في وعي اليمنيين، مقتضاها: أن الولاء لجماعة الحوثي السُلالية وزعيمها مرادف لحب النبي "صلى الله عليه وسلم"، وأن الطاعة السياسية لهذه السُلالة واجب ديني، وأن الأضواء الخضراء تعبير عن الإيمان، غير أن اليمنيين الذين عرفوا المولد قبل الحوثي يدركون الفارق، ويقفون لهذا المشروع السُلالي بالمرصاد، لكنهم يشعرون في الوقت ذاته بالاغتراب أمام هذا الاستعراض الذي يبتعد كل عام أكثر فأكثر عن جوهر المناسبة.

آ 

فالمولد الذي كان يوماً للتآلف والتراحم، غدا موسماً للجباية والتخويف، والنبي محمد "صلى الله عليه وسلم" الذي بعث رحمة للعالمين يُقدَّم اليوم كجدٍّ لسلالة تسعى لاحتكار الحكم، والأموال التي كان الأولى أن تُنفق على الفقراء والمحتاجين ورواتب الموظفين، تُهدر على الزينة والمهرجانات، وفي الوقت الذي تتسول فيه الأمهات على أبواب المنظمات بحثاً عن كسرة خبز، تصدح المنصات الحوثية والإعلامية بخطب عن الكرامة والاصطفاء.

آ 

وإذا كان الحوثي يحاول أن يقنع الداخل والخارج بأن أضواءه الخضراء علامة على وحدة الناس خلفه، فإن الواقع يكشف غير ذلك، فاليمنيون يرون في هذه الأضواء قناعاً هشاً يخفي وراءه وجهاً قاسياً من الفقر والقهر، ويرون في الحشود المساقَة صورة لا تمثل إرادتهم الحقيقية، اما المولد النبوي فسيظل بالنسبة لهم مناسبة دينية روحانية، لا مهرجاناً سياسياً، وستظل ذكراه مرتبطة بالرحمة والمحبة، لا بالجباية والاستغلال.

آ 

وبينما يحاول الحوثي أن يصوغ هوية جديدة لليمن عبر هذه المناسبات، فإن الذاكرة الشعبية ما تزال تحتفظ بالصورة الأصلية: مولد بسيط في بيت متواضع، قرآن يتلى وأطفال ينشدون، وجيران يتبادلون الطعام والمحبة، تلك الصورة التي لا تستطيع كل خطب المنصات ولا أضواء الساحات أن تمحوها، لأنها ببساطة الصورة الأقرب إلى روح النبي "صلى الله عليه وسلم" ورسالته السامية

وأتس أب

طباعة

تويتر

فيس بوك

جوجل بلاس

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

مصادر: الانتقالي يوافق على الانسحاب من سيئون والمهرة والمكلا بإشراف وساطة عُمانية

المشهد اليمني | 1504 قراءة 

مصدر دبلوماسي رفيع المستوى يكشف أسباب ومبررات اعتراض أمريكي على قرار إخراج الإمارات من اليمن

مراقبون برس | 1189 قراءة 

وساطة أخيرة للانسحاب من حضرموت وسط تهديد بفرض عقوبات على الانتقالي

المجهر | 1134 قراءة 

لم يعد هناك وقت للمجاملات.. وزير الدفاع الداعري يفجر مفاجأة بشأن ما يحدث في حضرموت والمهرة

جنوب العرب | 1106 قراءة 

حديث سعودي عن مسرحيات تحدث بحضرموت

كريتر سكاي | 1059 قراءة 

تعرف على حقيقة استقالة قائد قوات درع الوطن

كريتر سكاي | 804 قراءة 

حضرموت.. مغادرة قوات الإمارات وانسحاب للانتقالي واجتماع عسكري بغياب صور عيدروس

يمن ديلي نيوز | 792 قراءة 

أحمد علي عبدالله صالح يرفض ضغوط إماراتية لتأييد الانتقالي ويجدد دعمه للشرعية

كريتر سكاي | 738 قراءة 

سيناريوهان لا ثالث لهما..  مصدر يكشف السيناريو الأقرب لعودة الرئيس العليمي إلى قصر (معاشيق)

موقع الأول | 658 قراءة 

رتل دبابات يشق وادي حضرموت ومحافظ المحافظة يحذر من تجاهل دعوات الانسحاب

موقع الجنوب اليمني | 620 قراءة