عدن توداي
كتب / محمد المسيحي
مقالات ذات صلة
منبر الصحافة… الخاطرة و الصورة القلمية (26)
مواطني غزة..غرمائكم يا حكام العرب والمسلمين
في غزة، لا ينام الأطفال بأمان، ولا تستيقظ الأمهات على ضحكات صغارهن، بل تستيقظ المدينة على أصوات الطائرات، على هدير القنابل، على أنين الجرحى وصراخ الثكالى، في غزة، الموت ليس زائرًا غريبًا، بل هو رفيقٌ دائم، متربصٌ خلف كل باب، يختبئ في كل زاوية، ينتظر اللحظة المناسبة ليحصد أرواح الأبرياء.
هنا، في هذه البقعة الصغيرة من العالم، تُرتكب المجازر، وتُباد العائلات، وتُهدم البيوت، بينما يقف العالم متفرجًا، صامتًا، كأنه فقد الإحساس والضمير، غزة تستغيث، لكن لا أحد يسمع، غزة تنزف، لكن لا أحد يكترث، غزة تموت، والعالم يكتفي بعدّ الضحايا وتوثيق الأرقام.
أي ذنب ارتكبه أطفال غزة؟ أي جرم اقترفوه حتى يُقتلوا وهم نيام، أو يُسحقوا تحت أنقاض منازلهم؟ على وجوههم البريئة ترتسم ملامح الموت قبل الأوان، وفي عيونهم الصغيرة تسكن أسئلة لا إجابة لها: لماذا نموت؟ لماذا يقتلوننا؟ لماذا لا ينقذنا أحد؟
في شوارع غزة، تُحمل الجثث الصغيرة واحدًا تلو الآخر، تُلف بالأكفان البيضاء كما لو كانت ملائكة عادت إلى السماء قبل أن تعيش يومًا واحدًا بسلام، هنا، الطفل لا يحلم بلعبة أو حلوى، بل يحلم بأن ينام ليلة واحدة دون أن يهتز جدار غرفته، دون أن يرى النيران تلتهم منزله، دون أن يسمع أنين أمه وهي تحتضنه للمرة الأخيرة.
في غزة، الأمهات لا يبكين فقط، بل يودعن أبناءهنّ بحناجر مبحوحة، وعيونٍ لم تعد تعرف للراحة طعمًا ؛كيف لأمٍّ أن تنظر إلى طفلها وتعلم أنه قد لا يعود؟ كيف لأمٍّ أن تحتضن ابنها وهي تعلم أن هذه قد تكون المرة الأخيرة؟
في غزة، النساء يلدن الأمل، ثم يدفنّه تحت الركام ؛يربين الأبناء، ثم يودعنهم شهداء، يعلمنهم كيف يبتسمون، ثم يقفن عند قبورهم يتذكرن ضحكاتهم التي لم تدم طويلًا.
العالم بأسره شاهدٌ على المذبحة، لكنه يختار أن يكون أصمًّا، أبكمًا، بلا إحساس، الدول الكبرى تراقب بصمت، المنظمات الحقوقية تكتب تقارير بلا فائدة، أما العرب، فقد باعوا دماء غزة في أسواق المصالح، وتاجروا بآلامها على طاولات المفاوضات ،بعضهم يكتفي بالشجب والاستنكار، وبعضهم يوقع الاتفاقيات مع القتلة، وبعضهم الآخر يغلق المعابر في وجه الجرحى وكأن غزة ليست منهم، وكأن أطفالها لا يستحقون الحياة ؛أي خذلان هذا؟ أي عارٍ يلطخ جبين أمةٍ ترى المجازر تُرتكب ضد أهلها ثم تكتفي بالمشاهدة؟! لكن رغم كل هذا، غزة لا تنكسر، غزة لا تموت، غزة لا ترفع الراية البيضاء أبدًا.
في وجه الطائرات، في قلب النار، تقف المقاومة، كالجبل، كالسيف، كالصوت الأخير للكرامة في زمن الخضوع ،في غزة، لا يُرفع السلاح فقط من أجل الدفاع، بل من أجل البقاء، من أجل أن يبقى لهذا الشعب وطن، ولهذه الأرض أصحابها، ولهذا التاريخ كلمته الأخيرة ؛قد يخذلك البشر، قد يبيعك القريب، قد يصمّ العالم آذانه، لكن الله يرى ويسمع، والله لا ينسى دموع الأمهات، ولا صرخات الأطفال، ولا أنين الجرحى ،سيأتي يوم يُقتص فيه لكل شهيد، لكل طفل قُتل، لكل أمٍّ احترق قلبها، لكل بيتٍ هُدم، لكل حلم سُحق تحت الأنقاض، يومٌ يرتدّ فيه الظلم على الظالم، ويُحاسب فيه كل من خذل، وكل من خان، وكل من صمت وهو قادرٌ على الكلام.
غـزة، جرحٌ لا يلتئم، وصرخةٌ لا تموت، ورايةٌ لن تسقط ،ستبقى رغم القصف، رغم الموت، رغم الخذلان، تقول للعالم:نحن هنا.. رغم كل شيء، باقون!
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news