السبت 06 يونيو ,2026 الساعة: 09:39 مساءً
في أحدث فصل من فصول الفضائح التي تطارد العائلة الحاكمة في دبي، اختفت زينب جوادلي، الزوجة السابقة للشيخ سعيد بن مكتوم بن راشد آل مكتوم، نجل شقيق حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، مع بناتها الثلاث بعد أيام من تصاعد معركة الحضانة التي خاضتها لسنوات، وبعد أسابيع فقط من تحذيرات قضائية صريحة باستخدام “القوة الجبرية” ضدها إن لم تسلّم الأطفال.
وبحسب محاميها البريطاني المتخصص في حقوق الإنسان، ديفيد هيغ، فقد انقطع الاتصال بجوادلي مساء الثلاثاء 2 يونيو/حزيران 2026، قبل أن يؤكد لاحقًا أنها “أُخذت”، وأن شرطة دبي نفذت، بحسب روايته، تهديدات سابقة باقتحام منزلها وانتزاعها مع أطفالها في مداهمة ليلية، لتتحول القضية من نزاع حضانة معلن إلى واقعة اختفاء تثير مخاوف جدية بشأن سلامتها وسلامة بناتها.
لم يأتِ إعلان هيغ بوصفه اتهامًا عابرًا أو تصريحًا عاطفيًا في سياق معركة أسرية، بل جاء في بيان شديد اللهجة قال فيه إن لديه “قلقًا جسيمًا وعاجلًا” على سلامة ومكان وجود زينب جوادلي وبناتها الثلاث، شيخة سنة وشيخة آسية وشيخة سلمى. وأوضح أن زينب كانت على اتصال به حتى مساء اليوم السابق، ثم انقطعت كل وسائل التواصل معها فجأة، بينما حاول أفراد من عائلتها وأصدقائها الوصول إليها دون جدوى. وزادت خطورة المشهد حين وصلت والدتها المسنة إلى دبي لدعم ابنتها وأحفادها، فوجدت منزل زينب مغلقًا، ثم أُبلغت، وفق ما نقله هيغ، بأنها لا تستطيع مغادرة دبي، بما جعل دائرة الضغط لا تشمل الأم وبناتها فقط، بل تمتد إلى العائلة القادمة من الخارج بحثًا عن إجابة أو دليل على الحياة.
وفق رواية هيغ، لم تكن مداهمة المنزل مفاجئة تمامًا، بل كانت النهاية المتوقعة لمسار طويل من التهديدات والملاحقة والضغط، بدأ منذ طلاق جوادلي من الشيخ سعيد عام 2019، وتصاعد تدريجيًا عبر أوامر قضائية، وبلاغات جنائية، ومنع سفر، وتهديدات بالاعتقال، وصولًا إلى أمر قضائي صدر قبل شهرين ينص على إعادة حضانة القاصرات إلى والدهن، مع السماح باستخدام “القوة الجبرية” عند الضرورة. هذا التعبير وحده يكشف طبيعة المرحلة التي وصلت إليها القضية؛ فالأمر لم يعد يتعلق بخلاف على ترتيبات الزيارة أو جدل قانوني حول الأفضلية التربوية، وإنما بقرار يسمح للدولة، بشرطتها وأجهزتها، بأن تدخل بيت أم بالقوة وتسحب أطفالها وتسلمهم إلى رجل نافذ ينتمي مباشرة إلى العائلة الحاكمة.
في المقابل، أعلنت النيابة العامة في دبي أن زينب جوادلي “أُخذت إلى الحجز” بناءً على شكوى تقدم بها والد أطفالها، متهمًا إياها باختطاف البنات خلال جلسة زيارة معتمدة من المحكمة. وقالت النيابة إن المسألة لا تزال قيد التحقيق والإجراءات القانونية الجارية، وإنها ستواصل اتخاذ التدابير اللازمة وفق القوانين المعمول بها مع الحفاظ على “رفاه الأطفال ومصالحهم الفضلى”. غير أن هذا البيان الرسمي، بدل أن يبدد القلق، عزز الأسئلة المطروحة حول موقع القوة والنفوذ في القضية، خصوصًا أن الطرف الآخر ليس أبًا عاديًا في نزاع أسري عادي، بل عضو في عائلة حاكمة سبق أن ارتبط اسمها بسلسلة من القضايا التي تتعلق بفرار نساء، وادعاءات احتجاز، ومزاعم قمع داخل الدائرة العائلية ذاتها.
اللحظة التي سبقت الاختفاء كانت قد كُتبت مقدماتها بوضوح. في أبريل/نيسان، كُشف أن محاكم دبي أمرت الشرطة بانتزاع بنات جوادلي الثلاث وإعادتهن إلى والدهن الشيخ سعيد. وفي رسالة مصورة نشرتها في ذلك الوقت، ظهرت زينب تبكي أمام نافذة منزلها، مؤكدة أنها كانت تنتظر في أي لحظة اقتحام الشرطة لبيتها بعد إشعارات قضائية هددتها بالاعتقال وانتزاع بناتها منها إن لم تسلّمهن إلى والدهن، مشيرة أنها في الوقت نفسه كانت تتلقى رسائل من الدولة، كحال باقي المواطنين والمقيمين، تطلب منهم البقاء في المنزل بسبب الحرب. كانت تقف، بحسب كلماتها، أمام النافذة تنتظر الهجوم في أي لحظة، في مشهد شديد الكثافة يختصر حالة امرأة تحاصرها الدولة من جهتين: جهة تزعم أنها تحمي السكان، وجهة تهددها بأن بيتها نفسه قد لا يبقى مساحة آمنة لها أو لبناتها.
تستند جوادلي في موقفها إلى اتفاق سابق تقول إنه أُبرم عام 2022 مع حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، منحها الحق في الاحتفاظ ببناتها حتى بلوغهن الثامنة عشرة، مع توفير منزل ودعم لوجستي، على أن يتكفل الأب بتعليمهن. وبحسب محاميها، كان من شروط ذلك الاتفاق أن تمتنع عن الحديث إلى الإعلام أو الظهور في بث مباشر بشأن وضعها. ظلت جوادلي، وفق روايتها، تعتقد أن هذا الاتفاق سيبقى نافذًا رغم صدور حكم لاحق يمنح الحضانة للشيخ سعيد، لأنها تلقت تطمينات بأن الاتفاق مع الحاكم لن يتأثر بالحكم القضائي. لكن هذا الوضع انهار قبل أشهر حين ذهبت البنات في زيارة لوالدهن، ثم وصلتها رسالة عبر شرطة دبي تخبرها بألا تنتظر عودتهن، لأنهن لن يعدن إليها في ذلك اليوم.
بعد ذلك، دخلت القضية مرحلة أكثر خطورة. تقول جوادلي إن أخبار بناتها انقطعت عنها لأسابيع، قبل أن تحصل في 8 نوفمبر/تشرين الثاني على موعد زيارة مدته ثلاث ساعات في مركز لحماية الطفل. وعندما وصلت إلى المكان، لم تجد بناتها في الداخل، لكنها رأتهن عند الخروج، فركضن إليها وهن يصرخن “ماما.. خذينا من هنا”. في تلك اللحظة، طلبت من سائقها إغلاق أبواب السيارة والتحرك بهن إلى المنزل، لكنها تقول إن سيارات تابعة لأشخاص يعملون لدى طليقها اعترضت الطريق. حينها فتحت بثًا مباشرًا وطلبت النجدة، مدركة أن هذه الخطوة قد تُستخدم ضدها باعتبارها خرقًا للتعهد السابق بعدم الظهور الإعلامي، لكنها رأت فيها، كما قالت لمحاميها، فرصتها الأخيرة للبقاء مع بناتها قبل أن تُمنع من رؤيتهن نهائيًا.
رواية الشيخ سعيد، كما تظهر في ملفات القضية، تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا؛ فهو يتهم جوادلي بأنها أجبرت الأطفال على ركوب السيارة بمساعدة سائقها، ثم اختطفتهن، كما يتهمها بنشر مقاطع فيديو تسيء إلى والدهن، وتشوه سمعة الدولة، وتنتهك القوانين. وسبق لمحاميه أن اتهموها بأنها أم غير مؤهلة، وبأنها لم ترسل البنات إلى المدرسة، وأقامتهن في فندق غير مناسب للأطفال، وعرّضت أصغرهن للخطر. لكن جوادلي نفت هذه الاتهامات، وقدّم فريقها القانوني، بحسب ما نُقل عنها، أدلة مضادة أمام المحكمة، مؤكدة أن جوهر القضية لا يتعلق بتمردها على أوامر قضائية، بل بمحاولتها حماية بناتها من بيئة تقول إنها سببت لهن أذى نفسيًا وجسديًا.
في أوراق القضية، اتهمت جوادلي طليقها بأنه تسبب في ضيق وأذى لبناتهما عبر تركهن دون إشراف، واستخدام ألفاظ غير لائقة، وحرمانهن من النوم، والقيادة بطريقة متهورة. أما الشيخ سعيد، فقدم صورة مختلفة، معتبرًا أن جوادلي تريد إبعاد الأطفال عنه لغرس “سلوكيات غربية لا تليق بالمسلمين ولا بمواطني الإمارات ولا بأفراد العائلة الحاكمة على وجه الخصوص”. تكشف هذه العبارة عن بُعد يتجاوز نزاع الحضانة؛ فالقضية هنا لا تبدو محصورة في سؤال “أين مصلحة الأطفال؟”، بل تمتد إلى سؤال أعمق عن السيطرة على النساء والأطفال داخل بنية عائلية حاكمة ترى في الاستقلال الشخصي تهديدًا للهيبة والنظام والامتثال.
منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تقول جوادلي إنها عاشت فعليًا داخل حصار منزلي، تخشى الخروج بسبب أوامر الاعتقال ومنع السفر، بينما توقفت بناتها، اللواتي تتراوح أعمارهن بين ست وتسع سنوات، عن الذهاب إلى المدرسة. هذا الوضع، وفق ديفيد هيغ، لم يكن “نظام حماية قانونية”، بل شكلًا من أشكال “التعذيب المدعوم من الدولة”، حيث تُستخدم أدوات القضاء والشرطة والاتهامات الجنائية والقيود على الحركة لإخضاع أم في مواجهة رجل من داخل العائلة الحاكمة. ويؤكد هيغ أنه تحدث مع زينب مرات عديدة يوميًا لسنوات، وأنها لم تتوقف عن الدفاع عن حقوقها كامرأة وأم، ولا عن محاولة حماية بناتها، وفي مقدمة ذلك، بحسب قوله، حماية ابنتها الكبرى من احتمال زواج مبكر.
الأخطر في بيان هيغ أنه لا يضع الواقعة في حدود خلاف خاص بين زوجين سابقين، بل يتهم شرطة دبي وأمن الدولة الإماراتي وقوات تتحرك بأوامر من حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بمهاجمة منزل زينب في منتصف الليل وأخذها مع أطفالها. كما يربط ما جرى لها بسجل أوسع داخل العائلة الحاكمة، معتبرًا أن زينب عاشت، منذ طلاقها، تحت وطأة اعتداءات على المنزل، وتهديدات بالاعتقال، ومنع سفر جعلها “رهينة” في منزلها بكل معنى الكلمة. وعندما يقول إن يوم اختفائها كان متوقعًا، فهو لا يتحدث عن خوف مجرد، بل عن نمط تكرر من قبل مع نساء ارتبطن بدائرة الحكم في دبي، ووجدن أنفسهن فجأة في مواجهة أجهزة دولة لا خصم عائلي فحسب.
تستحضر قضية زينب جوادلي، على نحو لا يمكن تجاهله، سلسلة من الوقائع التي هزت صورة دبي عالميًا خلال العقدين الأخيرين. فالأميرة هيا بنت الحسين، الزوجة السابقة للشيخ محمد بن راشد، غادرت الإمارات عام 2019، مؤكدة أنها تخشى على حياتها، وخاضت لاحقًا معركة حضانة في بريطانيا انتهت لصالحها في أعلى المحاكم البريطانية. وقبلها وبعدها، ظلت قضية الشيخة لطيفة، ابنة حاكم دبي، رمزًا صارخًا لذلك الوجه المخفي، بعدما حاولت الفرار عام 2018، قبل أن تعترض قوات خاصة القارب الذي كانت على متنه في المحيط الهندي وتُعاد قسرًا إلى دبي، ثم ظهرت في مقاطع مصورة عام 2021 تتحدث عن تخديرها واحتجازها داخل ما وصفته بـ“فيلا تحولت إلى سجن”، قبل أن تصدر لاحقًا بيانات تؤكد أنها تعيش كما تشاء. أما شقيقتها الكبرى الشيخة شمسة، فاختطفت من أحد شوارع كامبريدج في أغسطس/آب 2000، وفق ما ورد في تقارير بريطانية، ولم تظهر في العلن منذ ذلك الحين.
هذه الخلفية تجعل قضية جوادلي أكثر من واقعة منفردة؛ فهي تأتي داخل مسار متكرر تتشابه فيه العناصر الرئيسية: امرأة مرتبطة بالعائلة الحاكمة، خوف معلن على الحياة أو الحرية أو الأطفال، محاولة استغاثة خارجية، تدخل أمني أو قضائي، ثم اختفاء الرواية خلف جدار من الصمت الرسمي أو البيانات القانونية المقتضبة. وفي كل مرة، تظهر دبي أمام العالم بوجهين متناقضين: واجهة براقة تتحدث عن التقدم والحداثة وتمكين المرأة وجذب الاستثمارات والسياحة، وواقع مغلق داخل القصور والدوائر النافذة، حيث تتحول النساء إلى ملفات أمنية، والأطفال إلى أدوات ضغط، والخلافات العائلية إلى معارك تُدار بأجهزة الدولة.
لا يمكن إغفال أن دبي نجحت لسنوات في تسويق نفسها كمدينة عالمية مفتوحة، تمنح النساء فرصًا في العمل والحياة العامة وتقدم نفسها كنموذج للحداثة الخليجية. غير أن هذا النموذج، عندما يُختبر داخل المساحات الأقرب إلى السلطة، يتشقق سريعًا. فالقضية لا تدور حول امرأة مجهولة أو أسرة هامشية، بل حول طليقة أحد أفراد العائلة الحاكمة، تقول إنها مُنعت من السفر، وهُددت بالاعتقال، وحوصرت في منزلها، ثم أُخذت مع بناتها بعد نزاع قضائي فشلت كل الوسائل الداخلية في منحه ضمانات شفافة ومستقلة. هنا تصبح الحداثة المعلنة مجرد ديكور سياسي إذا لم تكن قادرة على حماية امرأة وأطفالها من بطش النفوذ العائلي.
ما يزيد قتامة المشهد أن زينب لم تختفِ في فراغ، ولم تكن صامتة قبل اختفائها. لقد حذرت، وبكت أمام الكاميرا، وبثت لحظة الخطر، وراسلت محاميها، وطلبت تدخل المجتمع الدولي، وعيّنت المحامي البارز رودني ديكسون لتمثيلها أمام الأمم المتحدة. ومع ذلك، حين وقع ما كانت تخشاه، لم تكن هناك آلية حماية حقيقية تمنع اقتحام منزلها أو تكشف فورًا مكان احتجازها أو تضمن تواصلها مع محاميها وعائلتها. ولهذا أعلن فريقها القانوني أنه سيتوجه عاجلًا إلى الأمم المتحدة للمطالبة بالتدخل الفوري وحماية زينب وبناتها، في محاولة لنقل القضية من نطاق القضاء المحلي الخاضع لاختلال القوة إلى مستوى دولي يُلزم دبي بالإفصاح والمساءلة.
إن أخطر ما تكشفه قضية زينب جوادلي ليس فقط احتمال اختطاف امرأة وأطفالها بعد معركة حضانة، بل قدرة منظومة الحكم في دبي على تحويل النزاعات الخاصة إلى أدوات إخضاع عامة، بحيث يصبح القضاء امتدادًا للنفوذ، وتصبح الشرطة ذراعًا لتنفيذ رغبة الطرف الأقوى، وتتحول الأمومة ذاتها إلى تهمة إذا اصطدمت بمصلحة رجل نافذ. وبينما تقول النيابة إن الإجراءات تتم وفق القانون وبما يراعي مصلحة الأطفال، تبقى الأسئلة الجوهرية بلا إجابة: أين زينب الآن؟ أين بناتها؟ هل تملك حق الاتصال بمحاميها؟ هل تستطيع والدتها مغادرة دبي؟ وهل يمكن الحديث عن “مصلحة الأطفال” في قضية تُدار وسط تهديدات بالقوة الجبرية، وبلاغات جنائية، ومخاوف من زواج مبكر، وسجل طويل من قمع النساء داخل العائلة نفسها؟
وراء هذه الأسئلة تقف حقيقة أوسع تحاول دبي دفنها تحت أبراج الزجاج والفنادق الفاخرة ومهرجانات الاستثمار والرياضة: أن المدينة التي تُباع للعالم بوصفها عاصمة للرفاه والحداثة تخفي، في قلب السلطة، نظامًا أبويًا شديد القسوة عندما يتعلق الأمر بالنساء اللواتي يرفضن الخضوع. فمن الأميرة شمسة إلى الأميرة لطيفة، ومن الأميرة هيا إلى زينب جوادلي، يتكرر المشهد بأسماء مختلفة وملامح متشابهة؛ امرأة تحاول النجاة، سلطة تنكر أو تبرر، أجهزة تتحرك سريعًا، ثم صمت ثقيل يبتلع التفاصيل. واليوم، بعد أخذ زينب وبناتها من منزلها، لم تعد القضية مجرد نزاع عائلي داخل بيت حاكم، بل اختبار جديد للعالم: هل سيكتفي بمشاهدة امرأة أخرى تختفي خلف أبواب دبي المغلقة، أم سيعامل ما جرى كإنذار خطير يستدعي كشف الحقيقة فورًا ومحاسبة من حول الأمومة إلى جريمة، والحضانة إلى ساحة قمع، والأطفال إلى رهائن في صراع النفوذ؟
نقلا عن موقع العدسة بوست
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news