تقرير | من “الرسي” إلى “الحوثي”.. كيف أعادت “الإمامة” إنتاج نفسها في ثوب جديد؟

     
بران برس             عدد المشاهدات : 171 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
تقرير | من “الرسي” إلى “الحوثي”.. كيف أعادت “الإمامة” إنتاج نفسها في ثوب جديد؟

في العام 280هـ وصل إلى مدينة صعدة (شمالي اليمن) يحيى بن الحسين الرسي، قادماً من الحجاز، حاملاً معه مشروعاً سياسياً ودينياً يدعي أحقيته بالحكم بزعم انتسابه إلى “آل البيت” من جهة فاطمة بنت النبي محمد صلى الله عليه وسلم وزوجها علي بن أبي طالب.

ومنذ ذلك التاريخ، دخلت اليمن في دورات صراع متعاقبة؛ إذ يرى باحثون ومؤرخون أن دعوى الإمامة تحولت إلى عقيدة دينية تقوم على فكرة “الاصطفاء الإلهي”، وتمنح الرسي وسلالته حقًا حصريًا في الحكم، وهو ما جعلها محركًا أساسيًا للصراع، وعائقًا أمام قيام دولة وطنية جامعة.

وتُعد جماعة الحوثي المصنفة دوليًا في قوائم الإرهاب، امتدادًا فكريًا وعقائديًا لهذا المشروع؛ إذ أعادت إحياء مفهوم الولاية وربطت الشرعية السياسية بالانتماء السلالي. 

ومن هذا المنطلق، خاضت الجماعة بدعم إيراني، ست حروب ضد الدولة في صعدة بين عامي 2004 و2010 قبل أن تجتاح صنعاء أواخر 2014، لتدخل البلاد في حرب مدمّرة خلّفت مئات الآلاف من الضحايا وملايين النازحين، وأنتجت أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

يستعرض “برّان برس”، في هذا التقرير، الجذور التاريخية والفكرية للولاية، وعلاقتها باستمرار الصراعات في اليمن، من خلال آراء باحثين ومختصين.

جذر المشكلة

يرى الباحث المختص في الفكر الزيدي "عبدالملك الحضوري" أن “الولاية” أو “الإمامة” جذر المشكلة والمحرك الأساس للفكر الزيدي الهادوي، موضحًا أن علماء الزيدية في اليمن، منذ عهد الرسي، يؤمنون بها إيماناً مطلقاً.

والولاية في الأدبيات الزيدية هي الاعتقاد بأن علي بن أبي طالب هو المنصوص عليه بالخلافة والولاية بعد النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وأن هذه الولاية أصل من أصول الاعتقاد. 

وقال "الحضوري" في حلقة من "بودكاست برّان" إن كتب المذهب الزيدي تزخر بالنصوص والروايات التي تجعل الولاية شرطًا أساسياً لقبول الأعمال، وتربط الإيمان والنجاة في الآخرة بمعرفة حق أهل البيت في الولاية. 

لمشاهدة الحلقة التي فندّت الكثير من خرافات الزيدية وكشفت فضائحها اضغط

هنــــــــــــــــــــــــا

وأضاف أن الرسي، في كتابه “الأحكام”، وعدداً من أئمة المذهب بعده، اعتبروا ولاية علي فريضة إلهية واجبة على جميع المسلمين، وأن الإيمان لا يكتمل إلا بها.

بذور الصراع

ويتفق الباحث في التاريخ اليمني خالد الفرح مع هذا الطرح، مؤكدًا أن أصل المشكلة يعود إلى نظرية “البطنين” التي أدخلها الرسي إلى اليمن، والقائمة على حصر الإمامة في ذرية الحسن والحسين.

وقال الفرح، في حلقة سابقة من “بودكاست برّان”، إن هذه النظرية تحمل داخلها بذور الصراع؛ لأنها تمنح أي “هاشمي” الحق في المطالبة بالإمامة والخروج بالسيف ضد السلطة القائمة، حتى ولو كان الحاكم من السلالة نفسها.

لمشاهدة الحلقة اضغط

هنــــــــــــــــــــــــا

وأضاف أن الرسي اعتبر من لا يؤمن بالإمامة والولاية “كافرًا مرتدًا” يجوز قتاله ومصادرة أمواله، وهو ما انعكس على طبيعة الصراعات التي شهدتها اليمن خلال تلك المرحلة.

ووفقًا للفرح، فقد خاض الرسي خلال 14 عاماً أكثر من 80 معركة ضد اليمنيين قُتل فيها أكثر من 14 ألف يمني، كما فرض جبايات باسم “الفيء”، ومارس عقوبات جماعية شملت إحراق المزارع وبساتين النخيل وهدم القرى بالمناطق التي قاومت سلطته، كما حدث في وائلة ونجران. 

استثمار النسب وتكفير الآخر

يؤكد الباحث الحضوري أن المشكلة لا تتعلق بآل البيت أو بمكانتهم لدى المسلمين، وإنما في استثمار هذا النسب لإضفاء شرعية على مشاريع سياسية وسلطوية.

وقال: “كوني أحببتك حبًا للنبي فتستغل هذا استغلالًا سيئًا، هذه هي الكارثة”، مضيفًا أنهم جاءوا إلى اليمن “هاربين” من صراعات سياسية داخل البيت الهاشمي، ليلزموا الناس باستحقاقات لهم تحت مسمّى “آل البيت”.

وأكد أن “ادعاء الأفضلية العرقية والتميز السلالي هو ما أدخل اليمنيين في صراعات حول السلطة والهوية والحقوق”.

وتوقف الحضوري عند مسألة التكفير للمخالفين باعتبارها إحدى أخطر نتائج فكرة الولاية. وقال إن هذا الفكر الزيدي يعتبر من لم يؤمن بولاية علي بعد الرسول “كافراً"، مستشهدًا بقول للرسي: من أنكر أن علياً أولى الناس بمقام الرسول فقد “رد كتاب الله، وهو عند جميع المسلمين كافر”.

وأضاف أن بعض الروايات تجعل ولاية علي شرطًا لدخول الجنة وقبول الأعمال، حتى لو عبد الإنسان الله آلاف السنين بين الصفا والمروة.

وأوضح أن هذه المفاهيم يجري إسقاطها على الواقع المعاصر، فيُعتبر من يرفض “داعي أهل البيت”، مثل عبدالملك الحوثي حالياً، كافراً ولا تُقبل له توبة، مؤكدًا أن هذا الفكر “تسبب في سفك دماء مئات الآلاف من أبناء اليمن واستباحة أعراضهم”.

قرين القرآن وصك الغفران

واستعرض الحضوري عددًا من الروايات الواردة في كتب المذهب الزيدي، والتي تمنح صاحب الولاية مكانة استثنائية. ومنها روايات تزعم أن الله خلق النبي وعلياً من “نور واحد” قبل خلق آدم، ورواية أخرى من “طينة عليين”، وأن شيعتهم خُلقوا من بقية تلك الطينة.

وتتضمن تلك الروايات، بحسب الحضوري، اعتقادًا بأن عليًا هو الذي سيشرف على الصراط والحوض يوم القيامة، وأن النجاة مرتبطة بولايته، فلا يمر أحد إلا بـ“صك” أو “براءة” عبره.

وذكر أن تلك الأدبيات تصف صاحب الولاية بأنه “قرين القرآن”، وأن القرآن لا يمكن فهمه أو العمل به إلا من خلاله. لافتًا إلى أن جماعة الحوثي أعادت إنتاج هذه المفاهيم في خطابها، ومنحت مؤسسها الفعلي حسين الحوثي ألقابًا تستلهم هذا الفكر.

قمع وتشدد مذهبي

تطرق الباحث الفرح إلى الممارسات القمعية والتشدد المذهبي للأئمة الذين أعقبوا الرسي، ومنهم عبد الله بن حمزة، الذي لُقب بـ“السفاح”، باعتباره أكثر الأئمة ممارسة للظلم والعنف والإرهاب.

وقال إنه قاد حملة إبادة كاملة ضد “المطرفية”، وهي فرقة زيدية تُجيز الإمامة لغير البطنين، وأباد منهم نحو 100 ألف شخص، كما ارتكب مذبحة بحق 600 عالم من المطرفية في هجرة قاعة. كما أنه مارس الحرق والسبي، ومنها إحراق قرية المهجم في تهامة، وأفتى بسبي 600 امرأة من صنعاء، وقال في فتواه الموثقة: “أما السبي فنحن الآمرون به”.

ولفت إلى فتاوى إسماعيل بن القاسم (المتوكل)، التي اعتبرت اليمن أرضًا خراجية، وأجازت مصادرة أموال اليمنيين تحت مبررات دينية وسياسية، ومنها فتوى “كفر التأويل بالإلزام”.

في المقابل، أكد الباحث الفرح أن اليمنيين قاوموا مشروع الإمامة منذ وقت مبكر، وكان منطلق تلك الثورات دفاعًا عن الذات والممتلكات والهوية اليمنية. وقال إن القبائل التي ساندت الرسي عند قدومه كانت من أوائل القوى التي ثارت عليه، بعدما اكتشفت طبيعة المشروع الذي جاء به.

خطر قائم

أكد الفرح وجود تشابه واضح بين ممارسات الإمامة التقليدية وسلوك الحوثيين اليوم، سواء في القتل أو التهجير أو الجبايات أو مصادرة الممتلكات أو هدم المنازل أو التعامل مع الخصوم.

وقال إن الجبايات التي بدأت قديمًا باسم “الفيء” استمرت بأسماء مختلفة، وصولًا إلى جبايات الحوثي اليوم باسم “المجهود الحربي”، مؤكدًا أن الجماعة تمثل امتدادًا مباشرًا للمدرسة الإمامية الهادوية الجارودية، وتنطلق من المرتكز العقدي ذاته القائم على الولاية وحق السلالة في الحكم.

وأوضح أن جماعة الحوثي تأثرت عمليًا بالنموذج الخميني الاثني عشري أكثر من تأثرها بالتراث الزيدي التقليدي، رغم استمرارها في تقديم نفسها بوصفها حركة زيدية. 

وأضاف أن الخطر ما يزال قائمًا؛ لأن الثورات اليمنية أسقطت الأئمة كأسر حاكمة، لكنها لم تقض على الفكرة ذاتها. ويرى أن ذلك سمح بعودتها بصورة جديدة مع جماعة الحوثي. مؤكدًا أن هذه النظرية الصراعية (البطنين) لا تقبل التعايش مع أحد إلا أن يكون تابعاً خاضعاً.

ولاية السلالة

وفي يونيو 2024، خلصت دراسة صادرة عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية، بعد تحليل خمس وثائق أصدرتها جماعة الحوثي، إلى أن الجماعة تعمل على تفكيك الدولة الجمهورية وإعادة بنائها وفق مرجعيات طائفية وسلالية.

وقالت الدراسة إن الجماعة تتخذ من الجارودية الزيدية مرجعيتها العليا، على غرار اعتماد الشيعة في إيران للمذهب الاثني عشري مرجعية للدولة، وتسعى إلى إحلال ما تسميه “الهوية الإيمانية” محل الهوية الوطنية اليمنية.

وأضافت أن الحوثيين “ألغوا المرجعيات الجمهورية، كالدستور ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني”، ويعملون تدريجيًا لترسيخ مشروعهم عبر فرض منظومة فكرية وتشريعية خاصة بهم بدلًا عن المرجعيات الوطنية.

وأشارت إلى أن الجماعة “تسعى لانتزاع مشروعية شعبية عبر التعبئة والحشد باسم الولاية للإمام علي وذريته، وصولًا إلى عبدالملك الحوثي، واتخاذ الجهاد ذريعة لذلك، والذي يعني قتال منازعي الحوثي على السلطة”.

قشة الغريق

من جانبه، قال الداعية الشيخ عبدالله بن غالب الحميري إن “خرافة الولاية وأكذوبة الغدير ستظل القشة التي يتشبث بها الحوثيون، ويعلقون عليها أحلامهم في أحقيتهم بالحكم والاستئثار بالسلطة”.

وأضاف لـ“برّان برس” أن “المذهب الشيعي برمته ليس له مقومات البقاء والتمدد غير الخرافة والأكاذيب وتزوير التأريخ”.

وذكر أن “الحوثي يستغل اليوم كل مقدرات الدولة وإمكاناتها، ليس لرفع معاناة الشعب من فقر ومرض وتخلف في كل جوانب الحياة؛ ولكن لإثبات خرافة الولاية له وأنه الحاكم بأمر الله”.

أسئلة مفتوحة

ووجه الحميري أسئلة للحوثيين قائلًا: “حكمتم ووثبتم على السلطة بالقوة منذ عقد فماذا بعد؟ أين الأمن والاستقرار؟ أين التنمية والرخاء والعيش الكريم؟ أين الرواتب؟ أين العدالة الاجتماعية؟ ماذا لو اقتنع الشعب اليمني بخرافتكم وسلم لكم بهذه الأكذوبة؛ هل ستتغير حياته إلى الأفضل؟”.

وأضاف: “الجواب معلوم من خلال من سبقوهم للحكم بهذه الدعوى، وحكموا اليمن لفترات مختلفة؛ فكانوا أشأم عليه من غراب، أو حمار الحطمة، وكان حصادهم الظلم والشقاء، والجهل والغباء، والمجاعات، والأمراض المزمنة، والتخلف المريع، والصراعات التي لا نهاية لها”.

وتساءل عن “الجديد الذي سيضيفه الحوثي إلى سجل أسلافه فوق هذا الشؤم الذي يعيشه الشعب منذ عقد من ولايته الأسوأ؟ وإلى متى سيظل العزف على أوتار هذه الأكذوبة التأريخية والفتنة الطائفية؟ ومتى سيتخلص الشعب من هذا الكابوس المدمر ويعش حرًا كباقي الشعوب؟”.

 

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

أول رد سعودي على إساءات شيخ مشائخ يافع بحق المملكة

المشهد اليمني | 491 قراءة 

تفاصيل ما حدث فجر اليوم في حضرموت.. هجوم بالمسيرات على مواقع عسكرية وحيوية والدفاعات الجوية تتدخل

المشهد اليمني | 452 قراءة 

إعلان هام من وزارة الخدمة المدنية لكافة موظفي الدولة

يني يمن | 295 قراءة 

مقتل قائد عسكري في قوات “المقاومة الوطنية” بانفجار عبوة ناسفة في الخوخة جنوبي الحديدة

بران برس | 215 قراءة 

سمكة خطيرة تقفز الى رقبة صياد يمني وتقتله.. تفاصيل

المشهد اليمني | 206 قراءة 

اول صورة لمقتل صياد عقب دخول سمكة بقلبه في الخوخة

كريتر سكاي | 189 قراءة 

البحرين تُفشل هجوماً إيرانياً بالصواريخ والمسيّرات وتعلن الجاهزية القصوى

حشد نت | 178 قراءة 

الكشف عن حقيقة وفاة والد الشهيد ابو اليمامة بعدن

كريتر سكاي | 174 قراءة 

العليمي يصدر توجيهات عاجلة بشأن الكهرباء والرواتب

المشهد اليمني | 173 قراءة 

تقرير | من “الرسي” إلى “الحوثي”.. كيف أعادت “الإمامة” إنتاج نفسها في ثوب جديد؟

بران برس | 171 قراءة