قبل الحرب كان يفر من مهنة بيع الحطب لأنها لا تكفي لسد الرمق.. واليوم أصبحت "منجم ذهب" و"طوق نجاة" لملايين الأسر، لكن وراء كل حزمة حطب تُباع، تختبئ كارثة بيئية صامتة تنهش الأخضر واليابس في البلاد.
تعز (تقرير خاص) - على مدى سنوات طويلة قبل اندلاع الحرب، كان المواطنآ "حمود سعد" يتنقل بين قرى ريف تعز حاملاً الحطب على ظهره، لكنه ترك المهنة في النهاية لأنها لم تكن تؤمّن دخلاً يكفي لأسرته. لكن اليوم، وبعد أكثر من 12 عاماً من النزاع الدامي، عادت مهنة "الاحتطاب" إلى الواجهة بقوة، لتتحول من مهنة هامشية إلى مصدر رزق رئيسي للكثيرين، ومصدر طاقة وحيد لملايين اليمنيين في ظل انعدام الوقود والغاز.
من الهجر إلى الإدمان.. كيف أصبح الحطب "النفط الأسود" لليمنيين
؟
في المناطق الجبلية بمديرية "جبل حبشي" جنوب شرق تعز، يتوجه "محمد علي صلاح" وزوجته يومياً لقطع الأشجار أو شراء الحطب بأسعار زهيدة من ملاك الأراضي، ليعودا بسيارة محملة بأكوام منه لبيعها في الأسواق الشعبية. يقول صلاح إن الطلب على الحطب بات "متزايداً والمهنة مربحة وتوفر دخلاً أفضل"، لكن من هو الطرف الآخر من المعادلة؟
في سوق الحطب بمدينة تعز، ينتظر "عزالدين عبدالله" (في العقد الرابع من عمره) دوره لتحميل الحطب على دراجته النارية. أسرة مكونة من 7 أشخاص تعتمد على الحطب شبه يومياً لإعداد الطعام. ورغم إدراكه للمخاطر البيئية لقطع الأشجار، إلا أن غلاء الغاز المنزلي وصعوبة الحصول عليه أجبراه على القول: "الأولوية بالنسبة لي تتمثل في توفير احتياجات أسرتي اليومية".
أرقام مرعبة.. كم شجرة نذبحها يومياً؟
مع حلول اليوم العالمي للبيئة في 5 يونيو، تكشف الأرقام الرسمية عن حجم الكارثة البيئية. المهندس عبدالله حمود أبو الفتوح، مدير عام التنوع الحيوي في الهيئة العامة لحماية البيئة، يفجر مفاجأة صادمة: فقط في أمانة العاصمة صنعاء، يوجد نحو 1800 فرن تستهلك الحطب!
الصدمة الأكبر تكمن في معدل الاستهلاك: الفرن الواحد يستهلك حمولتين شهرياً، وكل حمولة تعادل نحو 50 شجرة. أي أن أفران صنعاء وحدها تلتهم 180 ألف شجرة شهرياً، وأكثر من 2.1 مليون شجرة سنوياً!
ويحذر أبو الفتوح من أن هذا النمط يدمر النظم البيئية والتنوع الحيوي، مطالباً بدراسات ميدانية لتحديد المناطق الأكثر تضرراً، وبرامج توعوية، وتعزيز الرقابة، وتوفير بدائل للطاقة للمستهلكين.
الكارثة لا تتوقف عند الأشجار.. ماذا يخسر اليمن؟
الدمار لا يقتصر على قطع الأشجار فحسب، بل يمتد ليشل أنشطة اقتصادية حيوية. الدكتور خالد عبدالجليل النجار، أستاذ الجغرافيا الاقتصادية وعميد مركز الدراسات البيئية بجامعة تعز، يكشف أن التقديرات تشير إلى أن اليمن يفقد سنوياً أكثر من 6.7 ملايين شجرة، بمساحة تعادل 16,917 هكتاراً من الأراضي المشجرة والمحميات الطبيعية!
ويحذر النجار من أن قطع الأشجار البرية والمعمرة، وفي مقدمتها (السدر، والسمر، والطلح، والضدو)، لا يدمر موائل الكائنات الحية فحسب، بل يهدد مباشرة صناعة "العسل اليمني" الشهير وتربية النحل.
والأخطر من ذلك؟ أن هذه الظاهرة أدت إلى اتساع رقعة التصحر لتغطي نحو 17% من مساحة البلاد، مما ينذر بتراجع الموارد المائية، وفقدان الأراضي الزراعية، وزيادة معدلات النزوح البيئي والفقر.
الحكومة والمبادرات.. هل من منقذ؟ أم أن "البديل" هو الحل الوحيد؟
تدرك الحكومة اليمنية حجم الكارثة. وكيل وزارة المياه والبيئة في الحكومة اليمنية، نعمان، يصف الظاهرة بـ"مصدر القلق الحقيقي"، لكنه يؤكد أن الاحتطاب هو نتيجة حتمية لـ"أزمة مركبة" من الفقر وانعدام الأمن الغذائي وتدهور الخدمات.
ويقول إن معالجة الظاهرة لا تعني التعامل مع النتائج فقط، بل تتطلب معالجة الأسباب الجذرية، مشيراً إلى أن الحكومة أقرت مؤخراً "الاستراتيجية الوطنية للتنوع الحيوي لعام 2026".
ومن جانبها، لا تقف المبادرات المحلية مكتوفة الأيدي. الصحفي عماد مشرع، مدير التحرير في منصة "ريف اليمن" الصحفية، يكشف عن جهود مكثفة لإنتاج فيديوهات وإنفوجرافيك وقصص رقمية لتوعية المواطنين بمخاطر الاحتطاب. لكنه يجزم بأن التوعية وحدها لن تجدي نفعاً ما لم يقترن ذلك بـ"تفعيل القوانين الرادعة وتجريم الممارسات التي تستهدف الأشجار"، والأهم من ذلك كله: "توفير البدائل المناسبة للسكان وفي مقدمتها الغاز المنزلي".
الخاتمة:
في النهاية، يقف اليمنيون أمام مفترق طرق قاسٍ: بين نار الجوع والفقر، ونار التصحر وتدمير البيئة. الحطب أنقذهم من البرد والجوع اليوم، لكنه يسرق منهم مستقبل بلادهم غداً. فهل يتحرك العالم والحكومة لوقف هذا النزيف البيئي قبل فوات الأوان؟آ
نقلا عن شينخوا - تحرير الميثاق نيوز
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news