نعى عضو مجلس القيادة الرئاسي "الدكتور عبد الله العليمي، (السبت)، رئيس الجمهورية السابق "عبد ربه منصور هادي"، الذي ووري جثمانه الثرى، واصفاً رحيله بأنه "طي لمرحلة كاملة بكل ما حملته من آلام وتحديات ومنعطفات مصيرية في تاريخ اليمن الحديث".
جاء ذلك في تدوينة مطولة، نشرها عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس" تويتر سابقاً، تابعتها "الهدهد"، رثا فيها "هادي" بكلمات مؤثرة، مسلطاً الضوء على كواليس فترة حكمه التي رافقه فيها لسنوات طويلة كمدير لمكتب الرئاسة اليمنية.
وقال "على مدى سبع سنوات كاملة، وما يقارب 2750 يوماً من المعايشة اليومية المباشرة والقريبة، عرفت الرئيس هادي في أدق تفاصيل اللحظات السياسية والإنسانية؛ في ساعات القرارات الصعبة، وفي لحظات القلق والخوف على اليمن والدولة والجمهورية".
وأضاف أنه عرف في هادي "القائد الإنسان، الهادئ، الصبور، الحكيم، الذي كان يحمل أعباءً أثقل بكثير مما كان يُظهره للناس"، معتبراً أن جزءاً عزيزاً من الذاكرة الوطنية اليمنية قد غادر برحيله.
واعتبر "العليمي" أن فترة حكم الرئيس عبد ربه منصور هادي، وتحديداً السنوات الممتدة من عام 2015 وحتى نقل السلطة في نيسان/ أبريل 2022، كانت من "أصعب وأعقد وأخطر المراحل التي عرفها اليمن في تاريخه الحديث".
وأشار إلى أنه كان شاهداً عيان على تفاصيل تلك المرحلة وأحداثها وقراراتها بحكم موقعه إلى جوار الرئيس، مضيفاً: "كان كثيرون يرون صمته، لكن قليلين فقط أدركوا ما كان يخفيه ذلك الصمت من ألم وقلق وإحساس عميق بالمسؤولية".
وفي تفنيده لشخصية الرئيس الراحل وطريقة تعاطيه مع الأزمات السياسية والعسكرية المعقدة التي عصفت بالبلاد عقب الانقلاب الحوثي، أكد العليمي أن هادي "لم يكن رجلاً عاشقاً للسلطة، ولا مولعاً بالصراعات أو الأحقاد أو الانتقام أو صناعة الخصومات".
وتابع: "كان بطبيعته كارهاً للعنف، مؤمناً بالحوار، حريصاً على الدولة ومؤسساتها، خائفاً على اليمن من الانزلاق إلى الفوضى والحروب والانقسامات التي خبرها بنفسه وعاش مرارتها في مراحل مختلفة من تاريخ اليمن".
ولفت إلى أن الرئيس الراحل "من أجل ذلك حاور، وصبر، وقدم التنازلات، وضرب بسيف السلم حتى آخر لحظة"، مؤكداً أن صمته كان يخفي خلفه "أصعب وأعقد وأخطر المراحل التي عرفها اليمن في تاريخه الحديث".
وفي هذا السياق أشار إلى أن "هادي" لم يكن يسعى وراء السلطة أو صناعة الخصومات، وقال "كان بطبيعته كارهاً للعنف، مؤمناً بالحوار، وحريصاً على الدولة ومؤسساتها، وخائفاً على اليمن من الانزلاق إلى الفوضى والحروب والانقسامات التي خبرها بنفسه وعاش مرارتها في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد".
وأضاف "من أجل ذلك حاور، وصبر، وقدم التنازلات، وضرب بسيف السلم حتى آخر لحظة. لقد شهدتُ عن قرب كيف كان يحمل همّ الجمهورية، ويتمسك بالثوابت الوطنية والشرعية الدستورية، ويرى أن الحفاظ على الدولة ومؤسساتها أكبر من أي حسابات شخصية أو سياسية ضيقة".
وأشار إلى أن "هادي" كان مؤمناً بأن اليمن لا يمكن أن يستقر بـ"الغلبة أو الإقصاء أو احتكار السلطة والثروة والقوة، بل بالتوافق وبناء دولة يشعر جميع أبنائها أنهم شركاء فيها لا تابعون ولا مهمشون".
تحذير مبكر من "خطر إيران"
وفي السياق الإقليمي، تطرق "العليمي" إلى الموقف الحازم والمبكر للرئيس الراحل من التدخلات الإيرانية في اليمن عبر مليشيا الحوثي، مؤكداً أنه عايش وضوح موقفه من هذا الملف الحساس.
وتابع: "كان لدى الرئيس هادي إدراك عميق بأن سقوط العاصمة صنعاء، في أيلول/ سبتمبر 2014، لم يكن مجرد انقلاب عابر، بل بداية لاختطاف اليمن من محيطه العربي، وما يمثله ذلك من تحول استراتيجي خطير يهدد هوية اليمن العربية والجمهورية وأمن المنطقة بأسرها".
واستطرد عضو الرئاسي "العليمي" قائلاً: "سيذكر التاريخ أن الرئيس هادي لم يكن يبالغ في تحذيراته المبكرة، بل كان يقرأ مبكراً ما وصلت إليه المنطقة لاحقاً من خطورة تحويل اليمن إلى منصة تهدد الأمن الإقليمي والممرات الدولية".
القضية الجنوبية
وحول الملف الجنوبي المعقد، كشف "العليمي" عن القناعة الراسخة للرئيس "هادي" بأن "القضية الجنوبية قضية عادلة تستحق الإنصاف والمعالجات الجذرية، لا الشعارات والخطابات والمهدئات".
وأوضح أن "هادي" لم يتعامل مع الملف الجنوبي يوماً كملف سياسي فقط، "بل كقضية وطنية مفصلية عاش تفاصيلها وأدرك أبعادها ومآلاتها واستحقاقاتها، ولذلك جعلها من أهم القضايا الوطنية، وشرع في اتخاذ خطوات عملية لمعالجة المظالم والإنصاف".
وأشار إلى أن الرئيس اليمني الراحل "آمن بمشروع الدولة الاتحادية والشراكة الوطنية والعدالة، وبالحوار الوطني الشامل باعتباره الطريق الآمن لبناء يمن جديد يتسع لجميع أبنائه".
وقال إن التاريخ سينصف الرئيس الراحل عبد ربه منصور هادي، بالنظر إلى الظروف الاستثنائية البالغة التعقيد التي أدار فيها البلاد، كاشفاً عن وجود "أسرار وكواليس قرارات" لم تُروَ بعد للرأي العام.
وشدد العليمي، على أن تجربة الرئيس الراحل يجب أن تُقرأ بتجرد وفي سياقها التاريخي الحقيقي، بعيداً عن الخلافات السياسية والمنافسة التي طُويت برحيله.
"أسرار لم تُنشر بعد"
وقال العليمي إن السنوات التي قضاها إلى جوار هادي شهدت أحداثاً وتفاصيل ومنعطفات لا يزال كثير منها مجهولاً للرأي العام حتى اليوم، بسبب حجم الضغوط والتحديات غير المسبوقة.
وأضاف "سيأتي الوقت الذي تُروى فيه الوقائع كما حدثت، بعيداً عن الانفعالات والأحكام المتعجلة، ليدرك الناس حجم ما أحاط باليمن من أخطار، وحجم ما تحمله الرجل من أعباء في ظروف استثنائية بالغة التعقيد".
وتابع واصفاً علاقته بهادي: "عشت قريباً منه قرب الابن من أبيه، والجندي من قائده، والتلميذ من معلمه.. ورأيت فيه من الولاء والصدق الوطني، وصفاء السريرة، وشجاعة الموقف، والبساطة، وتحمل المسؤولية".
التحالف المصيري مع السعودية
وفي ملف العلاقات اليمنية السعودية، أشار "العليمي" إلى أن الرئيس الراحل ظل مؤمناً بعمق بالروابط التاريخية والاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية، معتبراً إياها "علاقة مصير وأمن دائم واستقرار مشترك".
وأردف: "كان هادي يرى أن وقوف المملكة إلى جانب اليمن في واحدة من أصعب محطاته، كان دفاعاً أخوياً صادقاً وقومياً حاسماً عن اليمن والجمهورية والهوية العربية، وليس مجرد دعم سياسي عابر، لمنع انهيار الدولة وحماية المنطقة من التدخلات الخارجية".
ولفت إلى أن الأقدار شاءت أن يرحل هادي ويُوارى الثرى في المملكة، في إشارة إلى وفاته في الرياض، قائلاً: "اختارك الله إلى جواره في رياض العروبة ونجد المروءات التي ناديتها يوم أن ضاقت الدنيا على اليمن وأهلها".
التنازل عن السلطة دون ندم
وحول اللحظات الأخيرة لهادي في مشهد الحكم ونقله الصلاحيات لمجلس القيادة الرئاسي، أكد "العليمي" أن "هادي" تميز بالتجرد والزهد في بريق الكرسي مقارنة بغيره من القادة.
وقال بإنصاف: "قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين التقييمات، لكن التاريخ سيتوقف طويلاً أمام رجل بذل كل ما يستطيع ليمنع سقوط اليمن الكامل، وليحافظ على الدولة والجمهورية ووحدة المجتمع".
وأضاف "لقد تنازل برضاً وتجرد عن السلطة ولم يندم على ذلك، ولم يتشبث بها أو يخطر بباله العودة إليها، وغادرنا ثابتاً صابراً صادق الولاء، لم يبدل ولم تساوم على قناعاته الوطنية".
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news