في الثامن والعشرين من مايو/أيار 2026، أُعلن في العاصمة السعودية الرياض عن وفاة الرئيس اليمني السابق المشير الركن عبدربه منصور هادي، لتُطوى بذلك صفحة أحد أبرز رجالات اليمن في أكثر المراحل تعقيداً.
رحل هادي عن عمر ناهز 81 عاماً، بعد مسيرة عسكرية وسياسية امتدت لعقود؛ بدأت من المؤسسة العسكرية في جنوب اليمن، وصولًا إلى قيادته للمرحلة الانتقالية الأشد اضطراباً في البلاد عقب ثورة 2011 والانقلاب الحوثي والحرب التي أعقبت ذلك.
من أبين إلى ساندهيرست
وُلد عبدربه منصور هادي في الأول من سبتمبر/أيلول 1945 في قرية ذكين بمديرية الوضيع بمحافظة أبين. التحق بالسلك العسكري مبكراً، وتلقى تدريبه الأولي في مدرسة "جيش محمية عدن" عام 1964، قبل أن يواصل تأهيله العسكري في الخارج.
عام 1966، تخرج من "كلية ساندهيرست" العسكرية الملكية في بريطانيا، ثم حصل على دراسات عسكرية عليا من أكاديمية ناصر العسكرية في مصر، إضافة إلى دورات تأهيلية في الاتحاد السوفيتي السابق.
تدرج هادي في المناصب العسكرية داخل جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن سابقًا)، وشغل مواقع قيادية عدة، بينها قيادة وحدات مدرعة ورئاسة دائرة الإمداد والتموين.
وشكلت أحداث 13 يناير/كانون الثاني 1986 نقطة تحول مفصلية في مسيرته؛ إذ كان ضمن الجناح الموالي للرئيس الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد.
وبعد هزيمة ذلك الجناح فيما سُمي بـ“حرب الرفاق”، انتقل هادي مع آلاف الضباط والجنود إلى شمال اليمن، حيث أعاد تنظيم القوات القادمة من الجنوب ضمن ما عُرف بـ"ألوية الوحدة اليمنية"، منتظراً لحظة الاندماج الكامل التي تحققت في مايو 1990.
ظل صالح الطويل
برز اسم هادي بصورة أكبر خلال حرب صيف 1994، التي اندلعت عقب إعلان الانفصال من قبل قيادات جنوبية.
ففي مايو/أيار من ذلك العام، عُين وزيراً للدفاع، وتولى إدارة العمليات العسكرية التي انتهت بسيطرة القوات الحكومية على المحافظات الجنوبية وتثبيت الوحدة اليمنية.
وفي 3 أكتوبر/تشرين الأول 1994، عينه الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح نائباً لرئيس الجمهورية خلفاً لعلي سالم البيض.
طوال 18 عاماً في منصب نائب الرئيس، حافظ هادي على حضور سياسي هادئ، مبتعداً عن مراكز النفوذ التقليدية في صنعاء، قبل أن يبرز اسمه بقوة مع اندلاع احتجاجات 2011 ضد نظام صالح.
وعقب إصابة صالح في حادثة تفجير جامع دار الرئاسة في يونيو/حزيران 2011، تولى هادي إدارة شؤون البلاد، وقاد المرحلة الانتقالية التي انتهت بتوقيع المبادرة الخليجية ونقل السلطة.
غير أن العلاقة بين هادي وصالح دخلت لاحقاً مرحلة توتر سياسي غير معلن، مع احتفاظ صالح بنفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة والجيش، قبل أن يتحالف لاحقاً مع جماعة الحوثي في مواجهة السلطة الانتقالية.
قائد المرحلة الانتقالية
في 21 فبراير/شباط 2012، انتُخب عبدربه منصور هادي رئيساً توافقياً لليمن في انتخابات بمرشح وحيد، ضمن ترتيبات المبادرة الخليجية.
في 27 فبراير/شباط 2012، تسلم هادي السلطة رسمياً، واضعاً على رأس أولويات المرحلة إعادة هيكلة الجيش وقيادة حوار وطني شامل، ومعالجة القضية الجنوبية.
وفي مارس/آذار 2013، أطلق مؤتمر الحوار الوطني الشامل بمشاركة مختلف القوى السياسية، بما فيها جماعة الحوثي والحراك الجنوبي.
وخلص الحوار الوطني في يناير/كانون الثاني 2014 إلى وثيقة سياسية تبنت مشروع الدولة الاتحادية كصيغة توافقية لمعالجة الاختلالات السياسية وبناء دولة جديدة، فيما اعتبر هادي مخرجات الحوار الوطني “المخرج الوحيد لمستقبل وأمن اليمن”.
من سقوط صنعاء إلى “عاصفة الحزم”
بالتوازي مع العملية السياسية، كانت جماعة الحوثي تتوسع عسكرياً خارج معقلها في صعدة، حتى سيطرت على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014.
في 19 من كانون الثاني/ يناير 2015، بدأ الحوثيون هجومًا واسعًا على دار الرئاسة اليمنية من اتجاهات عدة، بالتزامن مع اشتباكات أخرى أمام منزله في صنعاء بين قوات الحرس الرئاسي ومسلحين حوثيين.
وبعدها فرض الحوثيون الإقامة الجبرية على الرئيس هادي، قبل أن يقدّم استقالته لمجلس النواب في 22 يناير/كانون الثاني 2015 معتبراً أن العملية السياسية وصلت إلى طريق مسدود.
وفي فبراير/شباط 2015، تمكن هادي من مغادرة صنعاء إلى عدن، وأعلن تراجعه عن الاستقالة، مؤكداً أن كل الإجراءات الناتجة عن سيطرة الحوثيين "باطلة وغير شرعية".
ومع تقدم الحوثيين نحو عدن، غادر هادي إلى الرياض، وطلب تدخلاً عسكرياً من التحالف العربي بقيادة السعودية، الذي أطلق في 26 مارس/آذار 2015 عملية "عاصفة الحزم" دعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا في مواجهة الانقلاب الحوثي.
الشرعية تحت النار
قاد هادي السلطة المعترف بها دولياً طوال سنوات الحرب، وتمكنت القوات الحكومية، بدعم من التحالف العربي، من استعادة مساحات واسعة من البلاد خلال السنوات الأولى للحرب.
وخلال تلك المرحلة، حافظ هادي على حضوره كرأس للشرعية اليمنية المعترف بها دولياً، رغم انتقال مؤسسات الدولة إلى الخارج وتعقيدات المشهد العسكري والسياسي.
وشهدت تلك الفترة محاولة لإعادة تفعيل مؤسسات الدولة من العاصمة المؤقتة عدن. إلى جانب قرارات لإعادة هيكلة القوات المسلحة وتعيين نائب لرئيس الجمهورية، إضافة إلى انعقاد مجلس النواب في مدينة سيئون عام 2019 للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب.
لكن مسار استعادة الدولة واجه تحديات معقدة، أبرزها تصاعد نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، وما رافقه من مواجهات عسكرية وأزمات سياسية داخل معسكر الشرعية.
فقد أدى تنامي نفوذ المجلس الانتقالي الموازي للدولة إلى حالة من الازدواجية المؤسسية أضعفت الجبهة المواجهة للحوثيين، وحولت بوصلة الجهود العسكرية نحو تأمين عدن ومحاولة توحيد الصف الوطني بدلاً من استكمال معركة استعادة صنعاء.
وأدى هذا الانسداد السياسي والتصعيد الميداني، لا سيما أحداث أغسطس 2019، إلى تآكل سلطة هادي، وتوّج باتفاق الرياض في نوفمبر من العام ذاته، والذي حصل الانتقالي بموجبه على نصف الحكومة، ليواصل من خلالها تكريس مشروعه الانفصالي جنوب البلاد.
ورغم هذا، ظل هادي متمسكاً بمخرجات الحوار الوطني ومشروع الدولة الاتحادية، باعتبارهما الضمانة السياسية للحفاظ على وحدة اليمن ومعالجة القضية الجنوبية.
الخروج الأخير من السلطة
في 7 أبريل/نيسان 2022، أعلن هادي نقل كامل صلاحياته وصلاحيات نائبه (علي محسن الأحمر) إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، في خطوة هدفت إلى توحيد القوى المناهضة للحوثيين، وتجاوز الصراع الداخلي وتشظي البلاد.
ومنذ ذلك الحين، ابتعد عن المشهد السياسي العلني، مقيماً في العاصمة السعودية الرياض.
وفي 28 مايو/أيار 2026، أعلنت الرئاسة اليمنية وفاته بعد معاناة مع مشكلات صحية مزمنة، معلنة الحداد الرسمي لثلاثة أيام.
إرث سياسي حافل
ارتبط اسم عبدربه منصور هادي بواحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيداً في تاريخ اليمن الحديث؛ إذ قاد البلاد خلال مرحلة الانتقال السياسي بعد 2011، ثم خلال سنوات الحرب والانقسام والانهيار المؤسسي.
وبين من يرى هادي رئيساً حافظ على الشرعية وبقاء الدولة اليمنية قانونياً في مواجهة الانقلاب، يرى آخرون أن عهده شهد تراجعًا لمؤسسات الدولة وتوسع نفوذ المليشيات وانقسام الصف الوطني، ليظل شخصية بارزة تختزل تعقيدات المشهد اليمني خلال العقد الأخير.
وبرحيل هادي، يغيب آخر رئيس يمني وصل إلى السلطة عبر عملية انتقال سياسي توافقية حظيت باعتراف داخلي ودولي واسع، تاركاً خلفه إرثاً سياسياً ثقيلًا سيبقى محل جدل واسع.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news