لم يكن إعلان الوحدة اليمنية في الـ22 من مايو 1990 حدثًا سياسيًا طارئًا، بل جاء تتويجًا لمسار طويل من الحوارات والاتفاقيات امتدت لنحو عقدين من الزمن، وانتهى بإعلان الدولة اليمنية الموحدة.
ورغم الصراعات والتوترات التي شهدها الشطران خلال تلك الفترة، إلا أن مشروع الوحدة ظل حاضرًا كقضية مركزية في الخطاب السياسي والوجدان الشعبي، وصولًا إلى الإعلان التاريخي الذي طوى مرحلة التشطير وفتح فصلًا جديدًا في تاريخ اليمن المعاصر.
وبالتزامن مع العيد الوطني الـ36 للجمهورية اليمنية، يستعرض “برّان برس” أبرز المحطات والقمم والاتفاقيات التي مهّدت لهذا الإعلان الكبير على مدى 18 عامًا من التفاوض والتقارب بين شطري البلاد.
الوحدة في وجدان الشعب
مثّل إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، بالنسبة لقطاعات واسعة من اليمنيين، استعادة للوضع الطبيعي الذي فرضته الجغرافيا الواحدة والروابط المجتمعية والتاريخ المشترك. ولم يكن “التشطير” في نظرهم سوى مرحلة سياسية عارضة كرّستها سلطات الاستعمار جنوباً وحكم الإمامة شمالاً.
ولهذا حضرت الوحدة في أدبيات ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر باعتبارها هدفًا وطنيًا استراتيجيًا مرتبطًا ببناء الدولة اليمنية الحديثة. كما ظل الخطاب الوحدوي حاضرًا في الإعلام والأنشطة السياسية والجماهيرية جنوبًا وشمالًا، فيما تبنّت الحركات الطلابية والنقابية والمؤسسات في عدن شعارات تدعو إلى تحقيق الوحدة اليمنية والدفاع عن الثورة.
وتحفل ذاكرة السبعينيات والثمانينيات بمظاهر التأييد الشعبي الواسع للوحدة، من التظاهرات الداعمة للتقارب عقب اتفاقيات القاهرة وطرابلس، إلى اللقاءات الاجتماعية والتجارية في مناطق التماس رغم حواجز التشطير والحدود السياسية القائمة آنذاك.
وكل هذه المواقف الشعبية شكّلت ضغطاً أخلاقياً وسياسياً مستمرًا باتجاه التقارب، وعكس رسوخ الوحدة في الوجدان الشعبي قبل إعلانها رسميًا.
منطلقات المشروع الوحدوي
شكّلت “اتفاقية القاهرة” في أكتوبر 1972 الانطلاقة الأولى للمسار الوحدوي بصيغته المؤسسية الحديثة، إذ وضعت لأوّل مرّة إطارًا عمليًا منظمًا لإقامة دولة يمنية موحدة تقوم على دستور واحد ومؤسسات مشتركة.
ونصّت الاتفاقية، التي أعقبت المواجهات المسلّحة بين الشطرين، على إعداد مشروع دستور موحد، وعرضه على السلطات التشريعية في الشطرين تمهيدًا للاستفتاء الشعبي عليه وانتخاب سلطة تشريعية موحدة.
وفي نوفمبر من العام نفسه، استضافت العاصمة الليبية طرابلس لقاءً جمع الرئيسين القاضي عبدالرحمن الإرياني وسالم ربيع علي، حيث جرى الاتفاق على الأسس السياسية لدولة الوحدة، بما فيها اسم الدولة وعاصمتها وعلمها، إلى جانب تشكيل لجان مشتركة لاستكمال ترتيبات الوحدة.
وفي سبتمبر 1973، شهدت الجزائر لقاءً آخر بين القيادتين أكد على استمرار أعمال اللجان المشتركة، وتهيئة المناخ السياسي الملائم لاستكمال خطوات الوحدة.
تقارب السبعينيات
شهدت فترة السبعينيات سلسلة لقاءات سياسية عززت مسار التقارب بين الشطرين. ففي نوفمبر 1973، زار سالمين الشطر الشمالي والتقى بالرئيس الإرياني في تعز والحديدة، في خطوة هدفت إلى دفع اتفاقيات الوحدة نحو التنفيذ الفعلي وتعزيز التعاون الاقتصادي. وحظيت الزيارة باستقبال شعبي حاشد.
وفي فبراير 1977، شهدت قعطبة لقاءًا جمع الرئيسين إبراهيم الحمدي وسالم ربيع علي، وأسفر عن تشكيل مجلس مشترك للتنسيق السياسي والاقتصادي وتعزيز التعاون بين الشطرين، والاتفاق على توحيد السياسات الخارجية والتمثيل الدبلوماسي المتبادل في بعض الدول.
وفي أغسطس من العام نفسه، احتضنت صنعاء لقاءً جديدًا جمع الحمدي وسالم ربيع علي، وسط استقبال جماهيري كبير، وأقر اللقاء تسهيل تنقل المواطنين بالبطاقة الشخصية، وتفعيل اجتماعات اللجنة الوزارية المشتركة، وتوحيد الخطاب الإعلامي والسياسي، واستمرار اللقاءات المباشرة لتعزيز الثقة بين الشطرين.
وكان من المقرر أن يزور الحمدي مدينة عدن في أكتوبر 1977 للإعلان عن خطوات وحدوية جديدة، إلا أن اُغتيل قبل موعد الزيارة، وتلاه اغتيال سالم في العام التالي، لتدخل البلاد في مرحلة توتر سياسي عطلت التواصل المباشر بين الجانبين.
انتكاسة وتدخل عربي
بعد اغتيال الحمدي وسالمين تعرض مشروع الوحدة لانتكاسة كبيرة، ودخل الشطران في صراع سياسي وعسكري أطاح بثلاثة رؤساء خلال أقل من عام، وصولاً إلى مواجهات فبراير 1979.
وتدخلت جامعة الدول العربية لاحتواء الأزمة، حيث عقد مجلس الجامعة اجتماعًا طارئًا في الكويت مطلع مارس 1979، أقرّ وقف القتال، وإعادة فتح الحدود والعلاقات الطبيعية، واستئناف الحوار لتنفيذ اتفاقيتي القاهرة وطرابلس، إلى جانب تشكيل لجنة عربية لمتابعة تنفيذ الاتفاقات.
وفي أواخر الشهر ذاته، استضافت الكويت قمة جمعت الرئيس علي عبدالله صالح وعبد الفتاح إسماعيل. حيث اتفق الجانبان على إنجاز مشروع دستور دولة الوحدة، والإعداد للاستفتاء الشعبي عليه.
التهدئة والتكامل
مع نهاية السبعينيات، دخل المسار الوحدوي مرحلة جديدة أكثر انتظامًا، خصوصاً بعد لقاء صنعاء في أكتوبر 1979 بين الرئيسين علي عبدالله صالح وعلي ناصر محمد.
وأكد اللقاء الالتزام بالاتفاقيات الوحدوية السابقة، ومنح اللجان المشتركة الوقت الكافي لاستكمال مهامها، إلى جانب تسهيل حركة المواطنين وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتنموي.
وفي 13 يونيو 1980، شهدت صنعاء لقاء قمة جديدًا بين صالح وعلي ناصر محمد، جرى خلاله الاتفاق على إزالة المواقع العسكرية في مناطق التماس، ووقف دعم الأنشطة المعادية، وتعزيز التنسيق الاقتصادي والثقافي والإعلامي، وعقد لقاء دوري كل 4 أشهر لمتابعة التنفيذ.
وخلال هذه المرحلة، بدأ مشروع الوحدة يتجاوز الإطار السياسي النظري نحو بناء مصالح اقتصادية وإدارية مشتركة.
الأرضية الدستورية
في 30 ديسمبر 1981، أنجزت اللجنة الدستورية المشتركة مشروع دستور دولة الوحدة، بعد سنوات من المشاورات والعمل الفني والقانوني، ليشكّل الأساس الدستوري للدولة اليمنية الموحدة.
كما شهدت تلك الفترة تأسيس “المجلس اليمني الأعلى” كإطار تنسيقي بين الشطرين، وعقد عدة دورات أبرزها دورة عدن في فبراير عام 1984، التي أكدت على مركزية قضية الوحدة، وضرورة تعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني.
وترافقت هذه المرحلة مع نشاط متواصل للجان الفنية والاقتصادية، وتوسع في تبادل الزيارات الرسمية والمشاريع المشتركة.
أزمة يناير ومسار الوحدة
مثّلت أحداث يناير 1986 في جنوب اليمن اختبارًا صعبًا لمسار التقارب، إلا أن تداعياتها السياسية لم توقف مشروع الوحدة.
وأظهرت التطورات اللاحقة استمرار قناعة القيادتين بأن الوحدة تمثل خيارًا استراتيجيًا وهدفًا نهائيًا للعلاقة بين الشطرين، رغم الأزمات الداخلية.
وخلال السنوات التالية، عادت قنوات الحوار تدريجيًا، بالتوازي مع تغيرات إقليمية ودولية متسارعة أواخر الثمانينيات.
استعادة الزخم الوحدوي
في مايو 1988، شهدت صنعاء لقاءً بين الرئيس علي عبدالله صالح والأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني علي سالم البيض، أعاد الزخم إلى مسار الوحدة بعد سنوات التوتر النسبي.
وجرى الاتفاق على إلغاء نقاط التفتيش الشطرية واستبدالها بنقاط مشتركة، وإعادة تفعيل “المجلس اليمني الأعلى”، واستئناف عمل اللجان المشتركة، وتوسيع التعاون الاقتصادي.
ومهد اللقاء لمرحلة أكثر تقدمًا في مسار الوحدة، مع تثبيت الحوار كوسيلة لمعالجة الخلافات السياسية بين الجانبين.
كما ساهمت التحولات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها تراجع المعسكر الاشتراكي، في تسريع التقارب بين الشطرين.
اتفاق عدن والتحول الحاسم
في 30 نوفمبر 1989، جرى توقيع “اتفاق عدن التاريخي” الذي مثّل تحولًا مفصليًا في مسار الوحدة اليمنية، ناقلًا المشروع من مرحلة التفاهمات السياسية إلى الإعداد المباشر لإعلان الدولة الموحدة.
ونص الاتفاق على المصادقة على مشروع دستور الوحدة وإحالته إلى المؤسسات التشريعية، إلى جانب استكمال الترتيبات السياسية والدستورية اللازمة.
وخلال الأشهر التالية، تكثفت الاجتماعات بين الحكومتين واللجان السياسية والفنية، وبدأ العمل على دمج المؤسسات، وتوحيد السياسات المالية والإدارية وقطاعات النقل والاتصالات.
كما أُقرت مبادئ التعددية السياسية والحزبية ضمن دستور الدولة الجديدة، في توجه لبناء صيغة سياسية تستوعب مختلف القوى الوطنية.
وتسارعت الخطوات باتجاه إعلان الوحدة، مع تزايد القناعة لدى القيادتين بتهيؤ الظروف السياسية لذلك.
قمّة صنعاء وإعلان الجمهورية
في أبريل 1990، احتضنت صنعاء سلسلة اجتماعات موسعة شارك فيها كل قيادات شطري الوطن للمرة الأولى، واختتمت بالاتفاق النهائي على إعلان الجمهورية اليمنية.
وفي 22 أبريل 1990، جرى التوقيع رسمياً على اتفاق إعلان الجمهورية اليمنية وتنظيم الفترة الانتقالية، الذي نص على تشكيل مجلس رئاسة وحكومة ومجلس نواب انتقالي، وتحديد 22 مايو موعداً لإعلان الدولة الجديدة.
كما نص الاتفاق على قيام دولة موحدة اندماجية كاملة، بنظام سياسي تعددي، تندمج فيه الدوليتان في كيان سياسي موحد.
وخلال الأسابيع التالية، استكملت إجراءات المصادقة على الاتفاق والدستور، مع تسارع أعمال الدمج الإداري والمؤسسي استعدادًا للإعلان الرسمي.
22 مايو.. نهاية التشطير
في صباح 22 مايو 1990، أعلن رسميًا في مدينة عدن قيام الجمهورية اليمنية، بحضور وفود سياسية وإعلامية عربية ودولية، وسط اهتمام شعبي ورسمي كبيرين داخل اليمن وخارجه.
ومع إعلان الجمهورية اليمنية، ارتفع علم الدولة الموحدة في سماء عدن، لتبدأ مرحلة سياسية جديدة أنهت التشطير بين شمال اليمن وجنوبه.
وفي خطاب إعلان الجمهورية، وُصفت الوحدة بأنها “تجسيد لإرادة الشعب اليمني وتحقيق لأهداف الثورة اليمنية”، في تأكيد على ارتباطها بمسار التحرر الوطني وبناء الدولة الحديثة.
وحظيت الوحدة اليمنية بترحيب عربي ودولي واسع، تُوّج بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1990، الذي رحب بقيام الجمهورية اليمنية كتجربة وحدوية سلمية بارزة في المنطقة.
وشكلت وحدة 22 مايو تحولًا مفصليًا في تاريخ اليمن الحديث، إذ نقلت حلم اليمنيين بالدولة الواحدة من مشروع سياسي مؤجل إلى واقع دستوري. ورغم ما واجهته لاحقًا من تحديات وأزمات، فقد ظلت واحدة من أعظم التحولات السياسية في اليمن والمنطقة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news