مع تزايد الحديث عن اقتراب التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، تصاعدت التهديدات الإيرانية بتوسيع نطاق المواجهة البحرية لتشمل إغلاق مضيق باب المندب كورقة ضغط في مواجهة الضغوط العسكرية.
ففي الأول من يونيو/حزيران الجاري؛ هدد قائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، بتحويل باب المندب إلى جبهة مشابهة لمضيق هرمز، إذا استمرت العمليات العسكرية ضد إيران ووكلائها.
وبعد أيام أعلنت جماعة الحوثي حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر وأطلقت صواريخ باتجاه إسرائيل، بالتزامن مع هجمات متبادلة بين طهران وتل أبيب، ما أعاد المضيق اليمني المهم إلى واجهة المشهد الإقليمي.
وفي 8 يونيو/حزيران، صعّد مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي ولايتي لهجته، ليهدد بالدخول في “معادلة توازن” تشمل مضيقي هرمز وباب المندب، فيما أشاد قاآني، بتحرك الحوثيين واعتبره “حازمًا وفي الوقت المناسب”.
كما أعلن عن “حزام أمني جديد للمقاومة”، يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، ملوحًا بضم فصائل أخرى للجبهة “إذا اقتضت الضرورة”.
رسالة تماسك
تعليقًا على هذه التطورات، قال الباحث في الشؤون اليمنية والخليجية الدكتور عمر منصر إن دخول الحوثيين في المواجهة، ولو بصورة رمزية، “يحمل رسالتين رئيسيتين: التعبير عن التضامن مع إيران وحزب الله في لبنان؛ والتأكيد على أن محور المقاومة لا يزال محتفظاً بدرجة من التماسك، رغم ما تعرض له من استنزاف وانتكاسات خلال الفترة الماضية”.
وأضاف لـ“برّان برس”، أن هذا التحرك يهدف أيضًا إلى توجيه رسالة مفادها أن الجماعة “ما تزال تحتفظ بقدر من القدرة على الفعل والمبادرة، وأن الضربات القاسية التي تعرضت لها خلال الفترات السابقة لم تؤدِّ إلى تحييدها أو إخراجها من معادلات الصراع الإقليمي”.
من جانبه، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي المصري حمدي الحسيني أن تحرك الحوثيين “متوقع وطبيعي”. وقال لـ“برّان برس” إن إيران كانت تحتفظ بهذه الورقة منذ بداية الحرب وقامت بتحريكها “في الوقت المناسب، وبمستوى تحكم كامل في توقيت التحرك وكيفيته”. موضحًا أن الرسالة الأساسية تتمثل في إبقاء الجبهة الحوثية حاضرة وقابلة للتفعيل متى أرادت طهران.
استراتيجية إيرانية أوسع
من جانبها، قالت الباحثة اليمنية في الشؤون الإيرانية أمل عالم إن إعلان الحوثيين إغلاق باب المندب، مع التهديد بتوسيع نطاق هذا الإغلاق “لم يكن مجرد قرار داخلي مستقل، بل جاء ضمن استراتيجية إيرانية أوسع”.
وبحسب تقديرها، فإن “الحرس الثوري الإيراني أراد الانتقال إلى مرحلة جديدة من استعراض القوة وفرض أوراق ضغط إضافية على طاولة المفاوضات”.
وأضافت في حديث لـ“برّان برس” أن توقيت الخطوة الحوثية جاء متزامنًا مع “تصعيد إيراني غير مسبوق في استهداف الأراضي المحتلة ردًا على القصف الإسرائيلي للبنان”، وهو ما اعتبرته “تحولًا لافتًا في أسلوب التعاطي الإيراني مع الأحداث الإقليمية”.
وفي هذا السياق، رأت أن إغلاق باب المندب “خطوة تصب في خدمة المصالح الإيرانية عبر خلق ضغوط إضافية على المستويين الإقليمي والدولي”. وقالت إن تصريحات المسؤولين الإيرانيين منذ بداية الحرب بشأن إدخال باب المندب في الصراع “تعكس امتلاك إيران القدرة على صناعة القرار في باب المندب”.
تأثير محدود وأبعاد سياسية
بدوره، اعتبر منصر إعلان الجماعة إغلاق باب المندب أمام السفن والمصالح الإسرائيلية، دون التطرق إلى السفن أو المصالح الأمريكية، خطوة “محدودة التأثير عمليًا، خاصة أن إسرائيل تمتلك مسارات وخيارات ملاحية بديلة، وهو ما تجلى بالفعل خلال الحرب التي أعقبت أحداث 7 أكتوبر”.
وأضاف أن “القيمة الأساسية لهذا الإعلان تبدو أقرب إلى البعد السياسي والرمزي منها إلى إحداث تأثير استراتيجي ملموس على المصالح الإسرائيلية”. مشيرًا إلى أن ذلك “يهدف إلى تأكيد الحضور السياسي والعسكري للجماعة وإبراز استمرار قدرتها على التأثير في المشهد الإقليمي، أكثر من إحداث تغيير جوهري في موازين القوى أو حركة الملاحة الدولية”.
في المقابل، قال الحسيني إن باب المندب يمثل إحدى أهم أوراق الضغط التي يمكن لإيران توظيفها عبر الحوثيين، ولم يستبعد إغلاقه كاملًا في حال تصاعدت الضغوط على طهران.
لماذا الآن؟
وفي تفسيرها لتوقيت هذه الخطوة، قالت الباحثة أمل عالم إن تفعيل الورقة الحوثية ارتبط بعدة عوامل أبرزها “وصول المفاوضات إلى نقطة تتطلب المزيد من الضغط لفرض المطالب، وسعي إيران للحصول على ضمانات لتفادي تعرضها لهجمات مستقبلية”.
وأضافت أن استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم” منذ “فشل المفاوضات التي استضافتها إسلام آباد في أبريل الماضي فرضت ضغوطًا متزايدة على النظام الإيراني. فكلما طال أمد هذه المرحلة، ارتفعت تكلفتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على إيران.
كما أشارت إلى أن استمرار الحصار البحري الأمريكي انعكس على الصادرات الإيرانية، بما في ذلك النفط، في ظل تراجع مستويات التصدير وتحديات تتعلق بالإنتاج والتخزين، وفي ظل “ارتفاع معدلات التضخم وتدهور الأوضاع الاقتصادية الداخلية”.
ولذلك، ترى أن إيران تسعى إلى “الخروج من هذه الحالة دون تقديم تنازلات كبيرة على طاولة المفاوضات، وفي الوقت نفسه تتجنب عودة الحرب، وإبقاء أي مواجهات عسكرية قبل التوصل إلى اتفاق نهائي ضمن إطار الفعل ورد الفعل المحدود”.
وفي هذا السياق، قالت إن طهران “لجأت إلى استخدام أدوات ضغط إضافية، من بينها التأكيد على قدرتها على إغلاق باب المندب”.
معادلة ردع جديدة
وبشأن الرسالة التي تسعى إيران إلى إيصالها عبر هذه التحركات، أوضحت الباحثة المختصة في الشأن الإيراني أنها “تتمحور حول التأكيد على استعادة قدرة الردع التي تآكلت خلال السنوات الماضية”.
وأشارت إلى أن هذا التآكل بدأ مع “عدم رد الحرس الثوري على اغتيال قاسم سليماني، ثم اتباع نهج براغماتي حذر بعد أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من اغتيالات استهدفت شخصيات بارزة في محور المقاومة”، مؤكدة أن “كل ذلك أضعف صورة الردع الإيرانية”.
ومن هذا المنطلق، تعتقد أن “الحرس الثوري يسعى إلى إرسال رسالة بأنه تجاوز سياسة "الصبر الاستراتيجي" وانتقل إلى مرحلة أكثر تصعيدًا، عبر توظيف أوراق الضغط البحرية في المنطقة”.
وقالت إن “إظهار القدرة على التأثير في الممرات المائية الحيوية عبر مضيق هرمز وباب المندب يحمل رسالة واضحة مفادها أن إيران تمتلك أدوات يمكنها التأثير في الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي”.
ولفتت إلى حديث قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، عن تشكيل “حزام أمني جديد للمقاومة” يمتد من هرمز إلى باب المندب، وقالت إن هذا يعكس محاولة إيرانية لترسيخ “معادلة ردع جديدة” في المرحلة المقبلة تشمل توظيف الممرات المائية كأدوات ضغط استراتيجية، بما يربط أمن الملاحة بمسار المواجهة والتفاوض مع طهران.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news