كيف تحولت عدن إلى فضاءٍ لإحياء الذاكرة والمقاومة؟
لماذا يرى جيل الوحدة أن “الجنوب دولته” رغم أنه لم يعشها؟
ألم تُثبت التجربة أن السردية المضادة أقوى من القمع؟
كيف انتصر “النص الخفي” للجنوبيين على خطاب السلطة؟
لماذا بقي استقلال الجنوب فكرةً عصية على الإخماد؟
أليس انتقال الذاكرة بين الأجيال شكلاً من أشكال المقاومة؟
.كيف نجح الحراك الجنوبي في صناعة وعيٍ سياسي عابر للأجيال؟
يُعدّ كتاب آن-ليندا أميرة أوغستن “نضال جنوب اليمن من أجل الاستقلال: أجيال من المقاومة” دراسةً إثنوغرافيةً رصينةً وموثّقةً توثيقاً دقيقاً، تتناول واحدةً من أقلّ الحركات السياسية المعاصرة في العالم العربي حظّاً من البحث والدراسة. وُلد هذا العمل من رحم انخراطٍ استمرّ عقداً من الزمن مع الحركة النضالية في جنوب اليمن (الحراك الجنوبي)، وتجذّر في السيرة الثقافية المزدوجة للمؤلفة الألمانية-الجنوبية.
في هذا العدد نستعرض الجزء الثاني والأخير من القراءة العلمية في الكتاب :
ثالثاً: الحجة المطروحة — خمسة أبعاد للمقاومة عبر الأجيال
الفصل الأول: البيئة الاجتماعية-السياسية
في هذا الفصل، حاولت الباحثة تتبع الشروط التي جعلت المقاومةَ عبر الأجيال ممكنةً، عبر تحليل إجراءات وآليات التهميش المُمنهجة التي أعقبت حرب 1994: التقاعد القسري لعشرات الآلاف من العسكريين وموظفي الدولة الجنوبية، ونهب الأراضي من قِبل أقطاب نظام صالح، ومحاولة إخضاع الجنوبيين للهيمنة الشمالية، وتقويض المساواة في الحقوق التي كرّسها قانون الأسرة في الجمهورية الشعبية عام 1974، واستزراع ثقافة خوفٍ مزمنة عبر الاعتقال التعسفي والقتل خارج نطاق القضاء والمراقبة. ولعل تحليل أوغستن للتمييز القائم على الانتساب هو أكثر ما في الكتاب دقةً وتعمّقاً. فهي تتتبّع كيف أن إلغاء الجمهورية الديمقراطية في اليمن الجنوبي لنظام التراتبية الاجتماعية التاريخية، وبشكلٍ رسميٍّ، انعكس بعد الوحدة بصورٍ مختلفة لمواجهة محاولات إحياء نظام صالح للنظام القبلي عمداً التي حاولت وأد الإرث القانوني والمؤسسي للدولة.
توثّق الباحثة أيضاً التراجع الحاد من قانون الأسرة التقدمي في الجمهورية الشعبية إلى قانون الأحوال الشخصية لليمن الموحدة عام 1992، المستمَد في معظمه من تشريع أكثر محافظةً للجمهورية العربية اليمنية. وتتتبّع الظاهرةَ المتصاعدة للنقاب والحجاب منذ التسعينيات والألفية، والقيود المفروضة على حركة المرأة في الفضاء العام، والتغلغل المستمر للتمييز الحاد حتى في صفوف النساء المنخرطات في الحراك؛ وهو تناقضٌ بين المطالب السياسية التقدمية للاستقلال وإعادة الإنتاج الاجتماعي المحافظ تُلاحظه أوغستن دون أن تقع في تجميل صورة الجمهورية الشعبية أو ممارسات الحراك الراهنة.
الفصل الثاني: الفاعلون
حاولت الباحثة في هذا الفصل تطوير نموذجاً تصنيفياً لملامح الناشطين داخل الحراك كانوا على النحو الآتي: الناشط الميداني، والناشط المضاعِف، والناشط غير المتعمّد، والناشط المقيم في البيت - يتجاوز التصوّرات التجميعية المبسّطة للتعبئة. ويلفت هذا التصنيف الانتباهَ إلى المسارات المتنوعة التي ينخرط من خلالها الأفراد في نضال الاستقلال، بمن فيهم أولئك الذين ينقلون السردية المضادة دون أن يعوا أنهم يُقاومون، وأولئك الذين يفعلون ذلك عبر الإنتاج الإعلامي والتنظيم المجتمعي وسرد قصص الأسرة الذاتية ووضعها لا عبر الاحتجاج في الشوارع. ويتميّز الفصل بتوثيق دقيق لكيفية مشاركة كا يُسمى بـ”جيل الوحدة” ليس بوصفه وريثاً سلبياً للخيال السياسي لأسلافه، بل بوصفه فاعلاً نشطاً يُعيد تأويل هذا الخيال وتوسيعه، وأحياناً نقده والتشكيك ف، ومحاولة بناء تصورات جديدة.
الفصل الثالث: المحتوى
هو قلب الكتاب التحليلي وفصله الأكثر إبداعاً. تتتبّع أوغستن ثلاث طبقاتٍ سردية متشابكة: السردية الوحدوية التي روّج لها نظام صنعاء، والسردية المضادة التي تمجّد الجنوب ما قبل الوحدة وإنجازات دولة ما قبل الوحدة، وسردية التهميش ما بعد الوحدة. وتُبيّن بتحليلٍ نصي تفصيلي للمناهج الدراسية والمحتوى الإعلامي كيف أن السردية الوحدوية تجاهلت مرحلة دولة ما قبل الوحدة في الجنوب، وبصورةٍ ممنهجةٍ أو شوّهتها أو جعلتها تبدو كعطب في التاريخ وأرست في الوقت ذاته إطاراً معيارياً يُجرَّم فيه أي تعبيرٍ عن المظالم الجنوبية ويُوصف بالانفصالية والتشهير بالوحدة التي تستحق أعلى درجات العقاب.
في مواجهة هذا المحو المؤسسي، نقلت الأسر والمجتمعات وعياً تاريخياً بديلاً. ما تُسمّيه أوغستن "الجنوب المجيد قبل الوحدة" لا يعمل مجرّد حنينٍ عاطفي، بل يُشكِّل نموذجاً معيارياً - قالباً لما هو مرغوبٌ سياسياً ومُمكنٌ اجتماعياً - يُقاس على ضوئه أداء الجمهورية اليمنية فيظهر دائماً قاصراً. كما يُعالج الفصل بأمانةٍ أسباب فشل “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية” وعنفها الداخلي، لا سيما الكارثة الحزبية المروّعة في الثالث عشر من يناير 1986 التي خلّفت آلاف القتلى وهدّت الهيكل القيادي للحزب الحاكم. وتُقرّ أوغستن بأن السردية المضادة تنطوي على ذاكرةٍ انتقائية - عمليةٌ واعية أو لا واعية من خلال إعادة البناء الاسترجاعي الخلاصي - دون أن تصفها بسببٍ من ذلك بالوعي الزائف. والنقطةُ بالضبط هي أن الذاكرة الجماعية انتقائيةٌ دائماً، وأن ذاكرة الجمهورية الشعبية الانتقائية تخدم وظائف سياسية يمكن ملامستها في الحاضر.
الفصل الرابع: الفضاءات
تُحلِّل الأطروحة كيف استولى الحراك الجنوبي على فضاءاتٍ مكانية وأنشأ أخرى لنقل السردية المضادة عبر الأجيال: ساحة العروض في عدن بما تضمّه من مدن خيامية تلتقي فيها أجيالٌ متعاقبة للنقاش والتظاهر؛ والأحياء السكنية بوصفها شبكاتٍ للتنشئة الاجتماعية الوجدانية؛ والمدارس ميداناً مؤسسياً متنازَعاً تُواجه فيه المناهج الوحدوية الرسمية بيداغوجياتٍ بديلة؛ والتجمّعات العامة مناسباتٍ طقوسية لنقل الذاكرة عبر الكلام والتصوير والموسيقى وعرض موروثات الجمهورية الشعبية.يُوسِّع هذا التحليل المكاني رؤية هنري لوفيفر (
Henri Lefebvre)
القائلة بأن الفضاء يُنتَج اجتماعياً، مُبيناً كيف تُنتِج الحركة بنشاط فضاءات سياسية-تربوية تُنازع الجغرافيا المهيمنة عليها من قبل النظام السياسي.
الفصل الخامس: الإعلام والرموز
يفحص هذا الفصل الوسائل المادية والسيميائية لنقل السردية عبر الأجيال: علم دولة الجنوب قبل الوحدة الذي يُشكِّل رفعه في المظاهرات مطالبةً سياسية ومحفّزاً للذاكرة معاً؛ وصور الشهداء والقيادات التاريخية للجنوب؛ والموسيقى والشعر؛ والشعارات؛ والقنوات الإعلامية - لا سيما قناة عدن لايف الفضائية. وتُبيّن أوغستن كيف تُسرِّع هذه الموارد الرمزية انتقالَ السردية المضادة وتُضخّمه بعيداً عن الحدود العادية للغة والتواصل اللفظي، فتُتيح لشباب مُسيَّس لم يلتقِ قط بأحد ممن عاشوا في الجمهورية الشعبية أن يشعروا بتعلّقٍ وجداني حقيقي بالدولة المفقود.
التقييم النقدي
يُسجّل كتاب “النضال من أجل استقلال جنوب اليمن” جملةً من الإسهامات الجديرة بالتثمين. فهو الدراسة الإثنوغرافية الأولى في حجم الكتاب المتكامل عن الحراك الجنوبي، تسدّ فراغاً لافتاً في أدبياتٍ يهيمن عليها التحليل السياسي لإخفاق الدولة اليمنية أو الروايات العامة للربيع العربي. وإسهامه النظري - مفهوم المقاومة عبر الأجيال بوصفها ضرباً من المعارضة اليومية التي تسبق النشاط المرئي للحركات الاجتماعية وتُغذّيه حتى تنفجر به - أصيلٌ ومبتكرٌ فعلاً وقابلٌ للتعميم على حالاتٍ أخرى لنضالات استقلالٍ في مرحلة ما بعد الهزيمة. والثراء الأرشيفي للكتاب (مقابلات، ملاحظات، كتب مدرسية، صحف، تلفزيون) يستحق الإشادة. وتُعالَج مسألة الموقع البحثي بصدقٍ أعمق مما هو معتاد في هذا الصنف الأدبي-الأكاديمي.
بيد أن ملاحظاتٍ نقدية عدة تستدعي اهتماماً أكاديمياً جدياً:
يقصر الكتابُ نفسَه صراحةً على الأصوات المؤيدة للاستقلال. وهذا مُبرَّرٌ منهجياً ومُقرٌّ به بصدق في الكتاب، غير أنه يُنشئ ثغرة تحليلية ذات أهمية. فالحراك الجنوبي متشعّبٌ داخلياً بين المطالبين بالاستقلال التام والمفضّلين للحل الفيدرالي أولئك المرتبطين برعاةٍ خارجيين مختلفين. يُشير الكتاب إلى هذا التنوع الداخلي دون أن يوثّقه بصورة منهجية، ويظل خالياً من أي معرفةٍ بوجهات نظر اليمنيين الجنوبيين الذين لا يدعمون الاستقلال أو يتّخذون مواقف ملتبسة.
تحرص أوغستن على الإشارة إلى أن السردية المضادة تنطوي على ذاكرةٍ انتقائية، وتعترف بعنف الجمهورية الشعبية السياسي - لا سيما كارثة عام 1986 - بوصفه تاريخاً حقيقياً لا بدّ للحراك من "التعامل معه". لكن التأطير التحليلي للدراسة ينتظم حول منطق السردية المضادة ذاتها: الجمهورية الشعبية بوصفها دولةً وفّرت المساواة وحقوق المرأة والأمن الاجتماعي والكرامة الوطنية، يبدو في ضوئها اليمن الموحّد كأنه نظامٌ من الاحتلال والسلب. وهذا التأطير مناسبٌ تحليلياً لرسم خريطة ما يؤمن به الحراك وأسباب إيمانه، غير أن الكتاب لا يُقدّم مسافةً نقدية كافية لتقييم منهجي لما هو ثابتٌ تجريبياً في السردية المضادة وما ينطوي فيه على نسيانٍ انتقائي للقمع والتجميع القسري وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الجمهورية الشعبية ذاتها.
سيستفيد الكتابُ من ملحقٍ منهجي أكثر تفصيلاً يُحدّد تركيبة عيّنة المقابلات، وبروتوكولات التجنيد والموافقة المُستنيرة، والطريقةَ التي نُظّمت بها مجموعات النقاش البؤرية، وإجراءات تحليل المواد النصية. وكما هو الحال، يظل الحساب المنهجي في الكتاب سردياً في المقام الأول، مما يُصعّب على الباحثين الراغبين في البناء على نتائجه مهمّتهم.
خاتمة
نضال جنوب اليمن من أجل الاستقلال إنجازٌ أكاديمي بالغ الأهمية. كتبت أوغستن كتاباً حيٌّ إثنوغرافياً، صارمٌ نظرياً، مُنخرطٌ سياسياً بما يفوق أغلب الدراسات الإقليمية المتخصصة. مفهومها المحوري عن “المقاومة عبر الأجيال” - أي أن انتقال السردية المضادة عبر الأجيال ليس مجرد تنشئة اجتماعية بل ضربٌ من المعارضة السياسية يحفظ الطاقة الجمعية للتعبئة عبر عقودٍ من القمع - يُقدّم أداةً تحليلية قويةً لفهم جنوب اليمن وسواه من نضالات الاستقلال في مرحلة ما بعد الهزيمة، حيث تنجو الرغبةُ في الدولة من اندثار الدولة ذاتها. والمقارنة مع ألمانيا الديمقراطية، والتحليل الدقيق لكيفية تسريع الفضاءات العامة والرموز والإعلام لانتقال السردية، والرواية الصادقة عن العمل الميداني في ظروف خطرٍ حقيقي وقيودٍ جندرية… كل ذلك يجعل من الكتابَ مساهمة جادة وأصيلة ومبتكرة.
فتحت أوغستن باباً واسعاً، وقدّمت الأدوات وكثيراً من المادة التجريبية للنقاشات التي ينبغي أن تتلوها. ومن يَدرِسون المقاومة السياسية والذاكرة عبر الأجيال وحركات الاستقلال، سيجدون في هذا الكتاب مرجعاً لا غنى عنه.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news