غالباً ما تركز محادثات السلام على السلطة والحدود، لكن في اليمن يوضح كيف يمكن للضغوط البيئية أن تغذي الصراع وتساعد في بناء السلام، كما يقول مايكل كيتينغ، المدير التنفيذي للمعهد الأوروبي للسلام.
يشير كيتينغ في مقال بمجلة «Geographical» البريطانية، بعنوان “الحلقة المفقودة في حل النزاعات” إلى أن حل النزاعات يتجاوز بكثير مجرد الاتفاقات قصيرة الأجل والصفقات النفعية بين الأطراف النافذة.
وقال “صحيح أن وقف إطلاق النار قد يخفف المعاناة ويفسح المجال للحوار، إلا أن الحل الناجح للنزاعات يكمن في تهيئة ظروف مستدامة للسلام، وهذا يعني معالجة المظالم الأساسية وتنشيط سبل حلها السلمية”.
وعادةً ما يركز الوسطاء على مجموعة من القضايا المتعلقة بممارسة السلطة: السيطرة الإقليمية، والترتيبات الدستورية المعدلة، وتقاسم الإيرادات، ونزع السلاح، والضمانات الأمنية. وفق المقال.
ونادراً ما يولون الأولوية لقضايا أكثر جوهرية، مثل توافر الموارد الطبيعية واستخدامها وإدارتها، كالماء والتربة والغابات، والحصول على الطاقة، أو الآثار المدمرة لتغير المناخ على الظروف المعيشية وسبل العيش.
عجزٌ حقيقي
ويشير المقال إلى أن، الضرر وانعدام الأمن المرتبطان بتزايد حدة الظواهر الجوية المتطرفة وتسارع التدهور البيئي باتا أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، وهما عاملان مُضاعفان للتهديدات، وفي بعض المناطق، يُعدّان سبباً مباشراً للنزاعات.
كما أن نقص المياه في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل، وعدم إحراز تقدم كافٍ في تعزيز الأمن الغذائي في مواجهة تغير المناخ، إلى جانب محدودية فرص الحصول على الطاقة وعدم المساواة فيها، كلها عوامل تُفاقم الوضع سوءاً.
وثمة مجال وحاجة لاستكشاف إمكانية تحويل هذه التحديات إلى فرص للحوار، وبناء الثقة، والمساهمة العملية في السلام، وكيفية القيام بذلك، ويُقدّم اليمن نموذجاً عملياً، كما يُشير تقرير جديد صادر عن المعهد الأوروبي للسلام.
تحظى اليمن باهتمام كبير لكونها غارقة في حرب أهلية مستعصية، حيث يسيطر الحوثيون على معظم أراضيها المأهولة، مما يهدد الملاحة في البحر الأحمر، وقد شغلت اليمن بال خبراء مكافحة الإرهاب الغربيين لسنوات عديدة، نظراً لاستخدامها كقاعدة لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.
ويشير المقال، بأن الاهتمام أقل للروابط وحلقات التغذية الراجعة بين عدم الاستقرار والعنف والقضايا البيئية، مع أنها واضحة لمواطني البلاد”، لافتا “بأن “عدم الاستقرار يعيق الجهود المحلية المبذولة لمعالجة آثار تغير المناخ والتدهور البيئي، ويخلق فرص عمل في الوقت نفسه”.
ويؤدي الفقر وتدهور البيئة بدورهما إلى شعور باليأس، لا سيما بين الشباب، مما يُسبب العزلة الاجتماعية والنزوح على نطاق واسع وتدفقات الهجرة، ومن المتوقع أن يرتفع عدد سكان البلاد بنسبة 50% ليصل إلى 60 مليون نسمة في أقل من 15 عامًا، مما يزيد الضغط على الموارد والبنية التحتية.
دراسة حديثة
ويشير المقال، بأن هذه المعطيات نادراً ما تستند هذه الرؤى إلى بيانات دقيقة وموثقة محلياً، لا سيما في السياقات التي يصعب فيها إجراء البحوث أو تنطوي على مخاطر.
واستند تقرير المعهد الأوروبي، إلى أكبر استطلاع ونقاشات أُجريت مع يمنيين في 13 محافظة مختلفة، تخضع إما لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو لسيطرة الحوثيين.
بالنسبة لليمنيين -وفق التقرير- العلاقة بين الضغوط البيئية والصراع جلية، حيث أفاد أكثر من نصفهم بوجود توترات أو نزاعات حول المياه، أو الأرض، أو التلوث، أو الطاقة، وهم ينظرون إلى القضايا البيئية لا على أنها هامشية، بل على أنها أساسية لتحقيق سلام مستدام.
ويعتبر أكثر من 80% منهم أن معالجتها ضرورية لمعيشتهم وأمنهم، ويعتقد معظمهم (57%) أنه ينبغي دمج التحديات البيئية في مفاوضات السلام المحلية والوطنية. كشفت النتائج أيضاً عن فرص وسبل للتعاون في القضايا البيئية، بما في ذلك عبر خطوط النزاع.
ويلعب الوسطاء المجتمعيون والزعماء التقليديون والمبادرات المحلية التي تقودها النساء والشباب دوراً محورياً في حل النزاعات المتعلقة بالمياه والأراضي. وفي العديد من المحافظات، أصبح التعاون البيئي أساساً لتدابير بناء الثقة بين أطراف النزاع.
السلام بمعالجة التحديات
يثير هذا النجاح على المستويين المحلي والإقليمي تساؤلاً حول سبب عدم تركيز جهود صنع السلام الدولية والإقليمية على فرص صنع السلام البيئي. وفق المقال.
ومن المفهوم أن محادثات السلام التي ترعاها جهات دولية تتمحور حول الترتيبات السياسية والأمنية -وفق المقال- لكنها غالباً ما تغفل بشكل كافٍ الظروف التي تمكّن المجتمعات من إعادة بناء الثقة، واستعادة سبل عيشها، والحد من مخاطر النزاعات المستقبلية.
من بين الأسباب إعطاء الوسطاء الدوليين الأولوية لقضايا الأمن الصعبة، والتي عادةً ما تكون قصيرة الأجل، ومحدودية معرفتهم بالبيئة، وضعف قدرة السكان المتضررين على التأثير في أجندة محادثات السلام.
كما أن إعادة ترتيب الأولويات وخفض الميزانيات في الدول المانحة يحدّان من نطاق المبادرات التي يمكن أن تبني الثقة وتحقق مكاسب السلام، وذلك على سبيل المثال، من خلال تحسين الوصول إلى المياه، والاستثمار في الطاقة المتجددة، واستصلاح الأراضي، وتعزيز الحوكمة المتعلقة باستخدام الموارد.
في ظل تزايد التهديدات للسلام والأمن وتفاقم الصراعات، يبدو من الحماقة التفاؤل بأن يكون التدهور البيئي والتكيف مع تغير المناخ أساسًا للحوار وحل النزاعات، لكن اليمنيين يعتقدون ذلك، وعلينا أن نؤمن به أيضًا.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news