العنود أحمد
جاء عرض مسلسل “مدرسة المشاغلين” على قناة يمن شباب خلال رمضان كواحد من الأعمال التي استطاعت أن تخلق لنفسها حضورًا لافتًا في زحام الموسم، وأن تقترب من الجمهور بروح خفيفة وطرح اجتماعي يلامس تفاصيل الحياة اليومية. وبوصفي أحد المشاركين في هذا العمل، لا يسعني في البداية إلا أن أعبّر عن شكري وتقديري للقناة والمنتج والمؤلف وفريق العمل، الذين بذلوا جهدًا واضحًا لإخراج هذا المشروع إلى النور رغم التحديات المعروفة التي تواجه الإنتاج الدرامي في بيئتنا.
تميّز المسلسل بخط فني رشيق يجمع بين الكوميديا والطرح الواقعي دون افتعال، ويعتمد على شخصيات قريبة من المتلقي، يمكن أن يراها في حيه أو مدرسته أو حتى داخل بيته. هذا القرب منح العمل صدقيته وجعل المشاهد يتفاعل مع أحداثه بسلاسة. كما أن الإيقاع العام للحلقات حافظ على توازن جيد بين الطرافة والرسالة، وهو أمر ليس سهلًا في الأعمال التي تتناول قضايا حساسة.
يصعب علي كإحدى شخصيات المسلسل أن امتدحه ولكني هنا أحاول لملمة ما وصلني من الملاحظات من المشاهدين والمتابعين.. حيث أغلبهم أجمعوا أن من أبرز نقاط القوة في “مدرسة المشاغلين” تركيزه على قضية التعليم، بوصفها مدخلًا أساسيًا لإصلاح المجتمع. لم يأتِ هذا الطرح بشكل مباشر أو وعظي بل من خلال مواقف إنسانية ومفارقات يومية كشفت حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية، سواء من حيث الإمكانات أو السلوكيات أو البيئة المحيطة. هذه المعالجة تُحسب للعمل، لأنها تفتح باب النقاش حول موضوع جوهري يمس مستقبل الأجيال في بلادنا اليمن.
كما نجح المسلسل في تسليط الضوء على بعض الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالشباب، مقدّمًا نماذج متعددة تعكس التباين داخل المجتمع، وهو ما أضفى على النص حيوية وتنوعًا. الأداء التمثيلي بدوره كان في مجمله مقنعًا، خاصة مع وجود حالة من الانسجام بين فريق العمل، انعكست على الشاشة بشكل إيجابي. وهنا أحيي كل فريق العمل وفي مقدمتهم المخرج سيف الدين الوافي.
ومع ذلك، لا يخلو أي عمل من ملاحظات يمكن أن تسهم في تطويره مستقبلًا. من أبرز هذه المآخذ مسألة ضغط الوقت في التصوير، حيث تم تصويره قبل حلول شهر رمضان بأسابيع قليلة وبدأ عرض الحلقات الأولى قبل الانتهاء من تصوير بقية العمل، وهو ما قد يؤثر على جودة التنفيذ في بعض التفاصيل الفنية، سواء على مستوى الإخراج أو المونتاج أو حتى أداء الممثلين الذين يعملون تحت ضغط مستمر. مثل هذه الظروف تُفقد العمل أحيانًا فرصة المراجعة والتجويد.
كذلك، كان هناك تركيز لافت على موضوع ترويج المخدرات داخل بيئة فقيرة، وهو طرح مهم بلا شك، لكنه بدا في بعض الأحيان غير متوازن مع طبيعة تلك البيئة التي تنشغل أساسًا بتأمين لقمة العيش. ربما كان من الأفضل تقديم هذا الجانب بجرعات أكثر دقة، أو ربطه بسياقات أعمق تفسّر حضوره بشكل أكثر إقناعًا.
ومن النقاط التي أثيرت أيضًا مسألة تسمية المسلسل، إذ رأى بعض المتابعين أن اشتقاق الاسم من عمل مسرحي مصري معروف (مدرسة المشاغبين) قد يضع العمل في دائرة المقارنة، بينما كان بالإمكان اختيار عنوان يمنحه هوية مستقلة ويؤسس له كعلامة خاصة به منذ البداية.
ومن باب الحرص على تطور التجربة، يمكن القول إن العمل يمتلك قاعدة جيدة للبناء عليها في المواسم القادمة. ربما يكون من المفيد منح النص وقتًا أطول في الكتابة والمراجعة، وتعزيز الحوار ليكون أكثر عمقًا وامتلاءً بالحِكم والدلالات، دون أن يفقد عفويته. كما أن توسيع الاشتغال على تفاصيل الشخصيات سيمنحها أبعادًا إضافية ويجعلها أكثر رسوخًا في ذاكرة المشاهد.
وفي كل الأحوال انا سعيدة بالتفاعل الرائع من الجمهور الكريم مع المسلسل وأعتبره بداية هامة لي في عالم الدراما، مع تمنياتي للدراما اليمنية بالتطور الدائم. ونرجو من نقادنا الاكارم ألا يبخلوا علينا بملاحظاتهم القيمة والبناءة.
في الختام.. يظل “مدرسة المشاغلين” تجربة جديرة بالتقدير، وخطوة مهمة في مسار الدراما المحلية، بما حمله من جرأة في الطرح وبساطة في التناول. والأمل كبير بأن يأتي الجزء الثاني أكثر نضجًا على مستوى الحوار والبناء الدرامي، وأن يواصل هذا العمل رحلته في تقديم محتوى يجمع بين المتعة والفائدة، ويعبّر بصدق عن هموم المجتمع وتطلعاته.
تعليقات الفيس بوك
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news