يمن ديلي نيوز – تقرير خاص:
أثارت التطورات الأخيرة في جنوب وشرق اليمن، بما في ذلك استعادة الحكومة اليمنية لحضورها في محافظتي حضرموت والمهرة، وانتشار القوات الموالية لها في عدد من المحافظات الجنوبية، الآمال بأن ثمة مرحلة جديدة في إعادة ترتيب المشهد العسكري ستشهده اليمن.
تزامن ذلك مع تشكيل لجنة عسكرية عليا بقيادة تحالف دعم الشرعية، في 10 يناير/كانون الثاني الماضي والتي أوكل إليها مهام إعداد وتنظيم وقيادة القوات والتشكيلات العسكرية، ورفع جاهزيتها، خصوصًا في ظل احتمالات تعثر المسار السياسي مع جماعة الحوثي.
ومما ساهم في تعزيز الآمال بانتهاء مرحلة التشكيلات العسكرية، والتفاوت الكبير في المرتبات بين الجيش اليمني والتشكيلات، تعيين الفريق الركن طاهر العقيلي، وزيراً للدفاع بالنظر إلى خبرته العسكرية السابقة، رغم الجدل الذي رافق مسيرته المهنية وتقييم أدائه في مراحل سابقة.
مؤخراً وبينما كانت وحدات الجيش اليمني تنتظر تسلمها مرتبات تتساوى قيمتها مع ما تتقاضاه التشكيلات العسكرية الخارجة عن وزارة الدفاع بحسب ماتم تداوله في الأوساط العسكرية، فوجئت بنشر وزير الدفاع حالة واتس ألقى فيها باللائمة على الدائرة المالية في تأخر صرف رواتب الجيش التي وجه بصرفها.
وبعيداً عن الجدل الذي أثارته حالة الواتس التي نشرها وزير الدفاع واستغلال الأطراف المناوئة للجيش لها للتأثير على تماسكه، يتساءل كثيرون.. هل يقتصر طموح وزير الدفاع والحكومة على انتظام صرف المرتبات “الزهيدة”؟
تبلغ نسبة مايتقاضاه الجندي في الجيش اليمني أمام التشكيلات العسكرية الأخرى 15 في المائة فقط، حيث يتقاضى الجندي في الجيش مبلغ 60 ألف ريال، بينما يزيد راتب الجندي في التشكيلات الأخرى أكثر من 400 ألف ريال.
وفق مراقبين سياسيين تحدثوا لـ”يمن ديلي نيوز” فإن هذا التفاوت الكبير في المرتبات إذا ماتم الالتفات له من قبل الحكومة ووزير الدفاع سيضع المستقبل والطموحات التي بنيت خلال الأشهر الماضية أمام تساؤل محوري حول مستقبل المشهد العسكري وسينعش جدلية “الدجاجة والبيضة من خلق أولاً”.
المراقبون حذروا من مزيد من الهجرة العسكرية من صفوف الجيش الوطني إلى التشكيلات العسكرية الأخرى أو البحث عن أعمال أخرى مثلما حصل خلال الأعوام الماضية بسبب التفاوت في المرتبات، ما أثر بشكل واضح على سير المعركة مع جماعة الحوثي بل وتراجعها أيضا.
واقع مؤلم
يقول المحلل السياسي عبدالواسع الفاتكي إن منتسبي الجيش اليمني مقارنة ببقية التشكيلات العسكرية التي لم تُدمج بعد في هيكل وزارة الدفاع يعيشون واقعًا معيشيًا مؤلمًا، بسبب التفاوت الكبير في الرواتب، وهذا لن يساعد على نجاح عملية الدمج.
وأضاف: لـ”يمن ديلي نيوز”: التفاوت الحاد في المرتبات يؤدي إلى شعور جنود الجيش بالإحباط والظلم مقارنة بزملائهم، كما يدفع إلى هجرة الكفاءات، حيث يضطر العديد من الضباط والجنود إلى ترك وحداتهم والبحث عن فرص في التشكيلات الأخرى التي توفر رواتب مجزية.
وتحدث الفاتكي تأثيرات لهذا التفاوت في المرتبات على الانضباط داخل صفوف الجيش، إذ يلجأ البعض إلى البحث عن أعمال إضافية لتأمين لقمة العيش، ما يؤثر على التركيز في المهام الموكلة إليهم.
وأعتبر الفاتكي أن معالجة هذا الخلل تتطلب خطوات جادة وحاسمة من قبل وزارة الدفاع بقيادة الوزير العقيلي، وكذلك الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، عبر العمل على مرحلة متكاملة لإصلاح الهيكل المالي والإداري للوزارة.
قاعدة بيانات
وفي ظل تعدد التشكيلات العسكرية تحدث الفاتكي عن أهمية إنشاء قاعدة بيانات مركزية دقيقة تشمل جميع المنتسبين للجيش وكافة التشكيلات العسكرية الأخرى، كخطوة تمهيدية لعملية الدمج.
كما شدد على أهمية توحيد آليات الصرف باعتماد نظام موحد وشفاف يتضمن برنامجًا محاسبيًا يحد من أي شبهة فساد أو عبث بالمال العام.
وأشار إلى أهمية تفعيل الرقابة عبر تطبيق نظام البصمة بشكل كامل، وإلغاء وسائل الصرف التقليدية اليدوية، لضمان وصول المستحقات إلى مستحقيها الفعليين وسد أي ثغرات قد تسمح بالتلاعب.
ودعا إلى إعادة هيكلة الأجور ورفع مستوى الرواتب للجيش وصولًا إلى توحيد سلم الأجور بما يحقق الحد الأدنى العادل والرضا الوظيفي لجميع الجنود.
ودعا الفاتكي وزارة الدفاع إلى تولي مسؤولية استقبال وصرف كافة الدعم المخصص للجيش والتشكيلات العسكرية عبر جهة واحدة لضمان التوزيع العادل.
وقال إن قضية التفاوت في الرواتب ليست مجرد مسألة مالية، بل هي قضية سياسية وإدارية بامتياز، ومعالجتها تمثل مفتاحًا أساسيًا لدمج جميع التشكيلات العسكرية تحت قيادة وزارة الدفاع.
ورأى المحلل السياسي الفاتكي أن مراعاة المخاوف المشروعة لدى الجنود في التشكيلات الأخرى من فقدان امتيازاتهم الحالية في حال الدمج، يؤكد في الوقت ذاته ضرورة رفع رواتب جنود الجيش إلى مستوى يليق بتضحياتهم.
واختتم حديثه لـ”يمن ديلي نيوز” بالتأكيد على أن معالجة هذا الملف تحتاج إلى دعم سياسي حقيقي من الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، إضافة إلى دعم التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، لدفع عملية إصلاح شاملة تعيد الثقة والانضباط للمؤسسة العسكرية الوطنية.
التوجه إلى التشكيلات
من جانبه، قال أحمد هزاع – وهو محلل سياسي – إن التفاوت الحاصل في المرتبات بين الجيش والتشكيلات دفع كثيرًا من الجنود إلى التوجه نحو مناطق أو تشكيلات توفر رواتب أعلى، سواء في الحد الجنوبي داخل السعودية أو في عدن والمخا وحضرموت، ما يعكس خللًا كبيرًا في إدارة الملف.
وأشار في رد على تساؤلات “يمن ديلي نيوز” إلى الدور الذي بات الآن على عاتق وزارة الدفاع وقيادتها.. داعيًا إلى توحيد الرواتب وفق آلية رسمية، سواء بالريال اليمني أو وفق نظام موحد، حتى يتسنى دمج التشكيلات العسكرية ضمن الوزارة.
وحذر من أن غياب النية الحقيقية لمعالجة هذه الأوضاع قد يؤدي إلى مغادرة أعداد كبيرة من الجنود لمواقعهم، إما بالاغتراب أو البحث عن أعمال أخرى أو الالتحاق بتشكيلات توفر دخلًا أفضل، في ظل غلاء المعيشة.
وقال هزاع إن عدم دمج التشكيلات العسكرية وغياب القيادة المشتركة من أبرز العوامل التي ساعدت الحوثيين على التمدد، حيث تعمل كل قوة بشكل منفصل، مع وجود حالات رفض لأوامر وزارة الدفاع.
وذكر أن التحالف العربي وخاصة المملكة العربية السعودية، يتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه دعم المقاتلين الذين واجهوا الحوثيين.
واختتم هزاع بالتأكيد على ضرورة توحيد التشكيلات وآلية صرف الرواتب بما يضمن المساواة بين جميع الجنود.
واعتبر استمرار الوضع الحالي دون إصلاح سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع في الجبهات، في ظل معاناة مستمرة للجنود منذ سنوات الحرب وغياب مبررات حقيقية لتأخير الحلول.
وتتواجد في مناطق الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عدداً من التشكيلات العسكرية الخارجة عن وزارة الدفاع اليمنية، كانت مدعومة من الامارات العربية قبل أن ينتقل دعمها مؤخراً إلى المملكة العربية السعودية.
أبرز هذه التشكيلات قوات المجلس الانتقالي الجنوبي التي كان يقودها عيدروس الزبيدي، وقوات العمالقة الجنوبية التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي، وقوات المقاومة الوطنية التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح.
ويتقاضى الجنود في هذه التشكيلات روات شهرية تصل إلى 1300 ريال سعودي أي مايعادل 500 ألف ريال، فيما يتقاضى من يحملون رتب ضباط مرتبات تبدأ من 2200 ريال سعودي، أي بما يزيد عن 900 ألف ريال يمني.
في المقابل يتقاضى الجندي في الجيش اليمني مبلغ 60 ألف ريال يمني مايعادل 150 ريال سعودي، فيما تبدأ مرتبات الضباط في الجيش اليمني الحكومي من 130 ألف ريال يمني بنحو 350 ريال سعودي.
وخلال السنوات الماضية انتقل آلاف الجنود والضباط في الجيش اليمني، إلى تشكيلات عسكرية أخرى كانت مدعومة من الامارات العربية المتحدة في جنوب اليمن وغرب اليمن، وتشكيلات أخرى مدعومة من السعودية في شمال اليمن بسبب تفاوت المرتبات.
ووفق مراقبين فإن التحاق جنود الجيش بالتشكيلات العسكرية خلال السنوات الماضية، كان واحداً من الأسباب التي ساهمت في سقوط جبهة نهم بمحافظة صنعاء مجدداً بيد جماعة الحوثي في العام 2020.
مرتبط
الوسوم
وزير الدفاع اليمني
الجيش اليمني
توحيد القوات العسكرية
رواتب منتسبي الجيش
نسخ الرابط
تم نسخ الرابط
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news