عدن توداي /د. جمال الهاشمي :
دواعي المقال؛ خوض أئمة فرنسا في جدليات المخالفة دون أصولية علمية يقوم عليها الحكم ودون اجتهاد ونظر في الترجيح بين الأدلة إما عن عي وإعراض أو تعصب ومخالفة والعياذ بالله .
مقالات ذات صلة
غزة : طفولة مذبوحة.. وأحلام تحترق تحت الركام
ذكرى يوم التأسيس.. حكاية وطن
مقدمة:
يضبط هذا العنوان إشكالية منهجية خطيرة والتي تتجسد في انتقال الفتوى من كونها إرادة للشارع إلى كونها إرادة للمريد أو فلسفة الواقع.
والمسألة ليست خطأ عن اجتهاد بقدر ما هو انحراف في بنية الإفتاء نفسها وفي بنية التحصيل والتكوين وفي شيوع أخلاق التعصب الحزبي الأعمى والبعد عن المسؤولية والصراع على الموارد والأعطيات والرواتب والمناصب وهي أزمة شائعة في عالمنا العربي وأشد منها في بلاد أوروبا .
ومن جهة إرادة المفتي تأتي إرادة المستفتي وهو أن يتجه السائل إلى المفتي وهو يحمل في تساؤله نتيجة مسبقة وموافقة سابقة للاستشفاء من لوامته(النفس اللوامة) بالاستئناس بالفتوى فيعمد إلى استخراج حكم يوافقها وليس من أجل معرفة الحكم ابتداء وهذا غالب الفتوى في فرنسا وأوروبا .
وهو الذي نقصد به تكييف الدين لإرادة السائل والواقع وقد يتورط المفتي—وعيا أو عيا —في هذا التكييف فيعيد بناء الجواب بما يحقق تلك الإرادة.
وهنا تتحول الفتوى إلى أداة للمواءمة بدلا من البيان.
ثانيا: التأصيل الشرعي:
الأصل القطعي أن الفتوى توقيع عن رب العالمين قال تعالى: “ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام…”، وهو نص يؤسس لقاعدة مركزية والتي تتمثل في تحريم إخضاع الأحكام للأهواء وتتبع الرخص في المءاهي او البحث عن الأقوال الشاذة وقد قيل أن تتبع الرخص زندقة.
لا سيما وأننا كلما حضرنا خطبة قي مسجد نجد الإمام يشغل الخطبة في الحديث عن المال في بناء العمران مهملا بذلك بناء الإنسان أو يشغل الخطبة في تزكية نفسه والحديث عن مسؤوليته أو في الحديث عن القيل والقال وهو ما يعكس وعيا عاما من المصلين برفضه وبغضه.
وفي الحديث: ( ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا، رجل أم قوما وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وأخوان متصارعان) .
وهذا الحديث يعالج أكثر إشكاليتنا المعاصرة وأولها فساد الرأس والإمامة وهي أساس لكل فساد .
كما أن النصوص تذم اتباع الهوى كقوله تعالى ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين)
وفي الأثر عن السلف كان التوقف عن الجواب مقدما على الجواب وكانوا يعدون كثرة الفتوى مع ضعف التحرر من الهوى علامة خلل.
ثالثا: البنية الخفية لأشكالية الفتوى.
إن صياغة سؤال موجه يتم فيه تضمين النتيجة داخل السؤال يعد انتقاء سياقي للأدلة في إبراز ما يخدم الغرض وإقصاء غيره.
وضغط نفسي أو اجتماعي يمارس على المفتي بشكل مباشر أو ضمني وعي أو تعمد مسبق من المفتي .
وأن تسويق الجواب يعني إخراجه في قالب شرعي مقبول ظاهرا وبهذا تتشكل سلسلة إنتاج للفتاوى المضللة.
رابعا: صور التطبيق
ومن صور التطبيق طلب الرخصة مع إخفاء المعطيات المؤثرة في الحكم وعدم الوعي بحالة المستفتي أخلاقا وقيما وعرفا ووواقعا ومجتمعا وعرض المسألة بصيغة تغلق كل احتمال إلا المطلوب واستغلال ثقافة الأئمة بالدين وتصدرهم للفتوى دون أصول معتبرة و ملكة البحث والاجتهاد .
وهو ما ترتب عليه استدعاء الخلاف الفقهي لتبرير خيار محدد دون استدلالات وطرائق وترجيحات معتبرة مع توظيف الفتوى لخدمة قضايا سياسية أو اقتصادية وحزبية وهووما أدى إلى صراع المساجد على هبات المصلين .
خامسا: الآثار الاستراتيجية:
أن هذا المسلك له نتائج عميقة تتجاوز الفرد نحو تفكيك مرجعية الشريعة إذ الأحكام نسبية تابعة للإرادات وتنافس المساجد على الشرعية مما ترتب إسقاط هيبة الفتوى وانحرافها عن المعاير المعتبرة شرعا إلى توظيف النصوص لتمرير الأهواء و تسييل الحلال والحرام عبر توسيع الرخص أو التطرف في التضييق . مما ادى إلى ازدواجية دينية من نصوص ثابتة وفتاوى متحركة حسب المصالح.
سادسا: الضوابط المهنية للمفتي:
يتوجب وخصوصا في أوروبا بناء نموذج إفتائي منضبط بمحددات النص وضوابط البيئة.
وتحرير السؤال لتفكيك بنيته وكشف التوجيه المسبق فيه وصفات المفتي والمستفتي..
كما يتطلب الاستدلال الشامل وذلك بجمع الأدلة والنظر الكلي لمقاصد التشريع والعلل العقلية المتولدة عن النص وفهم المقاصد بحدودها لا بإطلاقها.
إدارة الامتناع: فمن قال لا أعلم فقد أفتى إلا أن يكون عنده علم يفتي به ولا يجوز لأي خطيب أن ينقل أقوال الفقهاء فيما اختلف فيه إلا أن يكون لديه اصولا في النظر وقدرة على الاستنباط وقد قال أبو بكر رضي الله عنه وهو من العلماء المجتهدين(أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم) .
سابعا: مسؤولية المستفتي:
السائل شريك في ضبط المسار الشرعي فمن قصد بفتواه تبرير فعله فقد نقل الفتوى من عبادة تنجيه إلى حيلة ترديه. والواجب عليه أن يطلب الحكم لا المخرج وأن يقدم الواقع كما هو لا كما يريد أن يكون.
إن الفتوى بما أريد تمثل خللا في الحوكمة الشرعية للمعرفة الدينية. وأن المعالجة لا تكون بالوعظ المجرد وإنما بإعادة ضبط المنهج واستقلالية المفتي و شفافية السؤال و صرامة الاستدلال و وإعادة تعريف الفتوى بأصولها وليس على إطلاقها.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news