في تاريخ الشعوب، هناك لحظاتٌ يتوقف فيها الزمن، ليراقب كيف تصاغ الحرية من لحمٍ ودم. وفي ذكرى تحرير عدن، لا نفتح دفاتر الذكريات لنقرأ أسماءً فحسب، بل لنستحضر أرواحاً جسدت معنى الفداء. ومن بين تلك الوجوه التي تشرّبت عزة البحر وصلابة الجبل، يبرز اسم الثائر المقاتل: *علي محمد مسعود "مسف".
*النداء الأول*: حين تلبس الأرض كفنها
لم يكن "مسف" من المنتظرين على قارعة الحياد؛ بل كان من الطليعة التي استنشقت عبير المقاومة قبل أن ينجلي غبار المعركة. انبرى من أوائل الأحرار ليذود عن طهر عدن من "رجس الرافضة"، حاملاً في قلبه إيماناً لا يتزعزع، وفي كفه سلاحاً لم يخن يوماً تراب الوطن.
جحيم "جولدمور": حيث الصمود لا يعرف التراجع
في معركة تحرير التواهي، كانت جغرافيا المكان تضيق، ونيران العدو تشتعل من كل حدب وصوب. هناك، فوق إحدى العمائر المطلة على "جولدمور"، وجد "مسف" نفسه مع رفاق دربه في عين العاصفة.
*الحصار*: كان الموت يطوقهم من الخارج، واليقين يملأ قلوبهم من الداخل.
*الثبات*: بين أزيز الرصاص ودخان القذائف، لم يتراجع "مسف" خطوة واحدة، بل كان سداً منيعاً يحمي بظهره حلم المدينة المحاصرة.
*النزيف المقدس*: وسام السبابة
وفي ذروة الاشتباك، حين اختلطت صرخات التكبير بوقع الرصاص، اخترقت ثلاث طلقات جسده الطاهر. لم تكن مجرد إصابات عابرة، بل كانت "توقيعاً بالدم" على وثيقة التحرير. إحدى تلك الطلقات بترت إصبعه السبابة؛ تلك الإصبع التي كانت تشير دوماً إلى "وحدانية الخالق"، أصبحت اليوم تشير إلى "أبدية النصر".
لقد وهب "مسف" جزءاً من جسده لتبقى عدن كاملة السيادة. بترت السبابة، لكنها ظلت قائمة في سماء "جولدمور"، منارةً تهتدي بها الأجيال، وعنواناً لبطولة رجل لم يساوم ولم يلين.
*الخاتمة*: جراحٌ أصدق من الكلام
إن جراح البطل علي محمد مسعود هي أصدق ملاحم التحرير. هي قصة "سبابة" لم تسقط، بل صعدت إلى مراتب المجد لتخبر العالم أن عدن حُررت بسواعد رجالٍ لم يعرفوا المستحيل.
في ذكرى التحرير، نرفع القبعات إجلالاً لـ "مسف" ولأمثاله من الجنود المجهولين في الأرض، المعلومين في السماء. أنتم فخرنا، وأنتم العنوان الذي لا يُمحى من ذاكرة الوطن.
بقلم :علي سالم ملهم المحثوثي
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news