في زيارة لافتة وغير معلنة، وصل مستشار قائد قوات تحالف دعم الشرعية اللواء فلاح الشهراني، الثلاثاء 10 مارس/ آذار الجاري، إلى مدينة المخا الساحلية غربي اليمن، قبل أن يغادرها بعد ساعات قليلة، عقب لقاءات عسكرية ضمت قادة في “المقاومة الوطنية”، على رأسهم عضو مجلس القيادة الرئاسي العميد طارق صالح.
وتعد هذه الزيارة الأولى للقائد العسكري السعودي البارز خارج العاصمة المؤقتة عدن، منذ وصوله إليها منتصف يناير الماضي، باستثناء زيارة قصيرة إلى محافظة أبين المجاورة.
وأثارت الزيارة، التي جرت بعيدًا عن الأضواء الإعلامية، تساؤلات في الأوساط السياسية والعسكرية، خصوصًا أنها تأتي تزامنًا مع التحركات الحكومية الحثيثة لإعادة ترتيب المشهد العسكري والأمني في المناطق المحررة، ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية التي أُنشئت خلال الحرب تحت قيادة وزارتي الدفاع والداخلية.
وتكمن أهمية الزيارة في مكانها أيضًا؛ فمدينة المخا تعد المعقل الرئيس للقوات التابعة لطارق صالح، ومنها قوات “المقاومة الوطنية” وتشكيلات “حراس الجمهورية” وغيرها، وجميعها مدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو ما يضفي على اللقاءات التي عقدت هناك دلالات كبيرة.
إعادة ترتيب مسرح العمليات
أوضحت مصادر عسكرية لـ“بران برس” أن وصول المستشار الشهراني، إلى مدينة المخا الساحلية، يأتي في إطار ترتيبات إعادة تنظيم انتشار التشكيلات العسكرية في مسرح العمليات جنوب غربي محافظتي تعز والحديدة، اللتين تشكلان امتدادًا استراتيجيًا للساحل الغربي لليمن.
وبحسب المصادر، فإن هذه التحركات ترتبط بالخطط التي جرى بحثها في العاصمة المؤقتة عدن، والتي تهدف إلى هيكلة التشكيلات العسكرية والأمنية ودمجها تحت وزارتي الدفاع والداخلية.
وخلال الشهرين الماضيين، شهدت عدن اجتماعات مكثفة لمسؤولين حكوميين وقادة عسكريين، إلى جانب ممثلي التحالف العربي، لمناقشة آليات توحيد القيادة العسكرية وتعزيز جاهزيتها، في سياق إعادة بناء مؤسسة الجيش اليمني بعد سنوات من الانقسام والتشظي.
وتشمل هذه الترتيبات دمج التشكيلات العسكرية والأمنية التابعة للمجلس الانتقالي “المنحل” المدعومة من الإمارات، وكذلك التشكيلات التابعة لطارق صالح المتمركزة في الساحل الغربي، والمدعومة أيضًا من الإمارات.
لقاءات عسكرية وتسلم مواقع
وفقًا لمصادر عسكرية متعددة، فقد التقى اللواء الشهراني فور وصوله إلى المخا عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح وعددًا من القيادات العسكرية في قوات المقاومة الوطنية.
وتشير المعلومات إلى أن اللقاء عقد في معسكر “جبل النار”، وهو موقع عسكري استراتيجي في المخا صُمم ليكون مركز قيادة وسيطرة وغرفة عمليات رئيسية للقوات المتمركزة في الساحل الغربي، وكان يضم في السابق ضباطًا إماراتيين يشرفون على العمليات العسكرية في ذلك القطاع.
وأفادت المصادر بأن زيارة الشهراني تضمنت الاطلاع على عدد من المواقع ومراكز القيادة التي كانت تشرف عليها القوات الإماراتية قبل أن تغادر الساحل الغربي مطلع يناير/كانون الثاني الماضي.
وأضافت أن هذه الزيارة قد تكون ضمن ترتيبات لنقل الإشراف على تلك المواقع إلى قوات “درع الوطن” التي تتبع الرئاسة اليمنية، والمدعومة من التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، والتي سبق وأن انتشرت في عدد من المحافظات الجنوبية من المهرة شرقًا إلى عدن جنوبًا.
صمت إعلامي يثير التساؤلات
من أبرز الجوانب اللافتة للانتباه في الزيارة هو التعتيم الإعلامي الذي أحاط بها. فعلى غير المعتاد، لم تنشر وسائل الإعلام التابعة لطارق صالح أي خبر يتعلق بوصول اللواء الشهراني أو باللقاءات التي عقدها مع قيادات المقاومة الوطنية، بخلاف نشاطها الدائم في تغطية تحركات قائد المقاومة الوطنية ولقاءاته العسكرية والسياسية.
كما أن طارق صالح نفسه لم ينشر أي تدوينة أو تعليق عبر حساباته الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي بشأن عودته إلى المخا أو اللقاءات العسكرية التي عقدها هناك، وهو أمر غير معتاد في ظل نشره الدائم حول تحركاته وأنشطته، خصوصًا الميدانية منها.
هذا الغياب الكلي للتغطية الإعلامية فتح باب التكهنات في الأوساط اليمنية حول أسباب التعتيم وطبيعة المباحثات التي جرت في المخا، وما إذا كانت مرتبطة بترتيبات عسكرية جديدة في الساحل الغربي أو بخطوات تمهيدية لإعادة رسم خارطة النفوذ العسكري في تلك المنطقة.
بين إعادة الهيكلة وتغيير المسميات
في هذا السياق، يرى الخبير الاستراتيجي في الشؤون العسكرية الدكتور علي الذهب أن زيارة اللواء الشهراني تأتي ضمن التحركات الهادفة إلى “إعادة تشكيل الجيش اليمني” وإعادة ترتيب بنيته المؤسسية.
وأبدى الذهب في حديثه لـ“برّان برس” تحفظًا حول مدى إمكانية أن تحقق هذه التحركات نتائج “إيجابية في عملية الدمج” في المدى القريب، موضحًا أن التجارب السابقة تظهر أن كثيرًا من الخطوات التي أعلن عنها في إطار دمج التشكيلات العسكرية لم تتجاوز في معظم الأحيان حدود تغيير المسميات أو إعادة توزيع القيادات.
وأضاف: “حتى الآن ما تزال تشكيلات المجلس الانتقالي كما هي إلى حد كبير، وكل ما حدث مجرد تغيير مسميات أو نقل القيادات من أشخاص إلى آخرين”، دون أن يصاحب ذلك تحول حقيقي في بنية المؤسسة العسكرية، مؤكدًا أنه “حتى اللحظة الراهنة ليست هناك خطوات يمكن التفاؤل بشأنها”.
الحاجة لإجراءات عملية
يرى الذهب أن نجاح أي عملية دمج حقيقية يتطلب سلسلة من الإجراءات العملية الواضحة، تبدأ بحصر القوات والتشكيلات القائمة، مرورًا بعملية ترقيم وتسجيل الأفراد، وانتهاءً بإدماجهم إداريًا وماليًا ضمن هياكل وزارتي الدفاع والداخلية.
وقال متسائلاً: “هل جرت عملية حصر شاملة للقوات ثم عملية ترقيم وإدماج مالي وإداري في وزارة الدفاع؟، حتى الآن لا يوجد شيء من هذا القبيل.
ووفق تقديره فإن زيارة الشهراني قد تأتي في إطار الخطط الأولية لإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية، مضيفًا أن “الصورة العامة حتى الآن لا تظهر وجود خطوة تأسيسية واضحة يمكن البناء عليها في مشروع إعادة هيكلة الجيش”.
تفاؤل حذر
ورغم هذه التحفظات، لا يستبعد الذهب وجود ترتيبات يعمل عليها التحالف بعيدًا عن الأضواء، وقد تتعلق بإعادة تنظيم البنية المالية والإدارية للقوات المختلفة، تمهيدًا لتوحيدها لاحقًا.
وفي هذه الجزئية، قال إنه لا يريد تفاؤلاً مطلقاً، ولكن تفاؤلاً حذراً، ويرى أن أحد السيناريوهات المحتملة قد يكون أن الأمور تتجه نحو الدمج المؤسسي الكامل، أو قد تقتصر فقط في توحيد المالية لمختلف القوات تحت مظلة التحالف.
كما يشير إلى احتمال وجود توجه لإعادة هيكلة وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة، بدءًا من المستويات الأدنى وصولًا إلى القيادات العليا، قبل الشروع في دمج كافة التشكيلات العسكرية داخل المؤسسة العسكرية الرسمية تحت قيادة وزارتي الدفاع والداخلية.
وإجمالًا، تعكس زيارة اللواء الشهراني إلى المخا جانبًا من التحركات المتواصلة لإعادة ترتيب المشهد العسكري في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وبينما يأمل البعض أن تمهد هذه التحركات لتوحيد المؤسسة العسكرية اليمنية، يرى آخرون أن الطريق ما يزال طويلًا ومعقدًا، وأن أي عملية إعادة هيكلة حقيقية ستتطلب إرادة سياسية واضحة، وإجراءات مؤسسية عميقة تتجاوز إعادة توزيع النفوذ أو تغيير المسميات.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news