في ظل التناقض اللافت بين شحة السيولة النقدية بالريال اليمني وتوفر العملات الأجنبية في الأسواق، قدم أكاديمي يمني قراءة تحليلية لأسباب هذه الأزمة التي تعطل الحركة التجارية وتفاقم معاناة المواطنين في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً.
وقال الأكاديمي والاقتصادي الدكتور عارف محمد عباد السقاف، أستاذ اقتصاد الأعمال المشارك بجامعة عدن، إن الأسواق اليمنية تشهد ظاهرة اقتصادية لافتة تتمثل في شح حاد في السيولة النقدية بالعملة المحلية مقابل توفر ملحوظ للعملات الأجنبية، الأمر الذي تسبب في إرباك المعاملات التجارية اليومية، في وقت يعاني فيه البنك المركزي من صعوبات في توفير السيولة الكافية لصرف رواتب الموظفين والوفاء بالالتزامات المالية.
وأوضح السقاف أن الكتلة النقدية من الناحية الاقتصادية لا تختفي، بل تنتقل من التداول النشط في السوق إلى حالة ما يُعرف بالاكتناز أو الاحتجاز، حيث يلجأ الأفراد والتجار إلى الاحتفاظ بالمدخرات النقدية خارج الجهاز المصرفي.
وأرجع ذلك إلى حالة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي التي تدفع الكثيرين إلى الاحتفاظ بأموالهم داخل المنازل أو خارج النظام المصرفي، خشية التقلبات أو الإجراءات المالية المفاجئة.
وأشار إلى أن جزءاً كبيراً من هذه السيولة يتم تجميعه داخل شبكات الصرافة غير الرسمية، في ظل تنامي نشاط الحوالات الداخلية والخارجية، ما يجعل هذه الشبكات أشبه بخزائن نقدية موازية للنظام المصرفي الرسمي.
وأضاف أن الانقسام النقدي وتعدد السياسات المالية في البلاد أسهما بشكل كبير في تقويض الثقة بالبنوك، وهو ما أدى إلى بقاء جزء كبير من الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي.
وبيّن السقاف أن توجه البنك المركزي في العاصمة المؤقتة عدن لدعم سعر صرف الريال اليمني قد يكون أحد الأسباب غير المباشرة لنقص السيولة، موضحاً أن مثل هذه السياسات تتطلب في العادة سحب جزء من المعروض النقدي من التداول للحد من الطلب على العملات الأجنبية وكبح التضخم، وهو ما يؤدي عملياً إلى تشدد في ضخ السيولة المحلية وظهور حالة من الشح في الأسواق.
ولفت الأكاديمي إلى وجود مشكلة تقنية أخرى تزيد من تعقيد الأزمة، تتعلق بطريقة توزيع الفئات النقدية.
وقال إن البنك المركزي ضخ كميات كبيرة من فئة المئة ريال لتلبية احتياجات السوق، إلا أن بعض شركات الصرافة تقوم بصرف الحوالات والرواتب بهذه الفئات الصغيرة فقط، مثل فئتي 100 و200 ريال، الأمر الذي يخلق إرباكاً عملياً في التعاملات اليومية، إذ يرفض كثير من التجار التعامل بكميات كبيرة من هذه الفئات نظراً لصعوبة عدها ونقلها وتخزينها.
وأكد السقاف أن هذه الممارسات تعطل الحركة التجارية وتثير استياء المواطنين، خصوصاً عند استلام الحوالات أو الرواتب بفئات نقدية صغيرة يصعب استخدامها في المعاملات الكبيرة.
وفي سياق الحلول المقترحة، شدد السقاف على ضرورة قيام البنك المركزي بضخ سيولة نقدية بشكل متوازن مع مراقبة دقيقة لحركة النقد داخل شبكات الصرافة، إضافة إلى إلزام شركات الصرافة بتنويع الفئات النقدية عند صرف الحوالات والرواتب بدلاً من الاقتصار على الفئات الصغيرة.
كما دعا إلى تحفيز المواطنين والتجار على إعادة إيداع أموالهم في البنوك عبر تقديم تسهيلات مصرفية وضمانات حكومية تعزز الثقة بالقطاع المصرفي، إلى جانب تشديد الرقابة على شركات الصرافة للحد من عمليات المضاربة واحتجاز السيولة.
وأشار أيضاً إلى أهمية التوسع في استخدام التحويلات الرقمية والمحافظ الإلكترونية كخيار بديل يخفف الضغط على النقد الورقي ويسهم في رفع كفاءة النظام المالي.
وخلص السقاف إلى أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً ليست مجرد نقص في كمية النقد المتداول، بل هي نتيجة تراكم اختلالات هيكلية في إدارة الكتلة النقدية وانهيار الثقة بالمؤسسات المالية، مؤكداً أن معالجة هذه المشكلة تتطلب سياسات نقدية أكثر توازناً وتنظيماً صارماً لسوق الصرافة، إلى جانب إعادة بناء الثقة بين المواطنين والنظام المصرفي بما يعيد للنقد دوره الطبيعي في تحريك النشاط الاقتصادي.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news