عدن توداي
على امتداد سنوات طويلة اختارت إسرائيل أن تجعل من القوة العسكرية لغتها الأولى في التعامل مع أزمات المنطقة .. فمن غزة إلى لبنان ومن توترات بعيدة في اليمن إلى صدامات مباشرة وغير مباشرة مع إيران بدت المنطقة وكأنها مسرح دائم لجولات متكررة من التصعيد العسكري .
مقالات ذات صلة
إنتصار جديد للشعب اليمني
لا تبالغوا في صبر الشعب قد ينتفض ويرمي بكم إلى الجحيم .
ورغم التفوق العسكري والتقني الذي تمتلكه إسرائيل فإن حصيلة هذه المواجهات تكشف مفارقة لافتة فالقوة التي كان يُراد لها أن تحقق الردع والاستقرار تحولت مع مرور الوقت إلى عبء يثقل كاهل الكيان الصهيوني نفسه .
لقد تركت الحروب المتعاقبة أثراً واضحاً في صورة إسرائيل على الساحة الدولية .. فالمشاهد الإنسانية القاسية التي ترافق كل جولة من جولات القتال وما تخلفه من دمار واسع وخسائر بشرية جعلت النقاش العالمي يتغير تدريجياً
لم يعد الحديث مقتصراً على الأمن الإسرائيلي وحق الدفاع عن النفس بل أصبح يتجه أكثر فأكثر إلى أسئلة تتعلق بالمسؤولية القانونية والأخلاقية للحروب وهو تحول ترك بصمته على الرأي العام العالمي وعلى طبيعة النقاش في المحافل الدولية .
ولم تكن الكلفة سياسية ومعنوية فقط بل اقتصادية أيضاً فالحروب المتكررة تفرض تعبئة عسكرية واسعة وتستنزف الميزانيات وتربك حركة الاقتصاد .. وحين تغلق السماء أمام الطيران أو تتعطل بعض القطاعات الحيوية فإن السياحة والاستثمار الأجنبي – وهما من ركائز الاقتصاد – يتأثران بشكل مباشر وهكذا تتحول حالة التوتر المستمر إلى عامل ضغط إضافي على الاقتصاد .
إلى جانب ذلك يبرز عامل الاستنزاف الاستراتيجي فحين تجد دولة نفسها في مواجهة مفتوحة على أكثر من جبهة فإنها تبقى في حالة تأهب دائم ومع مرور الزمن يتحول هذا الوضع إلى دائرة مغلقة من التصعيد والتهدئة المؤقتة دون أن تلوح في الأفق تسوية سياسية قادرة على إنهاء الصراع من جذوره .
أما في الداخل الإسرائيلي فإن الحروب الطويلة لا تمر من دون نقاش أو جدل فكل جولة قتال تفتح باب الأسئلة حول جدوى هذه السياسات وكلفتها البشرية والاقتصادية ومع تكرار الأزمات تتسع دائرة التساؤل داخل المجتمع : هل يمكن للقوة العسكرية وحدها أن تحقق الأمن والاستقرار على المدى الطويل ؟!
وعلى المستوى الإقليمي فإن اتساع رقعة المواجهات يزيد من تعقيد المشهد فكلما امتدت التوترات إلى ساحات جديدة ازدادت البيئة الإقليمية اضطراباً وارتفعت احتمالات التصعيد غير المتوقع وهو ما يضع إسرائيل أمام تحديات استراتيجية أكبر وأشد تعقيداً .
إن الدرس الذي تكشفه هذه التجربة يبدو واضحاً :
فالقوة العسكرية قد تمنح مكاسب سريعة في لحظة المواجهة .. لكنها قد تتحول مع الزمن إلى مأزق استراتيجي إذا لم ترافقها رؤية سياسية قادرة على معالجة جذور الصراع وعند تلك النقطة لا تعود القوة أداة للحسم بل تصبح جزءاً من المشكلة نفسها .
ولهذا فإن تاريخ الصراعات في المنطقة يذكرنا بحقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد : السلام والاستقرار لا يُصنعان بالقوة وحدها .
فالقوة قد تفرض واقعاً مؤقتاً لكنها لا تبني مستقبلاً دائماً .. أما الاستقرار الحقيقي فلا يولد إلا من حلول سياسية عادلة واحترام حقوق الشعوب والبحث الجاد عن طريق يخرج المنطقة من دوامة الصراع المتكرر .
–
فيصل خزيم العنزي
تحرير المقال
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news