حملات القمع الحوثية في رداع.. سياسة ممنهجة لكسر الإرادة وإسكات المعارضين

     
الإصلاح نت             عدد المشاهدات : 51 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
حملات القمع الحوثية في رداع.. سياسة ممنهجة لكسر الإرادة وإسكات المعارضين

 

لم تعد الحملات الحوثية في رداع وعموم محافظة البيضاء أحداثاً طارئة يمكن عزلها عن سياقها، بل تحولت إلى مشهد متكرر يرسم ملامح مرحلة كاملة من إدارة القوة في المنطقة، فمن الحفرة إلى الشريّة، مروراً بمناطق متفرقة داخل المدينة وأريافها، يتكرر السيناريو ذاته، تحرك عسكري واسع، انتشار مكثف، مداهمات، واعتقالات تُقدَّم تحت عناوين أمنية، بينما تتسع على الأرض دوائر الخوف والاحتقان.

وبما تمثله رداع من ثقل اجتماعي وقبلي وتاريخي، لم تكن يوماً مساحة سهلة الإخضاع، ولذلك تبدو الحملات المتلاحقة وكأنها محاولة مستمرة لإعادة رسم خطوط السيطرة، وضبط المجال العام بقوة السلاح لا بأدوات الإدارة المدنية، فمع كل حملة جديدة، يتراجع منسوب الثقة بين السكان وسلطة الأمر الواقع، وتتعزز قناعة بأن المقاربة الأمنية أصبحت الخيار الأول، حتى في نزاعات كان يمكن احتواؤها عبر الوساطات القبلية أو المعالجات القانونية.

وإذا كانت بعض هذه الحملات تُبرَّر بحوادث محددة أو خلافات محلية، فإن تكرارها واتساع نطاقها يمنحانها بعداً أعمق، يتصل بإعادة ترتيب النفوذ، ومنع تشكل أي مساحة مستقلة عن مركز القرار، وهكذا تغدو البيضاء مسرحاً لتحركات متتابعة لا تقف عند حدود حي أو قرية، بل تمتد لتؤسس لواقع أمني جديد، عنوانه القبضة المشددة، ونتيجته مجتمع يعيش على إيقاع الترقب الدائم.

وساطة دامية

وفي تطورٍ ينسجم مع نمط الحملات السابقة، شهدت قرية المنقطع بمديرية الشريّة في محافظة البيضاء في 19 فبراير 2026 تصعيداً أمنياً لافتاً، عقب حملة عسكرية نفذتها مليشيا الحوثي وأسفرت عن اعتقال ما لا يقل عن ثلاثين مدنياً، وفقاً لمصادر قبلية محلية، وتأتي هذه الحملة ضمن تحرك عسكري بدأ قبل نحو أسبوعين، انطلق من رداع، ولا يزال يفرض طوقاً مشدداً على القرية حتى اليوم.

وأفادت المصادر القبلية بأن الحملة تجاوزت إطار الملاحقة الأمنية، لتشمل اعتداءات مباشرة على ممتلكات السكان، من بينها نهب وإتلاف منظومات الطاقة الشمسية المغذية لآبار مياه الشرب وريّ المزارع، رغم إبداء الأهالي تعاوناً واضحاً مع مطالب المليشيا. وتشير المعطيات إلى أن جذور الأزمة تعود إلى خلاف قبلي محدود نشب قبل نحو عشرين يوماً بين أسرتين من “آل قاسم” على قطعة أرض، وتطور لاحقاً إلى تبادل إطلاق نار.

وخلال مساعٍ للوساطة قادها أبناء قبيلة “آل بصير” المجاورة، قُتل محمد عبد ربه سالم البصيري، المنتمي للمليشيا والمُعيّن مشرفاً للإرشاد في المديرية، بطلق ناري وُصف بأنه وقع عن طريق الخطأ أثناء اشتباكات ليلية، غير أن الحادثة استُخدمت لاحقاً كمبرر لتدخل عسكري واسع، شمل إرسال تعزيزات وفرض مطالب جماعية بتسليم المتهمين. ورغم قيام الأهالي بتسليم ثلاثين شخصاً من طرفي النزاع لاحتواء الموقف، استمرت الحملة في مداهمات المنازل، والاستعانة بعناصر نسائية تُعرف بـ“الزينبيات” لتنفيذ الاقتحامات.

وفي ظل تداول مقاطع مصورة تُظهر حجم الأضرار، اتهم سكان المنطقة المليشيا الحوثية بتأجيج الخلافات القبلية وزعزعة السلم الاجتماعي، مطالبين بتدخل عاجل لوقف الانتهاكات وحماية المدنيين وممتلكاتهم، في مشهد يعكس مجدداً اتساع الفجوة بين المجتمع المحلي وسلطة الحوثيين.

سياسة الإخضاع

وبشكل متعمد فقد امتدت سلسلة الحملات الحوثية على مناطق واسعة من المحافظة سعيا لإسكات الأصوات المعارضة، حيث شملت تلك الحملات منطقة الحفرة في رداع محافظة البيضاء.

ولم تكن الحملة الحوثية على منطقة الحفرة مجرد عملية أمنية عابرة كما تحاول المليشيا تصويرها، بل جاءت كحلقة جديدة ضمن سلسلة من الحملات العسكرية التي تستهدف إخضاع المناطق اليمنية بالقوة، وإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي والسياسي وفق منطق السلاح والهيمنة، فقد تحولت الحفرة خلال أيام قليلة إلى ساحة توتر واشتباك، عكست حجم الاحتقان المتصاعد بين السكان المحليين وسلطة المليشيا الحوثية، وسط اتهامات متزايدة للمليشيا باستخدام ذرائع “ملاحقة مطلوبين” لتبرير عمليات اقتحام واسعة، تنتهي عادة بترويع المدنيين وتدمير الممتلكات وإثارة حالة من الخوف الجماعي.

وبينما تتحدث مصادر محلية عن سقوط ضحايا، واعتقالات، ونزوح بعض الأسر من محيط المواجهات، يبرز السؤال الأهم: ما الذي يدفع الحوثيين إلى تكرار هذا السيناريو في رداع وغيرها، وهل يتعلق الأمر فعلاً بملفات أمنية، أم أنه امتداد لسياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة المجتمع المحلي وإسكات أي صوت رافض؟

ففي ظل غياب مؤسسات الدولة وتراجع الدور الرقابي، تظل هذه الحملات مؤشراً خطيراً على تصاعد العنف الداخلي، وتهديد السلم الاجتماعي، وتحويل المدن اليمنية إلى ساحات مفتوحة للبطش والاستعراض العسكري.

الرصاص بدل القصاص

وقد بدأت حكاية الحملة الأخيرة بحزن صامت حين سقط الحاج حسن الحليمي بدم بارد أمام عتبة منزله، برصاصة قناص لم يكن يرى فيه سوى هدفٍ عابر، لتبدأ منذ تلك اللحظة رحلة شاقة من المطالبة بالقصاص في مدينةٍ أُحكمت حلقاتها بقبضة "المشرفين".

ولم يكن الشاب عبد الله حسن الحليمي مجرد ابنٍ مفجوع، بل صار "صوت الحفرة" الذي يرفض المساومة طوال عامين، فقد جاب عبد الله ممرات المحاكم الصورية ومكاتب القيادات الحوثية، حاملاً ملف والده المظلوم، رافضاً كل عروض "التحكيم القبلي" التي تهدف لدفن الجريمة تحت تراب النسيان، حيث كانت مطالبته بتسليم القتلة ومحاسبتهم بمثابة "تمرد" في عرف المليشيا التي لا ترى في دماء اليمنيين سوى أرقامٍ قابلة للتسوية.

ومع حلول فبراير 2026، قررت المليشيا إغلاق هذا الملف بطريقتها المعهودة، فلم تُرسل الميليشيا لجنة تحقيق، بل سيرت حملة عسكرية مدججة بالآليات لمحاصرة حي الحفرة، وكأنها تخوض معركة مع جيش نظامي، بينما كان هدفها الوحيد هو إخفات ذلك الصوت المطالب بالحق، في مشهدٍ تراجيدي يعيد صياغة القهر اليمني، حيث سقط عبد الله الحليمي صريعاً برصاص الحملة ذاتها التي قتلت والده من قبل، ليمتزج دم الابن بدم الأب في تربة الحي المنكوب.

ولم تكن تصفية عبد الله الحليمي مجرد واقعة جنائية، بل مثلت إعداما رمزيا لكل من يجرؤ على التمسك بحقه القانوني في وجه آلة القمع؛ فقد أثبتت واقعة "الحفرة 2026" أن المظلمة في رداع وغيرها من المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ليست عابرة، بل هي جرحٌ يتوارثه الأبناء عن الآباء، في مواجهة سلطة لا تتقن سوى لغة البارود لفرض صمت القبور.

الأمن كغطاء للجريمة

تأتي الحملة الحوثية على منطقة الحفرة في رداع ضمن سياق متكرر اعتادت المليشيا على تنفيذه في مناطق مختلفة من البيضاء، حيث تُقدَّم العمليات العسكرية عادة تحت عناوين فضفاضة مثل “ملاحقة مطلوبين” أو “ضبط الأمن”، بينما تشير الوقائع في الميدان إلى أن الهدف يتجاوز ذلك بكثير، فالحوثيون لا ينظرون إلى المدن والمناطق الخاضعة لهم باعتبارها مجتمعات ينبغي إدارتها بالمسؤولية والاحتواء، بل باعتبارها ساحات يجب إخضاعها بالقوة كلما ظهرت مؤشرات رفض أو تململ شعبي.

وتكشف خلفيات هذه الحملة أن رداع، بما تحمله من ثقل اجتماعي وقبلي وتاريخي، تمثل نقطة حساسة في حسابات المليشيا الحوثية، إذ لطالما كانت البيضاء عموماً منطقة مقاومة للهيمنة، يصعب تطويعها بالكامل، وهو ما يجعل أي توتر محلي ذريعة جاهزة لشن حملة عسكرية واسعة تُستخدم فيها الأسلحة الثقيلة وتُفرض عبرها القبضة الأمنية.

وويرى مراقبون أن الحملة على الحفرة تحمل رسالة واضحة لبقية المناطق أن المليشيا الحوثية لن تتسامح مع أي مساحة خارجة عن السيطرة، حتى وإن كانت المسألة محدودة أو قابلة للحل عبر الوساطات الاجتماعية.

كما أن توقيت الحملة قد يعكس محاولة لصرف الأنظار عن أزمات داخلية أخرى، أو لإعادة ترتيب النفوذ داخل المدينة، أو لتصفية خصومات محلية عبر القوة العسكرية، إضافة إلى أن ما يجري في الحفرة لا يمكن قراءته كحادثة منفصلة، بل كجزء من سياسة ممنهجة هدفها تثبيت الحكم بالقوة، وإضعاف المجتمع المحلي، وتوسيع دائرة الخوف بما يضمن استمرار السيطرة.

تحذير حقوقي عاجل

وفي سياق التصعيد المتواصل الذي تشهده مدينة رداع، أصدرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بياناً، مساء 15 فبراير 2026، حذّرت فيه من خطورة التطورات الميدانية في منطقة الحفرة بالقيفة، معتبرة أن ما يجري يمثل تصعيداً عسكرياً ذا تبعات إنسانية جسيمة. وأشارت إلى أن العمليات التي بدأت مساء السبت 14 فبراير اتسمت بفرض حصار مشدد على الأحياء السكنية، واستخدام أسلحة ثقيلة ومتوسطة داخل نطاق مأهول بالسكان، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، فضلاً عن موجة نزوح داخلية هرباً من الاشتباكات.

وبحسب البيان، فإن استمرار المواجهات ترافق مع إغلاق طرق رئيسية، وصعوبات بالغة واجهتها الفرق الطبية والإغاثية في الوصول إلى المصابين، في ظل تدهور متسارع للأوضاع الإنسانية.

واعتبرت الشبكة أن قصف المناطق السكنية وتقييد حرية التنقل وحرمان السكان من الوصول الآمن إلى الخدمات الأساسية يمثل انتهاكات خطيرة لمبادئ القانون الإنساني الدولي، وتكشف عن استخدام مفرط للقوة داخل بيئة مدنية مكتظة.

ولفت البيان إلى أن هذه الأحداث جاءت عقب مقتل الشاب عبد الله حسن الحليمي في أحد أحياء المدينة، بعد أقل من تسعة أشهر على مقتل والده الشيخ حسن الحليمي، وهو ما رأت فيه مؤشراً على نمط عنف متكرر يغذي دوائر الثأر ويهدد السلم الاجتماعي في رداع. وطالبت الشبكة بوقف فوري لاستخدام الأسلحة الثقيلة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار، وتأمين ممرات إنسانية وطبية آمنة، إلى جانب إجراء تحقيق مستقل وشفاف في الانتهاكات المبلغ عنها ومحاسبة المسؤولين عنها، كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان إلى تحرك عاجل للضغط باتجاه حماية المدنيين ومنع مزيد من التصعيد.

انتهاكات متصاعدة

وقد كشف مركز رصد للحقوق والتنمية في تقريره السنوي السابع الذي صدر منتصف فبراير الجاري 2026، والمعنون بـ “البيضاء 2025.. جغرافيا القمع وحصاد التنكيل”، عن توثيق 868 انتهاكاً جسيماً في محافظة البيضاء خلال عام 2025، محمّلاً مليشيا الحوثي مسؤولية 98% منها.

ووفقاً للتقرير فقد شملت هذه الانتهاكات 690 حالة اعتقال، و40 حالة قتل، و32 إصابة، إضافة إلى احتجاز 16 جثماناً، في مؤشر وصفه التقرير بأنه تصاعد غير مسبوق بنسبة 132% مقارنة بالعام السابق.

وأشار المركز إلى أن شهر يناير 2025 كان الأكثر دموية، مسجلاً 612 انتهاكاً تزامناً مع الحملة العسكرية التي استهدفت منطقة حنكة آل مسعود بمديرية القريشية، والتي اعتبرها التقرير “منطقة منكوبة” حقوقياً، واصفاً ما جرى فيها بأنه نمط من العقاب الجماعي الممنهج بهدف إضعاف البنية الاجتماعية والقبلية، كما وثّق تفجير وتضرر 26 منشأة سكنية و13 مسجداً، فضلاً عن مقتل وإصابة 14 من النساء والأطفال نتيجة القصف والألغام، إلى جانب احتجاز جثامين واستخدامها كورقة ضغط على الأهالي.

وعلى المستوى التراكمي للفترة من 2014 حتى 2025، سجل التقرير 13,387 انتهاكاً، تضمنت آلاف حالات الاعتقال والتهجير، ومئات القتلى والجرحى، وانتهاكات واسعة طالت الممتلكات الخاصة والعامة.

وطالب المركز بضغط دولي عاجل للإفراج عن المعتقلين تعسفياً، وتسليم الجثامين المحتجزة، وتعزيز دور آليات التحقيق المعترف بها دولياً بما يضمن المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، في ظل استمرار دائرة العنف واتساع آثارها الإنسانية والاجتماعية.

مستقبل مهدد

وتظهر الحملات المتتالية التي شنتها مليشيا الحوثي في رداع وعموم محافظة البيضاء نمطاً واضحاً من القمع المنهجي، يرتكز على استخدام القوة المفرطة داخل الأحياء السكنية، واعتقالات جماعية، وترويع المدنيين، ونهب الممتلكات، وتفجير المنازل، مما خلف آلاف القتلى والجرحى، وأحدث موجات نزوح واسعة. هذه الانتهاكات لم تقتصر على المدنيين البالغين فحسب، بل شملت النساء والأطفال وكبار السن، مسجلة أضراراً جسيمة للبنية الاجتماعية والقبلية، ومهددة بشكل مباشر السلم المجتمعي والاستقرار المحلي.

وفي ظل غياب مؤسسات الدولة الفاعلة، وتراجع الدور الرقابي، تظهر الحاجة الماسة إلى تحرك دولي عاجل لإيقاف الانتهاكات، وضمان حماية المدنيين، وإطلاق المعتقلين تعسفياً، وتسليم الجثامين المحتجزة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم. فالاستمرار في الصمت أو التراخي سيكرس منطق الإفلات من العقاب، ويغذي دوامة العنف، محولاً المدن اليمنية إلى ساحات مفتوحة للتنكيل والخوف، مما يستدعي تحركاً عاجلاً لحماية حقوق الإنسان والحفاظ على نسيج المجتمع المحلي.

حملات القمع الحوثية في رداع.. سياسة ممنهجة لكسر الإرادة وإسكات المعارضين

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

الإمارات تصدر قرارا هاما بشأن اليمنيين في اراضيها

بوابتي | 813 قراءة 

البنتاجون ينشر فيديو لحظة تدمير حاملة طائرات مسيرة إيرانية

حشد نت | 793 قراءة 

غارات تستهدف أخطر وأقوى رجال النظام الإيراني

بوابتي | 782 قراءة 

مصادر تكشف حقيقة ما تم تداوله حول عودة (عيدروس الزبيدي) إلى عدن

موقع الأول | 619 قراءة 

عاجل : توجيهات بالقبض على رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في شبوة

عدن الغد | 598 قراءة 

أمريكا تكشف سبب صادم للحرب والجزيرة تفضح عبد الملك الحوثي

المشهد اليمني | 569 قراءة 

دفاعات دول الخليج العربي تتصدى لمئات الصواريخ والطائرات الإيرانية خلال 24 ساعة

حشد نت | 485 قراءة 

حسم الجدل والكشف عن حقيقة عودة عيدروس الزبيدي وقواته للى عدن بموافقة السعودية

كريتر سكاي | 484 قراءة 

الأهالي ينجحون في قتل حيوان مفترس بالخوخة (صورة)

كريتر سكاي | 465 قراءة 

أوامر ضبط قهرية بحق رئيس الانتقالي المنحل بشبوة

بران برس | 368 قراءة