في وقت يحتفي فيه العالم بـ«اليوم العالمي للإذاعة»، تبدو الساحة اليمنية نموذجًا صارخًا لصراع غير مرئي يدور على موجات الأثير. فبينما تتراجع الإذاعات التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا من حيث الحضور والتأثير، توسّع مليشيا الحوثي شبكتها الإذاعية، مستفيدة من الفراغ الإعلامي لتعزيز نفوذها داخل المجتمع.
الإذاعة في اليمن… وسيلة تقليدية بقوة استراتيجية
رغم التطور الرقمي، ما تزال الإذاعة في اليمن الوسيلة الأكثر انتشارًا، خاصة في المناطق الريفية والنائية التي تعاني ضعف خدمات الإنترنت وانقطاع الكهرباء. فالراديو لا يحتاج إلى تقنيات معقدة أو كلفة تشغيل مرتفعة، ما يجعله مصدرًا يوميًا للأخبار والمعلومات في المنازل ووسائل النقل والأسواق.
هذا الواقع منح البث الإذاعي بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الإعلام، ليصبح أداة مباشرة للتأثير السياسي وتوجيه الرأي العام في بلد يعيش صراعًا ممتدًا وانقسامًا عميقًا.
حضور حكومي خافت وبنية تحتية متهالكة
في مناطق سيطرة الحكومة، يواجه قطاع الإذاعة تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، محدودية عدد المحطات، وقدم أجهزة الإرسال. بعض الإذاعات الرسمية تبث من خارج البلاد، فيما تقتصر تغطية أخرى على نطاق جغرافي ضيق داخل المدن المحررة، مع انقطاعات متكررة بسبب الأعطال المتكررة او نقص الوقود.
هذه المعوقات انعكست على جودة المحتوى واستمرارية البث، وأضعفت القدرة التنافسية أمام خطاب إعلامي منظم ومستمر.
شبكة إذاعية حوثية متعددة الترددات
في المقابل، عززت مليشيا الحوثي حضورها عبر تشغيل أكثر من 15 محطة إذاعية محلية وإقليمية، تبث بترددات مختلفة وقدرات إرسال عالية، ما يمنحها وصولًا واسعًا يتجاوز مناطق سيطرتها. وتعمل هذه المحطات ضمن منظومة إعلامية متكاملة، بخطاب موحد ورسائل متناسقة تخدم توجهًا سياسيًا وأيديولوجيًا محددًا.
كما أحكمت الجماعة قبضتها على مؤسسات البث الرسمية في صنعاء منذ سيطرتها عليها، وحوّلتها إلى منصات تعبئة، إضافة إلى إغلاق أو مصادرة عدد من الإذاعات الخاصة، ما أدى إلى تقليص التعددية الإعلامية وتعزيز السيطرة على المجال السمعي.
صراع النفوذ عبر الأثير
المفارقة أن الإذاعات الحوثية تصل إشاراتها إلى محافظات خاضعة للحكومة، في وقت تعجز فيه بعض الإذاعات الرسمية عن تغطية نطاقها المحلي بشكل مستقر. ويعكس هذا التفاوت فجوة في إدارة الموارد الإعلامية، وغياب رؤية استراتيجية تتعامل مع الإذاعة كأداة تأثير رئيسية في معركة الوعي.
الحاجة إلى استراتيجية إعلامية شاملة
في اليمن، لا يقتصر التنافس على الأرض، بل يمتد إلى العقول عبر موجات البث. ومن دون خطة واضحة لإعادة تأهيل الإذاعات الحكومية، تشمل تحديث البنية التقنية، وتوفير تمويل مستدام، وإنتاج محتوى مهني يعالج قضايا المواطنين، سيبقى المجال مفتوحًا أمام الطرف الأكثر تنظيمًا واستعدادًا.
فالتحكم في الأثير لم يعد مسألة إعلامية فحسب، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل المشهد السياسي والثقافي، وصياغة اتجاهات الرأي العام في بلد ما تزال الإذاعة فيه وسيلة التأثير الأوسع انتشارًا.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news