تمثل ثورة 11 فبراير 2011 إحدى أبرز المحطات السياسية في تاريخ اليمن الحديث، ليس بوصفها لحظة احتجاجية، بل باعتبارها تعبيرًا عن اختلالات عميقة في بنية الدولة ونظام الحكم، تراكمت على مدى عقود. وقد جاءت الثورة في ظل انسداد الأفق السياسي، الأمر الذي فرض على اليمنيين البحث عن مسار انتقال سياسي يوازن بين مطالب التغيير ومتطلبات الاستقرار.
منذ أسابيعها الأولى، أظهرت ثورة فبراير ميلًا واضحًا نحو التنظيم السياسي وتجنب الصدام الشامل، وهو ما مهّد لانتقالها من الفضاءات الاحتجاجية إلى المسارات التفاوضية. هذا التحول لم يكن تراجعًا عن أهدافها، بل استجابة واقعية لتعقيدات المشهد اليمني، وتعدد مراكز القوة، وحساسية التركيبة الاجتماعية والسياسية في اليمن.
في هذا الإطار، برزت المبادرة الخليجية كآلية إقليمية رعتها المملكة العربية السعودية، لتكون الإطار الناظم لعملية نقل السلطة، وتفادي انهيار الدولة. وقد شكّلت هذه المبادرة، بآليتها التنفيذية، محاولة لإعادة إنتاج الشرعية على أساس توافقي، ونقل البلاد من منطق الشارع إلى منطق المؤسسات.
غير أن هذا المسار لم يُكتب له النجاح، فمع تقدم العملية السياسية، بدأت قوى محلية وإقليمية تعمل على تعطيلها، وصولًا إلى الانقلاب المسلح الذي قادته مليشيا الحوثي، بدعم إيراني، وبالتحالف مع الدولة العميقة، وهو ما أدى إلى انهيار المرحلة الانتقالية، ودخول اليمن في صراع مفتوح لا تزال جراح اليمنيين غائرة من آثاره حتى اليوم.
مشروع وطني فاعل
مثّلت ثورة الحادي عشر من فبراير مشروعًا وطنيًا حمل أهدافًا واضحة لبناء دولة المؤسسات وترسيخ المواطنة المتساوية، وإعادة صياغة العلاقة بين الحاكم والشعب على أساس الشراكة والمساءلة، كما تجاوزت حدود الاحتجاج على واقع معين، لتصبح رؤية تغيير شاملة، في وقت كان المجتمع مثقلًا بأزمات مالية وإدارية واقتصادية، وتراجع الخدمات العامة، وانسداد الفرص أمام جيل الشباب الذي شعر بأن مستقبله يُصادر لصالح شبكات نفوذ ضيقة.
فالتحولات التي بدأت بها الثورة ساهمت في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وكسر حاجز الخوف الذي سيطر على المجتمع لعقود، ودفع نحو مسار سياسي جديد تمثل في المبادرة الخليجية، ومن ثم انعقاد مؤتمر الحوار الوطني، الذي كان محاولة لتأسيس عقد اجتماعي جديد يضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية.
وعلى الرغم من العراقيل والصعوبات، ظل أثر الثورة حاضرًا، لأنها إعلان واضح بأن اليمن لا يمكن أن ينهض إلا بإرادة شعبية واعية، وبمشروع تغيير تقوده الجماهير وتضحياتها. ولذا فقد أطلقت ثورة فبراير مسارًا نحو دولة مدنية، وفتحت المجال أمام المشاركة الشعبية والوعي السياسي، مما يجعلها منجزًا حيويًا متجددًا، رغم كل ما مرت به البلاد من أزمات ولا تزال حتى اليوم.
من الساحات إلى الحوار الوطني
وقد نجحت ثورة فبراير في تحقيق انتقال سياسي رعته المملكة العربية السعودية عبر المبادرة الخليجية وما تبعها من مؤتمر الحوار الوطني، الذي خرج بمخرجات توافق عليها غالبية الشعب اليمني، مما أتاح البناء عليها وتطويرها وتصحيح أي قصور في المسار. هذه المبادرة أسست لحكومة توافقية ورئيس انتقالي، مما عكس استيعابها لمطالب ومظالم مختلف شرائح المجتمع، وتحويل الزخم الشعبي الثوري إلى إطار سياسي مؤسسي قادر على إدارة شؤون الدولة.
ولذا من المهم التأكيد على أن الفترة من 2011 وحتى سبتمبر 2014 مثّلت الجوهر الحقيقي للثورة، حيث استمرت المظاهرات والاعتصامات نحو عشرة أشهر قبل توقيع المبادرة الخليجية وتسلم الرئيس السابق عبد ربه هادي الرئاسة، وهو ما وفر الأرضية لانتقال سلمي ومنظم للسلطة، خلال هذه المرحلة، فأثبتت ثورة فبراير قدرتها على فرض آليات حوار وطني، بعيدًا عن العنف والفوضى، مع احترام كل الأطراف وعدم استبعاد أي فئة من المجتمع.
ما حدث بعد عام 2014، من انقلاب مليشيا الحوثي لم يكن جزءًا من مسار فبراير، بل جاء ليعكر الإنجازات التي حققتها الثورة، ويعطل جهود بناء الدولة ومؤسساتها. هذه التحولات أوضحت أن الفشل في استكمال البناء الوطني لم يكن نتيجة الثورة نفسها، بل نتيجة الأطراف التي تعمدت تعطيل مؤسسات الدولة والتلاعب بمخرجات الحوار الوطني.
ولذا فإن أي تقييم لمخرجات فبراير يجب أن يركز على الفترة الواقعية لعمل الثورة، من بدايتها في 2011 وحتى سبتمبر 2014، باعتبارها المرحلة التي تحققت فيها أهداف الثورة الأساسية. فخلال هذه المرحلة، تم ضمان مشاركة جميع الفئات وعدم إقصاء أحد، مما يجعل ثورة فبراير نموذجًا للقدرة على التحول من الحراك الشعبي إلى عمل سياسي وحوار وطني.
فبراير إرادة شعبية مستمرة
وفي هذا الصدد، يرى وزير الثقافة الأسبق الدكتور خالد الرويشان أن تقييم ثورة 11 فبراير يجب أن يتم بفهم السياق التاريخي، وأن تحميل الثورة مسؤولية الكوارث التي تلتها أمر غير عادل. فالتاريخ، بحسب الرويشان، سلسلة متصلة من الأحداث، وثورات اليمن عبر القرون لم تحدث عبثًا، بل هي تراكمات لمحاولات متواصلة للحرية والعدالة والمواطنة.
ويشير الرويشان إلى أن الثورة لم تكن مجرد فئة أو نخبة، بل كانت ثورة شعبية خرجت تحت أشعة الشمس والرصاص دفاعًا عن مستقبل البلاد، فيما كانت النخبة السياسية الخائبة هي من خذلت الثورة، وارتكبت الأخطاء التي أفضت لاحقًا إلى الانقلاب على الجمهورية في 21 سبتمبر.
ويؤكد أن ثورة فبراير كسرت مشروع التوريث، وأن أعداءها هم من ارتكبوا الخطايا الكبرى، فباعوا الجمهورية وباركوا الانقلاب، وخانوا نضال أجيال من اليمنيين، ولم يراعوا قيم الدولة أو الشعب. ولذلك فإن الأخطاء التي حدثت خلال الثورة ليست كالخطايا التي ارتكبها خصومها، وما حدث بعد ذلك هو نتيجة الخيانات وليس نتيجة الثورة نفسها.
ويشدد الرويشان على أن محاسبة الثورة بناءً على نتائج ما بعد سقوطها هو ظلم للشعب الذي خرج مطالبًا بالحرية والعدالة، فثورة 11 فبراير ليست قابلة للاحتكار أو لتوجيه الاتهام لأفراد أو فئات بعينها، بل هي حلم وحق جماعي لكل اليمنيين.
ويؤكد الرويشان أن التاريخ لم يتوقف عند الثورة، وأن درس فبراير واضح: الأخطاء واردة في أي حركة شعبية، لكن الخطايا الكبرى، التي ارتكبها الخصوم والخائنون، ستظل ماثلة أمام التاريخ والشعب، ولن تُمحى أو تُنسى، وأن دور الشعب والوعي الجماعي هو الضامن لاستمرار حلم الدولة المدنية والمواطنة المتساوية.
ثورة فبراير بين العلم والأخلاق
من وجهة نظر الباحث عصام القيسي، فإن توجيه اللوم لثورة 11 فبراير بحجة فشلها في تحقيق وعودها أو اعتبار نتائجها كارثية، هو موقف غير علمي وغير أخلاقي في آن واحد، فهو غير علمي لأنه يحاكم الثورة وفق نتائجها فقط، لا وفق سياقها التاريخي والأسباب التي دفعت الشعب للخروج إلى الساحات، فيما العقل العلمي يطرح أسئلة دقيقة: هل كانت الثورة مبررة؟ هل مثلت الأمة بكافة شرائحها أم طائفة بعينها؟ وهل تحققت الشروط الموضوعية التي تجعلها ثورة ناجحة؟
وفي البعد الأخلاقي، يشدد القيسي على أن محاكمة الثورة بناءً على النتائج فقط، هي لوم للضحية بدل الجلاد. فهي تهدر القيمة المعنوية للتضحيات والدماء التي سُفكت دفاعًا عن الوطن، وعن مشروع التغيير الذي واجه الفساد المتجذر والذي سعى لمنع توريث السلطة والاستفراد بمقدرات الأمة.
يشير القيسي إلى أن هذا النهج الانتهازي ينبع من رؤية براغماتية ضيقة لا تراعي البعد الأخلاقي للثورة، ويحوّل التضحيات الوطنية إلى أداة للانتقاص من مشروع وطني نبيل، في وقت كانت فيه الثورة تحمي حقوق الشعب وتحمي الدولة من الانحدار إلى الفوضى والانتهاكات السياسية المتراكمة لعقود.
ويضيف أن الشعوب المحترمة لا تندم على فعل نبيل اقترفته، حتى لو كانت عواقبه كارثية، فالقيم الأخلاقية للثورة تفوق حساب النتائج، لأنها مرتبطة بالكرامة الوطنية والمقاومة للظلم والاستبداد، تمامًا كما يختار الكريم المقاومة حتى الموت بدل الخضوع للظلم أو الذل.
ويرى القيسي أن ثورة فبراير لا يمكن الحكم عليها باللوم أو النقص، لأنها عملت على استعادة إرادة الشعب، وكشفت هشاشة المشروع الاستبدادي، وأكدت قدرة المجتمع على المطالبة بحقوقه، مما يجعل تقييمها العلمي والأخلاقي ضرورة لفهم قيمتها الحقيقية بعيدًا عن الانحيازات السياسية.
الحقيقة التاريخية
من ناحيته، يشير الباحث عفيف العباب إلى أن الربط بين ثورة 11 فبراير وظهور الحوثيين في صنعاء هو ربط خاطئ وغير دقيق تاريخياً، فالحوثيون لم يولدوا في الساحات الثورية، بل تأسسوا ونشؤوا داخل الدولة قبل الثورة بسنوات كثيرة، فقد سافر حسين بدر الدين الحوثي ووالده إلى إيران عام 1986 في عهد نظام علي صالح، وكان حسين ونجله يحيى من أعضاء مجلس النواب عن الحزب الحاكم، أي تحت رعاية الدولة نفسها.
ويضيف العباب أن تنظيم "الشباب المؤمن" تأسس في صعدة عام 1992 في ظل حكم النظام السابق، وكذلك أن الحركة الحوثية المسلحة كانت موجودة قبل الثورة بسنوات وخاض الجيش اليمني ضدها ست حروب في عهد النظام السابق، دون أن ينجح في القضاء عليها، ما يوضح أن جذور المشكلة كانت سياسية قبل أن تكون عسكرية.
ويؤكد العباب أن العديد من المؤسسات التعليمية والفكرية المرتبطة بالحوثيين، مثل معهد البدر الذي كان يديره القيادي الحوثي المحطوري، كانت تعمل علنًا في صنعاء في عهد النظام السابق دون أي مضايقات، وأن تراكم السلاح لدى المليشيا الحوثية جاء من مخازن الجيش وأموال الدولة وشبكات الفساد، وليس من الثورة أو ساحاتها.
ويشير أيضًا إلى أن التحرك العسكري للحوثيين خلال الحرب الأخيرة جاء من صعدة نحو عمران وصنعاء، ولم يكن مرتبطًا بخيام فبراير أو بخطط الثورة، بل كان نتيجة تحالفات سياسية لاحقة، بما في ذلك تحالف صالح معهم علنًا، حيث دعمه ووجه أنصاره للانضمام إلى صفوفه لسنوات قبل أن يدفع الثمن لاحقًا.
وخلص العباب إلى أن تحميل ثورة فبراير مسؤولية صعود الحوثيين هو فهم خاطئ للتاريخ، وأن الحقيقة تكشف أن الثورة لم تكن سببًا في وجود الحوثيين أو صعودهم، بل إن المشكلة كانت تراكمات سياسية وعسكرية نشأت قبل الثورة.
صحوة شعبية ورمز للأمل
بدوره، يشير الباحث أمين سلطان إلى أن ثورة 11 فبراير تمثل محطة تاريخية فارقة في مسار اليمن الحديث؛ محطة لم تكن مجرد احتجاجات غاضبة فحسب، بل صحوة شعبية عميقة عبّرت عن إرادة أمة قررت مواجهة الفساد والاستبداد والتوريث، والعبث بمقدرات الدولة.
وفقًا لما يؤكد أمين سلطان، خرج الشباب في 11 فبراير حاملين حلمًا واضح المعالم: بناء دولة مدنية حديثة قائمة على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، ومحاربة الفساد، وضمان الحقوق والحريات، وتكافؤ الفرص، ولم تكن الثورة ضد أشخاص بقدر ما كانت ضد منظومة اختلال مزمنة أنهكت الدولة وأضعفت مؤسساتها وأفقرت شعبها، فكانت ثورة من أجل الكرامة، والعدالة، ودولة النظام والقانون.
ويضيف السلطان أن فبراير تميزت بسلميتها التي أبهرت الداخل والخارج، حيث رفع الثوار شعار "سلمية سلمية" في وجه الرصاص والقمع، مؤكدين أن مشروعهم مشروع حياة لا مشروع فوضى. كانت الساحات منابر وعي ومنصات نقاش جامعة لكل الأطياف، ولم تكن السلمية ضعفًا، بل قوة أخلاقية كشفت عدالة القضية ونبل المقصد.
ويشير أمين سلطان إلى أن فبراير لم تكن ثورة فئة أو حزب أو منطقة، بل لحظة وطنية جامعة التف حولها الشباب والنساء، المثقفون والقبائل، القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، مدفوعين بإحساس مشترك بأن الوطن يستحق مستقبلاً أفضل، حيث أعادت الثورة الاعتبار لفكرة الشعب بوصفه مصدر الشرعية وصاحب الكلمة الأولى، وكشفت هشاشة القوى التقليدية التي اعتادت احتكار السلطة والثروة.
ومن الطبيعي أن تتعرض أي ثورة لمقاومة وتشويه، لكن الحقيقة التاريخية، كما يقول أمين سلطان، تؤكد أن فبراير لم تكن سبب الانهيار، بل كانت محاولة لإنقاذ الدولة من مسار خطير، فالانقلاب على مخرجات المرحلة الانتقالية، وتمرد المليشيات المسلحة على الإجماع الوطني، هو الذي قاد البلاد إلى دوامة الحرب، بينما فبراير كانت مشروع إصلاح أُجهض قبل أن يكتمل.
ويشير سلطان إلى أن ثورة 11 فبراير لم تنتهِ، فهي في جوهرها فكرة وقيم وأهداف، وأن الحرب الحالية ضد مليشيات الحوثي الإرهابية امتداد طبيعي لمعركة استعادة الدولة وإنهاء حكم السلاح وفرض الأمر الواقع، والدفاع عن الجمهورية واستعادة مؤسسات الدولة هو وفاء لتضحيات شباب فبراير.
بعد 15 عامًا، يوضح أمين سلطان، أن الدرس الأهم هو أن لا خلاص لليمن إلا بوحدة الصف، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، وأن استعادة الدولة وبناء دولة مدنية حديثة تتطلب شراكة وطنية واسعة، إصلاحًا حقيقيًا للمؤسسات، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وإنهاء كل أشكال المليشيات المسلحة جنوبا وشمالا.
خلاصة القول، إن القراءة المتأنية لثورة الحادي عشر من فبراير تؤكد أنها مثلت فرصة لبناء دولة حديثة، وأن ما أعقبها من انهيار لم يكن نتيجة أهدافها، بل نتيجة الانقلاب عليها، ولذا فإن استعادة الدولة اليوم ليست مسارًا منفصلًا عن أهداف ثورة فبراير؛ بل امتداد منطقي لأهدافها الأولى في بناء دولة قانون ومؤسسات، وهي مهمة لا تزال مفتوحة أمام اليمنيين حتى تكتمل.
ثورة 11 فبراير.. مشروع بناء دولة حديثة أجهضه الانقلاب الحوثي
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news