تتخذ تجربة الفنانة هالة الشافعي مسارًا استثنائيًا في المشهد التشكيلي المعاصر، إذ لا تنتمي أعمالها إلى منطق التمثيل البصري المباشر، الذي يسعى لإعادة إنتاج الطبيعة أو المدينة كما نراها في الواقع، بل تنحو إلى فضاء أعمق، فضاء تتداخل فيه الرؤية البصرية مع الرؤية الداخلية، حيث يصبح السطح التشكيلي ليس مجرد مساحة للمشاهدة، بل موقعًا للخلق والتكوُّن. إن اللوحة، في أعمال الشافعي، لا تقدم لنا مشهدًا جاهزًا، بل تصنع منه تجربة وجودية، تُعيد تركيب العالم داخل حدودها العضوية والمتشابكة، فتتحوّل العناصر البصرية إلى كائنات حية تتفاعل في شبكة متصلة من العلاقات، شبكة تحاكي الصيرورة الطبيعية للعالم نفسه.
التكوين العضوي المتشابك الذي يهيمن على لوحاتها ليس خيارًا شكليًا محضًا، ولا مجرد رغبة في إبهار العين، بل هو تصور أنطولوجي قائم على فكرة أن الأشياء في العالم ليست وحدات مستقلة، بل علاقات متداخلة. فالخطوط والألوان لا تتجاور فقط، بل تتشابك، تتقاطع، تتداخل، كما لو كانت تنتمي لنفس الكائن الحيّ. الحركة ليست خارج الشكل، بل هي داخله، في كل تفصيل، في كل انحناءة وخط. الكتل اللونية لا تستقر على سطح اللوحة، بل تنبثق وتتسرب، وتتقاطع مع خطوط وبتلات وأشكال غير محددة، لتخلق إحساسًا بأن اللوحة نفسها حيّة، تتنفس، وتنمو في حضور المتلقي.
هذا التشابك يحيل إلى تصور الحياة بوصفها تدفقًا مستمرًا، كما يراه هنري برغسون في مفهومه عن الديمومة، حيث الكينونة ليست لحظة ثابتة بل تدفق مستمر. تمامًا كما يتدفق الوقت، تتدفق عناصر اللوحة لتنتج نسقًا متحركًا لا يمكن ثباته في قراءة واحدة. اللون هنا ليس مجرد لون، بل زمن، والخط ليس حدًا، بل مسار. وهكذا تصبح اللوحة شبكة حيوية، أكثر من كونها سطحًا مرئيًا.
حضور الطبيعة في هذه الأعمال — الشجرة، القمر، الأرض — يتجاوز المستوى التصويري المباشر، ليصبح حضورًا رمزيًا، كاشفًا عن بنية خفية للواقع. الشجرة ليست مجرد شجرة، بل هي علامة على الامتداد، الجذر، التشعب، والانفتاح. القمر لا يضيء المشهد ليكشف تفاصيله، بل يشهد عليه، كعين كونية معلّقة تتفرس حركة العالم. الأرض ليست خلفية صامتة، بل ذاكرة عضوية تتراكم في الطبقات اللونية، تنبض بالحياة. ما يميز هذه الأعمال هو أن الطبيعة لا تبقى في فضائها التقليدي، بل تتسلل إلى المدينة، فتتفكك الهندسة الصارمة، وتذوب الحدود بين العمران والنبات. الطرق تُفتل كما لو كانت جذورًا، والأضواء تتجمع كما لو كانت أزهارًا ليلية متوهجة. المدينة هنا ليست انفصالاً عن الطبيعة، بل امتدادًا لها، ككائن حيّ يخضع لنفس الإيقاع الحيوي الذي تحكمه الشجرة والزهرة.
حركة النبات والزهور تمثل مفتاحًا جوهريًا لفهم هذه التجربة. فالسيقان لا تقف عمودية بثبات، بل تميل وتلتف وتتقاطع كما لو كانت مستجيبة لقوى غير مرئية. البتلات لا تُرتَّب في تناظر كلاسيكي، بل تتفتح وتتشرّح في حركات حلزونية، تذكّر بإيقاع النمو الحيوي الذي لا يعرف السكون. هذه الحركة النباتية تحيل إلى مفهوم «الاندفاع الحيوي»؛ الحياة ليست حالة ثابتة، بل طاقة متدفقة تنبثق باستمرار من ذاتها. النبات لا يمثل كائنًا مكتمل الشكل، بل مسارًا متحولًا، بين الانغلاق والانفتاح، بين الجذر والامتداد، تمامًا كما تتحرك الحياة نفسها. الزهرة ليست اكتمالاً، بل لحظة عابرة في دورة أوسع من التفتّح والذبول وإعادة التشكل، لتجسد هشاشة الحياة وقوتها في آن.
من خلال هذه الحركة، تصبح اللوحة فضاءً نابضًا، لا يستقر في هيئة نهائية. كل التفاف في ساق، وكل انحناءة في بتلة، ليست مجرد شكل، بل جزء من قانون سرّي للتنامي، ويمثل النبات استعارة للوجود نفسه: وجود لا يقوم على الثبات، بل على الانبثاق، ولا على الاكتمال، بل على الاحتمال. تصبح الحركة النباتية إيقاعًا داخليًا ينظم التكوين بأكمله، كنبض خفي يتسلل عبر اللون والخط والكتلة.
الكثافة اللونية في هذه الأعمال ليست مجرد اختيار بصري، بل ممارسة وجودية. اللون لا يسعى للانسجام أو التوازن الهادئ، بل لإنتاج احتدام داخلي. الأحمر لا يمثل مجرد حرارة عاطفية، بل مجالًا متأججًا للطاقة؛ الأسود ليس غيابًا للضوء، بل عمقًا يحمل إمكانات الظهور؛ الأخضر لا يستقر كرمز للحياة، بل يتشظّى في درجات لونية متعددة، ليعكس توتر الحياة نفسها. اللون هنا قوة ديناميكية، أقرب إلى ما أشار إليه كاندينسكي حول الطاقة الروحية للون، لكن ضمن أرضية كثيفة، تُحاكي الواقع الداخلي والامتداد العضوي للأشياء.
غير أن أكثر ما يميز هذه التجربة هو جمالية الغموض. الغموض ليس نقصًا أو غيابًا للمعنى، بل شرطًا لإنتاجه. يمكن استدعاء أدونيس الذي رأى في الغموض «مسافة حرية»، حيث لا يُعطى المعنى جاهزًا، بل يُستدرج القارئ إلى إنتاجه. الغموض هنا ليس ضبابًا أو ارتباكًا، بل كثافة، رفض للمباشرة، وتمرد على الشفافية التي تدعي التطابق مع الواقع.
هكذا، تعمل لوحات الشافعي: لا تُخفي موضوعها، لكنها توزّعه في طبقات. الشجرة تظهر وتنسحب في آن واحد، المدينة تُرى وتتفكك، كل عنصر يُقدَّم بوصفه أثرًا لا يقينًا، والمعنى يظل قيد التشكل، متاحًا لتعدد القراءات.
وعند عبد الكبير الخطيبي، يرتبط الغموض بالاختلاف والكتابة المزدوجة؛ التوتر بين الأصل والانزياح، بين الهوية والتعددية. الأعمال الفنية في هذا السياق لا تستقر في هوية واحدة، بل تمارس تشظيها الداخلي، لتبقى حية في لحظة المشاهدة. الطبيعة لا تعود كما كانت، المدينة تتغيّر، وكل شكل يحمل ظله الخاص، كل حضور يحمل شقّه الداخلي.
الغموض إذن ليس ستارًا يُخفي الأشياء، بل توتّرًا بين العين والقلب. «ما يُبصره القلب» ليس ما تلتقطه الشبكية، بل ما يتكوّن داخل المتلقي حين يترك للعمل مساحته، حين يتركه ينفتح ويكشف عن نفسه في الداخل. القلب هنا ليس استعارة، بل جهاز إبصار حدسي، يلتقط إيقاعات خفية في نسيج اللوحة، ويفهم الحركة المتواصلة والنبض الداخلي الذي يُعيد تعريف معنى المشاهدة.
في النهاية، لا تمنحنا هذه الأعمال صورة مكتملة، بل تجربة انفتاح مستمر. الوقوف أمام لوحة الشافعي يشبه التوقف عند تخوم الليل: الظلام لم يكتمل، والضوء لم يختفِ، والأشياء تتبدّى كاحتمالات لا كتعريفات ثابتة. الشجرة ارتعاشة في العتمة، المدينة نبض تحت قمر يشهد بصمت، الزهرة اهتزاز خفيف في نسيج اللون، وكل شيء في حركة مستمرة.
هناك، في المسافة بين المرئي واللامرئي، يولد الجمال — ليس كصورة ثابتة، بل كحالة وجود. وما يُبصره القلب ليس شكلاً مستقراً، بل اهتزازًا في نسيج العالم، تذكيرًا بأن الرؤية الحقيقية ليست امتلاكًا، بل انخراط، وأن اللوحة، في أقصى تجلياتها، ليست ما نراه، بل ما يجعلنا نرى أنفسنا فيها، ونحن نُعاد تشكيلنا ببطء، كما تُعاد صياغة العالم في نبض لونٍ لا ينتهي.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news