كتب الاستاذ معمر باطويل مستشار اول لليمن - منتدى الاتحادات الفيدرالية مقالا هاما حول الفيدرالية في اليمن: من شعار سياسي إلى مدخل واقعي لبناء الدولة.
مراقبون برس ينشر نص المقال في الاتي :
لم يعد النقاش حول مستقبل الدولة في اليمن ترفاً فكرياً أو سجالاً نخبوياً معزولاً عن الواقع. فبعد أكثر من عقد من الاضطراب السياسي، وحرب مدمرة، وتآكل مؤسسات الدولة، بات واضحاً أن نموذج الدولة المركزية الذي حكم اليمن لعقود لم يعد قابلاً للاستمرار. في هذا السياق، تبرز الفيدرالية بوصفها أحد الخيارات الواقعية المطروحة لإعادة بناء الدولة وليس مجرد تسوية مؤقتة أو مناورة سياسية.
تاريخياً، عجزت المركزية الشديدة في اليمن عن إدارة التنوع الجغرافي والاجتماعي والسياسي. بل تحولت الدولة إلى أداة لإعادة إنتاج الاختلالات في توزيع السلطة والثروة، وأسهمت في تهميش مناطق واسعة، وخلق بيئات حاضنة للصراع. هذه الإشكالية ليست يمنية خالصة، فقد أظهرت دراسات مقارنة أن الدول المتعددة الهويات حين تُدار بنماذج مركزية صارمة تكون أكثر عرضة للنزاعات الداخلية وعدم الاستقرار (Lijphart, 1999).
في الفترة الأخيرة، عاد مفهوم الفيدرالية بقوة إلى النقاش العام، لا سيما في المحافظات الشرقية مثل حضرموت والمهرة وشبوة، حيث يُنظر إليها كآلية لحماية الخصوصيات المحلية وضمان شراكة حقيقية في السلطة. وفي المقابل، لا يزال الجدل محتدماً في مناطق أخرى ترى في الفيدرالية تهديداً لوحدة الدولة أو خطوة نحو التفكك. غير أن هذا الانقسام في المواقف يعكس في جوهره ضعف الفهم العام لطبيعة الفيدرالية، أكثر مما يعكس خلافاً جوهرياً حول مبدأ الدولة الواحدة.
لكن الفيدرالية ليست حلاً سحرياً، ولا يمكن استنساخها كنموذج جاهز. فالأبحاث المقارنة تشير بوضوح إلى أن نجاح النظم الفيدرالية مرهون بحسن التصميم الدستوري، ووضوح توزيع الصلاحيات، ووجود مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات بين المركز والأقاليم (Elazar, 1987). وفي حالات النزاع، يمكن للفيدرالية أن تفشل إذا فُرضت دون توافق سياسي واسع، أو إذا استُخدمت كغطاء لإعادة إنتاج مراكز نفوذ جديدة.
رغم ذلك، لا يزال النقاش العام في اليمن مختزلاً للفيدرالية في بعدها الجغرافي فقط: عدد الأقاليم، وحدودها، وعلاقتها بقضية الجنوب. هذا الاختزال يُفرغ الفيدرالية من مضمونها الحقيقي كنظام حكم متكامل، يتطلب إصلاحات عميقة في الإدارة العامة، والمالية العامة، وآليات المساءلة، والعلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن دون هذا الفهم، تتحول الفيدرالية إلى شعار سياسي قابل للتوظيف المتناقض من مختلف الأطراف.
من هنا، تبرز أهمية الاستثمار في الوعي العام وبناء القدرات. فاليمن يحتاج، في المرحلة المقبلة، إلى برامج بحثية وتثقيفية جادة تشرح نماذج الفيدرالية المختلفة، وتناقش إيجابياتها وسلبياتها بموضوعية، وتربطها بالسياق اليمني بدل إسقاطها عليه. هذا المسار ليس جديداً؛ فقد شهدت فترة مؤتمر الحوار الوطني، برنامج كبير لمنتدى الاتحادات الفيدرالية وبدعم من دولة كندا، جهوداً كبيرة لبناء القدرات مع عقد ورش عمل في مناطق مختلفة لدراسة التجارب الفيدرالية المقارنة، غير أن الحرب أوقفت هذا النقاشات قبل أن تنضج.
اليوم، ومع تغير موازين القوى، وتراجع بعض المشاريع، تبدو الفيدرالية أكثر حضوراً كخيار عملي لإعادة صياغة العقد الاجتماعي. فهي لا تعد بإنهاء جميع الأزمات، لكنها قد توفر إطاراً أكثر عدالة واستقراراً لإدارة الخلافات بدل تفجيرها. والسؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه ليس ما إذا كانت الفيدرالية مثالية، بل ما إذا كان استمرار التمسك بالمركزية، بكل إخفاقاتها، خياراً قابلًا للحياة.
وفي نهاية الأمر، ينبغي أن ينطلق أي نقاش جاد حول الفيدرالية لا من المخططات المؤسسية وحدها، بل من واقع الناس المعيشي واحتياجاتهم وتطلعاتهم الفعلية. ولا ينبغي الترويج للفيدرالية بوصفها حلاً تكنوقراطياً أو مشروعاً تقوده النخب، بل باعتبارها خياراً عاماً واضحاً، يُعبر عنه عبر مشاورات شاملة ومسارات سياسية مشروعة. وفي السياق اليمني، لا يمكن الدفاع عن الدعوة إلى الفيدرالية إلا إذا برزت بوصفها خياراً تتبناه أغلبية واسعة تسعى إلى دولة أكثر استجابة، وعدالة، وقابلة للمساءلة.
كذالك، في ضوء التجربة اليمنية، وتجارب دول أخرى خرجت من نزاعات معقدة، تبدو الفيدرالية، إذا ما صُممت بعقلانية وبضمانات دستورية واضحة، أحد أقل الخيارات كلفة، وأكثرها واقعية، لإعادة بناء الدولة اليمنية على أسس الشراكة لا الهيمنة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news