«الحجر من القاع… والدم من رأس القبيلي»: حين تتحول الأمثال الشعبية إلى شهادة إدانة للتاريخ والواقع

     
اليمن الاتحادي             عدد المشاهدات : 45 مشاهده       تفاصيل الخبر       الصحافة نت
«الحجر من القاع… والدم من رأس القبيلي»: حين تتحول الأمثال الشعبية إلى شهادة إدانة للتاريخ والواقع

بشرى العامري:

ليست كل الأمثال الشعبية بريئة، ولا كل ما توارثناه حكمة صافية. بعض الأمثال وُلدت في لحظات ظلم، ثم عاشت طويلاً لأن الضحية لم تُمنح فرصة فهم معناها الحقيقي. ومن بين هذه الأمثال، يبرز المثل اليمني الشهير: «الحجر من القاع والدم من رأس القبيلي»، بوصفه واحداً من أكثر الأمثال التباساً وسوء فهم في الوعي الجمعي اليمني.

تقول قصة المثل انه في مطلع القرن التاسع عشر، بين عامي 1816 و1835، لم يكن اليمن وطناً واحداً بقدر ما كان ساحة صراع أكثر من إمام، وأكثر من راية، وأكثر من حلم سلطة.

في صنعاء تحديداً، كان المهدي عبد الله بن أحمد بن علي الرسي، والهادي أحمد بن علي السراجي، يتنازعان الحكم، وكلٌ منهما يريد البلاد كاملة، أو لا يريدها أبداً. في الخارج، كان العثمانيون يقتربون من اليمن في عودتهم الثانية، والبريطانيون يمدون أعينهم نحو عدن، وفي الداخل كانت القبائل تدفع الثمن وحدها.

انقسمت القبائل، لا عن قناعة، بل عن تبعية. تقاتل بعضها بعضاً دفاعاً عن أسماء لم تكن تقاتل بنفسها.

استمرت الحرب عاماً أو أكثر، سقط فيها القبيلي تلو الآخر، تهدمت البيوت، أُحرقت المزارع، وامتلأت الأرض بدماء لا يعرف أصحاب القرار أسماء أصحابها.

وحين أنهكت الحرب الجميع، اكتشف الإمامان فجأة أن النار التي أُشعلت خرجت عن السيطرة، وأن استمرارها لم يعد يخدم الحكم، عندها أُرسلت الوفود للصلح، لا من القبائل التي دفعت الدم، بل من بيوت السلالة والنخب الدينية؛ وجوه لم تحمل سلاحاً، ولم تفقد بيتاً، ولم تحفر قبراً.

اجتمعوا في أحد المنازل. كان الهادي غاضباً، ناقماً على ما أصاب أتباعه من دمار. كان يتحدث عن البيوت التي تهدمت، وعن الخسائر التي لحقت بممتلكات مناصريه. استمع إليه المهدي، ثم اقترب منه، وضحكة خفيفة تعلو وجهه، وسأله بسؤال بدا بسيطاً لكنه كان جارحاً:

هل انهدم بيتي أو بيتك؟ هل قُتل أولادي أو أولادك؟

وحين جاءه النفي، قال عبارته التي ستعيش أكثر من أصحابها:

“الحجر من القاع، والدم من رأس القبيلي.”

لم تكن العبارة حكمة، ولا مثلاً شعبياً عفوياً. كانت اعترافاً صريحاً بمنطق الحكم آنذاك: ما يُهدم يمكن تعويضه، أما الدم، فليس دمنا. القبيلي هو الذي يُقاتل، ويُقتل، يُهجّر، بينما الحكم، والقرار، والمكانة، تبقى في الأعلى، بعيدة عن السيوف والرصاص.

ومنذ تلك اللحظة، خرجت الجملة من الغرفة، وانتشرت في الناس، لكنها فقدت قصتها. تحولت مع الزمن إلى مثل، ثم إلى “حكمة”، ثم إلى عبارة تُقال بلا وعي، وكأنها تبرر واقعاً لا تصفه فقط.

 ومع كل جيل لم يقرأ التاريخ، صار المثل أكثر خطورة، لأنه يُردَّد دون إدراك أنه كُتب بدم الآخرين.

المؤلم أن هذا المنطق لم ينتهِ بانتهاء تلك المرحلة. تغيّرت الأسماء، وتبدلت الوجوه، لكن الفكرة بقيت موجودة حتى اللحظة، القتال للقبائل، والخسارة للعامة، والمناصب محفوظة، والدم دائماً “من رأس القبيلي”. وكأن الزمن يدور في حلقة، يعيد إنتاج المأساة نفسها بأدوات جديدة.

ليس المثل هو المشكلة، بل الطريقة التي قُبل بها. فالشعوب التي لا تقرأ تاريخها جيداً، تتحول بسهولة إلى أحجار شطرنج، تُحرّكها أيدٍ لا تنزل إلى الميدان.

وحين لا نعيد النظر في أمثالنا، نصبح أسرى لها، نعيشها واقعاً بدل أن ندفنها في كتب التاريخ.

“الحجر من القاع والدم من رأس القبيلي” ليس مثلاً عابراً، بل شهادة إدانة. وحين نفهمه كما قيل أول مرة، ندرك أن كسر الدائرة يبدأ من الوعي… لا من ترديد المثل.

شارك

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news


تابعنا على يوتيوب

تابعنا على تويتر

تابعنا على تيليجرام

تابعنا على فيسبوك

حسم الحقائب السيادية في الحكومة الجديدة بين الشمال والجنوب..تفاصيل

الحرف 28 | 1324 قراءة 

قرب موعد حدث تاريخي

كريتر سكاي | 1173 قراءة 

العليمي يشيد بالدور الوطني الفاعل لطارق صالح في معركة استعادة الدولة وتوحيد الصف الجمهوري

حشد نت | 1030 قراءة 

عاجل:اول ظهور لمصلح الذرحاني عقب انباء القبض عليه(صورة)

كريتر سكاي | 1010 قراءة 

مرشحان بارزان لتولي منصب وزير الخارجية في الحكومة اليمنية المرتقبة... من هما؟

المشهد اليمني | 986 قراءة 

تقرير | حشود الانتقالي المنحل في عدن.. بين الرهان الإماراتي والاحتواء السعودي

بران برس | 799 قراءة 

عاجل: صدور قرار يقضي بتعيينات هامة

الخليج اليوم | 753 قراءة 

وفد عسكري من التحالف يصل إلى عدن وينفذ هذه المهمة ويغادر المطار فوراً

نافذة اليمن | 732 قراءة 

تغييرات قيادية تطال أحد أبرز الألوية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل

موقع الجنوب اليمني | 695 قراءة 

انفراجة في مشاورات تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة الزنداني وهذه شكلها بين الشمال والجنوب!

المشهد اليمني | 689 قراءة