كشفت تحقيقات لوكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية، الأحد 25 يناير/ كانون الثاني، عن 18 مركز احتجاز سريًا جنوبي اليمن، أكدت أن دولة الإمارات العربية المتحدة تديرها مباشرة، أو عبر موالية لها أنشأتها ودربتها.
وقالت الوكالة في تقرير لها نشرته اليوم، نقله للعربية "بران برس"، إنها استمعت إلى إفادات معتقلين سابقين، وأقارب سجناء، ومحامين في مجال الحقوق المدنية، ومسؤولين عسكريين يمنيين، مشيرة إلى أن جميع هذه السجون تقع إما في أماكن مخفية أو في مواقع محظورة على الحكومة اليمنية.
وذكرت أن مئات الرجال ممن جرى اعتقالهم في إطار ملاحقة عناصر تنظيم القاعدة قد اختفوا داخل شبكة سرية من السجون جنوب اليمن، حيث يُعدّ التعذيب ممارسة اعتيادية، وتصل أساليبه إلى مستويات بالغة القسوة، من بينها ما يُعرف بـ"الشواية"، حيث يُربط الضحية إلى سيخ كقطعة لحم مشوية ويُدار فوق دائرة من النار.
وأشارت إلى أن هذه السجون السرية توجد داخل قواعد عسكرية، وموانئ، ومطار، وفلل خاصة، بل وحتى داخل نادٍ ليلي، وفقًا لوزير الداخلية اليمني الأسبق حسين عرب وآخرين، جرى نقل بعض المعتقلين جوًا إلى قاعدة إماراتية عبر البحر الأحمر في إريتريا.
وطبقاً للتقرير، أقرّ مسؤولون كبار في وزارة الدفاع الأميركية، بأن القوات الأميركية شاركت في استجواب معتقلين في اليمن، لكنهم نفوا أي مشاركة في انتهاكات لحقوق الإنسان أو علمهم بحدوثها، غير أن استجواب محتجزين تعرّضوا للتعذيب قد يشكّل انتهاكًا للقانون الدولي، الذي يحظر التواطؤ في التعذيب.
ونقلت الوكالة عن عدد من مسؤولي الدفاع الأميركيين، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم، قولهم "إن القوات الأميركية تشارك في استجواب معتقلين في مواقع داخل اليمن، وتزوّد شركاءها الإماراتيين بأسئلة للاستجواب، وتتلقى منهم نصوصًا مكتوبة لمحاضر التحقيق".
وأضافوا أن القيادات العسكرية الأميركية العليا كانت على علم باتهامات التعذيب في السجون اليمنية، وحققت فيها، لكنها خلصت إلى عدم وقوع انتهاكات عندما كانت القوات الأميركية حاضرة.
بدورها قالت المتحدثة باسم وزارة الدفاع الأميركية، "دانا وايت"، تعليقًا على نتائج التحقيق: "نلتزم دائمًا بأعلى معايير السلوك الشخصي والمهني. ولن نغضّ الطرف عن أي انتهاكات، لأننا ملزمون بالإبلاغ عن أي خرق لحقوق الإنسان.
وكالة أسوشيتد برس، أشارت إلى أن حكومة الإمارات نفت هذه الاتهامات، مؤكدة في بيان أنه "لا توجد مراكز احتجاز سرية، ولا يُمارس تعذيب السجناء أثناء التحقيق".
في المقابل، أكد محامون وأقارب معتقلين يمنيين، أن نحو 2000 رجل قد اختفوا داخل هذه السجون السرية، وهو رقم مرتفع إلى حدّ أثار احتجاجات شبه أسبوعية لعائلات تبحث عن معلومات بشأن أبنائها وإخوتها وآبائها المفقودين.
وأشارت إلى أنه لم يزعم أي من عشرات الأشخاص الذين قابلتهم الوكالة أن محققين أميركيين شاركوا مباشرة في أعمال التعذيب لكن الحصول على معلومات استخباراتية يُحتمل أنها انتُزعت تحت التعذيب على يد طرف آخر يُعدّ انتهاكًا لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وقد يرقى إلى جريمة حرب، بحسب رايان غودمان، أستاذ القانون في جامعة نيويورك والمستشار الخاص السابق لوزارة الدفاع الأميركية.
إلى ذلك وصف معتقلون سابقون في مجمّع احتجاز رئيسي داخل مطار الريان بمدينة المكلا جنوب اليمن، "كيف جرى حشرهم داخل حاويات شحن ملوّثة بالبراز، وتقييد أعينهم لأسابيع متواصلة، وقالوا إنهم تعرضوا للضرب، وربطوا على "الشواية"، كما أنهم تعرضوا لاعتداءات جنسية".
وأكد أحد أفراد قوات «نخبة حضرموت»، وهي قوة أمنية يمنية أنشأتها الإمارات، أن القوات الأميركية كانت في بعض الأحيان على بُعد أمتار قليلة فقط، وقد طلب عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالحديث في هذا الشأن.
من جهته قال معتقل سابق احتُجز 6 أشهر في مطار الريان: "كنا نسمع الصراخ، المكان كله يعيش في حالة رعب. معظم المعتقلين مرضى، والبقية على شفا الموت".
وأضاف: "أي شخص يشتكي يُنقل مباشرة إلى غرفة التعذيبية"، وأضاف أنه جُلد بأسلاك معدنية ضمن الضرب المتكرر الذي يتعرض له المعتقلون، كما قال إنه وُضع داخل حاوية معدنية وأشعل الحراس نارًا أسفلها لملئها بالدخان".
كما أجرت الوكالة مقابلات مع عشرة معتقلين سابقين، وأكثر من 12 مسؤولًا في الحكومة اليمنية والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ونحو 20 من أقارب المعتقلين. ولم يرد مدير سجن الريان، المعروف لدى العائلات والمحامين بأنه إماراتي، على طلبات التعليق.
وقالت لورا بيتر، المستشارة القانونية العليا للأمن القومي في منظمة هيومن رايتس ووتش، إن هذه الانتهاكات "تُظهر أن الولايات المتحدة لم تتعلم الدرس بعد، وأن التعاون مع قوات تمارس التعذيب وتدمّر العائلات ليس وسيلة فعّالة لمحاربة الجماعات المتطرفة"، وكانت المنظمة قد أصدرت تقريرًا يوثق التعذيب وحالات الاختفاء القسري في السجون التي تديرها الإمارات، ودعت أبوظبي إلى احترام حقوق المحتجزين.
ودعت منظمة العفو الدولية إلى إجراء تحقيق تقوده الأمم المتحدة "في دور الإمارات وغيرها من الأطراف في إنشاء هذه الشبكة المروّعة من مراكز التعذيب"، وكذلك في مزاعم استجواب الولايات المتحدة لمعتقلين أو حصولها على معلومات يُحتمل انتزاعها تحت التعذيب.
في هذا السياق قالت لين معلوف، مديرة البحوث في الشرق الأوسط بالمنظمة: "من الصعب تصديق أن الولايات المتحدة لم تكن تعلم، أو لم يكن بوسعها أن تعلم، بوجود خطر حقيقي للتعذيب"..
ووفق الوكالة تعيد شبكة السجون هذه إلى الأذهان مراكز الاحتجاز السرية التي أنشأتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر لاستجواب مشتبهين بالإرهاب، والتي أغلقها الرئيس باراك أوباما عام 2009، وقد أُنشئت الشبكة الإماراتية في اليمن خلال إدارة أوباما، ولا تزال تعمل حتى اليوم.
وقال ضابط يمني، أفاد بأنه خدم لفترة على متن سفينة قبالة الساحل، إنه شاهد نقل معتقلين اثنين على الأقل إلى السفينة لاستجوابهما، حيث أُخذا إلى أسفل السفينة، وقيل له إن "خبراء كشف الكذب" و "خبراء نفسيين" أميركيين أجروا التحقيق، ولم يُسمح له بدخول تلك الأقسام، وتحدث الضابط شريطة عدم الكشف عن هويته خوفًا من الانتقام.
ونفى مسؤولون كبار في وزارة الدفاع الأميركية بشكل قاطع إجراء أي استجوابات على متن سفن، وقال جوناثان ليو، المتحدث باسم وكالة الاستخبارات المركزية: "لا تعليق لدينا على هذه الادعاءات المحددة"، مضيفًا أن أي مزاعم بإساءة المعاملة تُؤخذ على محمل الجد.
الضابط اليمني لم يحدد ما إذا كان "الأميركيون على السفن" عسكريين أم عناصر استخبارات أم متعاقدين خاصين، غير أن مسؤولين يمنيين كبيرين آخرين، أحدهما في وزارة الداخلية التابعة للرئيس عبد ربه منصور هادي، والآخر في المنطقة العسكرية الأولى بحضرموت، إضافة إلى مسؤول أمني سابق، أكدوا جميعًا أن أميركيين أجروا استجوابات في البحر.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news