في لحظة سياسية مفصلية تمر بها اليمن عمومًا، والمحافظات الجنوبية على وجه الخصوص، تبرز الدعوة إلى مؤتمر المكونات السياسية الجنوبية كخطوة ضرورية طال انتظارها، تعكس إدراكًا متقدمًا لخطورة المرحلة، وحجم التحديات، وحساسية القضية الجنوبية التي لا تحتمل مزيدًا من الإقصاء أو الاحتكار أو القرارات الأحادية.
مؤتمر المكونات السياسية الجنوبية برعاية سعودية
جاءت استجابة المملكة العربية السعودية لطلب فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي بعقد مؤتمر جنوبي شامل في الرياض، لتؤكد مجددًا الدور المحوري الذي تضطلع به المملكة في دعم الحلول السياسية العادلة، وترسيخ الاستقرار، والحفاظ على وحدة الصف اليمني، مع احترام خصوصية القضايا الجوهرية وعلى رأسها القضية الجنوبية، وفقًل لما أعلنته وزارة الخارجية السعودية في بيان عاجل لها.
مؤتمر المكونات السياسية الجنوبية.. لماذا الآن؟
لم تكن الدعوة إلى مؤتمر المكونات السياسية الجنوبية وليدة لحظة عابرة أو ظرف طارئ، بل جاءت نتيجة تراكمات سياسية، وتجارب سابقة أثبتت أن أي حلول تُفرض من طرف واحد، أو تُصاغ بعيدًا عن التوافق الجنوبي الجامع، مصيرها الفشل، بل وتؤدي في كثير من الأحيان إلى تعميق الانقسامات وإضعاف القضية بدل خدمتها.
المرحلة الراهنة تتطلب:
إعادة الاعتبار للحوار الجنوبي – الجنوبي
كسر حالة الاحتكار السياسي والتمثيل الأحادي
تصحيح المسار التفاوضي للقضية الجنوبية
حماية الجنوب من صراعات داخلية لا تخدم إلا الخصوم
ومن هنا، تبرز أهمية مؤتمر شامل لا يُقصي أحدًا، ولا يمنح الشرعية لمن لا يملكها شعبيًا، بل يعيد القرار إلى أصحابه الحقيقيين.
استجابة المملكة العربية السعودية.. دور ثابت والتزام مستمر
تعكس موافقة المملكة العربية السعودية على استضافة مؤتمر المكونات السياسية الجنوبية في الرياض التزامًا راسخًا بدعم اليمن، أرضًا وإنسانًا، دولةً وقضية، فالمملكة، خلال السنوات الماضية، لم تدخر جهدًا سياسيًا أو اقتصاديًا أو تنمويًا في سبيل دعم أمن واستقرار اليمن، وإسناد مؤسساته الشرعية، وتهيئة البيئة المناسبة لحل شامل وعادل لكافة القضايا اليمنية.
لقد عملت المملكة على:
دعم العملية السياسية والشرعية الدستورية
رعاية الحوارات الوطنية والإقليمية
تقديم دعم اقتصادي وتنموي واسع
الوقوف إلى جانب الشعب اليمني في أصعب الظروف
واستضافة الرياض لمؤتمر جنوبي جامع ليست خطوة بروتوكولية، بل رسالة واضحة بأن الحلول الحقيقية لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالتوافق والحوار والشرعية.
القضية الجنوبية.. قضية شعب لا ملك لفصيل
من أهم المبادئ التي يجب أن ينطلق منها مؤتمر المكونات السياسية الجنوبية أن القضية الجنوبية ليست ملكًا لتنظيم، ولا حكرًا على قيادة، ولا مشروعًا خاصًا بشخص أو كيان، وإنها قضية شعب، وتاريخ، وهوية، ونضال طويل، لا يجوز اختزالها في خطاب أحادي أو تمثيل قسري.
فالجنوب:
أوسع من أي تنظيم سياسي
أغنى بتنوعه من أن يُختزل في مشروع فردي
مليء بالقيادات الوطنية والكفاءات السياسية
يضم مكونات اجتماعية وسياسية متعددة
وأي محاولة لاحتكار تمثيل الجنوب تُعد خروجًا صريحًا عن جوهر القضية نفسها.
بين عدالة القضية وسلوكيات الانتهازيين
لا خلاف على عدالة القضية الجنوبية، ولا على مشروعية مطالبها، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في الفارق الكبير بين:
عدالة القضية الجنوبية
وسلوكيات بعض القيادات الانتهازية التي استثمرت هذه القضية لمصالحها الخاصة
لقد أثبتت التجربة أن القرارات الانفرادية:
تفتقر إلى التفويض الشعبي
لا تستند إلى توافق جنوبي شامل
لا تحظى بإطار وطني أو قانوني معترف به
تضعف الموقف التفاوضي بدل تعزيزه
وهنا تكمن خطورة اختطاف القضية وتحويلها من مشروع وطني جامع إلى أداة سياسية ضيقة.
لا شرعية بلا توافق.. ولا تمثيل بالقوة
من المبادئ الأساسية التي يُفترض أن يؤكدها مؤتمر المكونات السياسية الجنوبية أن:
التمثيل لا يُفرض بالقوة
ولا يُنتزع بالأمر الواقع
ولا يُمنح عبر السلاح أو النفوذ
التمثيل الحقيقي يُكتسب من:
التوافق
الشرعية
الإجماع الجنوبي الواسع
أما القرارات الأحادية، فهي:
تعمّق الانقسام الجنوبي
تخلق استقطابًا حادًا داخل المجتمع
تخدم أجندات خارجية
وتضر مباشرة بمصلحة الجنوب ومستقبله
تعدد المكونات قوة لا ضعف
يحمل الجنوب في داخله تنوعًا سياسيًا واجتماعيًا غنيًا، وهو ما يجب أن يُنظر إليه باعتباره مصدر قوة لا عامل ضعف، فـ مؤتمر المكونات السياسية الجنوبية لا يأتي لإلغاء هذا التعدد، بل لتنظيمه، وإدارته، وتحويله إلى قوة تفاوضية حقيقية.
في الجنوب:
أحزاب سياسية
مكونات اجتماعية
قيادات تاريخية
نخب أكاديمية وقانونية
شخصيات وطنية مستقلة
وإقصاء أي من هذه المكونات يُعد تكرارًا لأخطاء المركزية التي ثار عليها أبناء المحافظات الجنوبية في الأساس.
مؤتمر جنوبي شامل.. نضج سياسي لا تراجع
إن الدعوة إلى مؤتمر المكونات السياسية الجنوبية تعكس نضجًا سياسيًا متقدمًا، وتدل على:
إدراك عميق لخطورة المرحلة
وعي بأهمية الشراكة لا الإقصاء
حرص على حماية القضية من الاختطاف
رغبة في إعادة القرار إلى أصحابه
فالحلول الجزئية لم تعد مجدية، والمقاربات الأحادية أثبتت فشلها، ولم يعد هناك بديل عن الحوار الشامل والمسؤول.
لماذا الرياض؟ ولماذا تحظى بالمصداقية؟
اختيار الرياض لاستضافة مؤتمر المكونات السياسية الجنوبية ليس اختيارًا عابرًا، بل يحمل دلالات سياسية عميقة، أبرزها:
الثقل الإقليمي والدولي للمملكة
موقعها كراعٍ رئيسي للعملية السياسية اليمنية
قدرتها على توفير بيئة آمنة ومحايدة
ثقة مختلف الأطراف بدورها المتوازن
استضافة الرياض تمنح المؤتمر:
مصداقية إقليمية
حماية من الضغوط المحلية
ضمانات لعدم الانزلاق نحو صراعات داخلية
فرصة حقيقية لصياغة حل عادل ومتوازن
نحو مسار جنوبي مسؤول يخدم اليمن كله
إن نجاح مؤتمر المكونات السياسية الجنوبية لا يخدم الجنوب وحده، بل ينعكس إيجابًا على مستقبل اليمن بأكمله، فالقضية الجنوبية جزء أصيل من الحل الشامل، وأي تسوية سياسية لا تُنصف الجنوب، ولا تُشرك مكوناته كافة، ستبقى ناقصة وقابلة للانهيار.
المطلوب اليوم:
خطاب عقلاني لا تحريضي
رؤية سياسية جامعة
شراكة حقيقية بين المكونات
دعم إقليمي مسؤول كما تقدمه المملكة
خلاصة المشهد
يمثل مؤتمر المكونات السياسية الجنوبية فرصة تاريخية لإعادة تصويب المسار، وإنهاء حالة الاحتكار، وبناء موقف جنوبي موحد يستند إلى التوافق لا الإقصاء، وإلى الشرعية لا الأمر الواقع، ومع الدور السعودي الداعم، واستضافة الرياض لهذا المؤتمر، تتوفر فرصة حقيقية لوضع القضية الجنوبية على طريق الحل العادل والمتوازن، بعيدًا عن المغامرات السياسية والصراعات الداخلية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news