عرفات الرُفيد :
مع الإقرار بأن الصراع في اليمن بات ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية وأداة بيد أطراف خارجية ممولة إلا أني في هذا المقال لا اناقش تلك العوامل، بل احاول ان اركز على جذور الأزمة داخل السياق اليمني نفسه ..
إن ما يعيشه اليمن اليوم ليس مجرد حرب بين طرفين ولا صراع تقليدي على السلطة بل إنه التجلي لمنهج سياسي متجذر تحول مع الزمن إلى ماكينة دمار.. منهج قائم على الاستعلاء الديني والقبلي وعلى إحساس متضخم بالاستحقاق جرى تطبيقه أولا في مراحل سابقة ثم أُعيد إنتاجه بأشكال أكثر عنف خلال الحرب الحالية سواء تحت لافتة الشرعية أو عبر مشاريع الأمر الواقع .
في قلب الحرب اليمنية لا تكمن أخطاء أفراد ولا زلات خطاب عابرة نحن أمام منهج كامل تشكل عبر عقود يقوم على اعتبار السياسة غنيمة أخلاقية ودينية والحكم حق موروث لفئة ترى نفسها وصية على الدين والوطن.
هذا المنهج الذي مارسته الكيانات أو الجماعات الاسلامية تاريخيا مع حلفائها القبليين والعسكريين لم يتعامل مع اليمن كفضاء عام بل كملكية خاصة كان الولاء الشخصي، لا الموقف المبدئي، هو معيار القرب والإقصاء ولم يكن العنف استثناء طارئ بل أداة مشروعة داخل هذه الرؤية.
لا يمكننا فهم حرب صيف 1994 بمعزل عن هذا المنهج فهي لم تكن مجرد حرب دفاع عن الوحدة بل كانت حرب نزعت صفة الإنسانية عن الخصم أي الحزب الاشتراكي اليمني و أبناء المحافظات الجنوبية عبر خطاب ديني فجّ جعل دمهم مباح وشرعن نهب ممتلكاتهم وإقصاءهم سياسيا واجتماعيا كانت تلك النسخة من التصفية السياسية تحت غطاء ديني، جرح عميق لم يعالج بل جرى تجاهله فتعفّن وتمدد.
لقد امتلك هذا المنهج دائما ذراعه الأيديولوجي القمعي في الماضي تمثلت في جهاز الأمن الوطني او بعد الوحدة سمي الامن السياسي الذي مارس الاعتقال والتعذيب والتصنيف العقدي وبنى شبكة ولاءات قائمة على الخوف والابتزاز.
اليوم تتعدد الأذرع وتتشعب فهناك أجهزة أمنية تابعة للشرعية أو للانتقالي لا تختلف في منطقها عن هذا المنهج وإن اختلفت مرجعياتها وفي المقابل تمتلك جماعة الحوثي آلة قمع أكثر فجاجة تقوم على المبدأ ذاته ، نزع الشرعية عن الخصم او المعارض فيتم تخوينه أو حتى تكفيره ثم قمعه باسم الدين أو المقاومة أو الولاية.
تشترك مختلف الاطراف المتصارعة اليوم في أداة واحدة هي ماكينة التشويه او سلاح الحرب غير المعلن جيوش إلكترونية، منصات دعوية، وإعلام مسيّس، لا هدف لها سوى تحطيم الخصم لا مناقشته.
الاستنقاص وكوميديا ساخرة ، والتشهير، وخلق الروايات الكاذبة، واتهام المعارضين بالعمالة أو الانفصال أو الخيانة، باتت أدوات يومية بلا أي ضوابط أخلاقية.
هذه الماكينة تُستخدم اليوم ضد كل صوت مختلف في عدن، تعز، أو حضرموت والمهرة، أو صنعاء.
لم تلغِ الحرب هذا المنهج بل أعادت توزيعه بين الأطراف فالمجلس الانتقالي الجنوبي رغم كونه نتاج مظلومية تاريخية حقيقية وقضية عادلة إلا انه وقع في فخ الإقصاء تحت شعارات الهوية.
وقوى الشرعية ما زالت تحمل في بنيتها بقايا المنهج القبلي والوصائي ذاته وإن لبست خطاب الدولة.
أما الحوثيون، فهم النسخة الأكثر تطرف ووضوح استعلاء مذهبي، سلطة تُقدم كحق إلهي وعنف مفرط يستخدم كأداة حكم والسيطرة مع ضوابط دينية متشددة،
اليمن اليوم ساحة تصفية حساب مع مشروع وطني فشل لأنه قام على الإقصاء وهيمنة الدين على السياسة وكذا استخدام الاشتباكات والعنف كوسيلة إدارة.
كل الخراب القائم هو نتيجة طبيعية لهذا الفشل، وأي حديث عن سلام أو دولة أو مستقبل دون مراجعة جذرية لهذا المنهج ليس سوى تعريص سياسي… أو وهم بلغة مؤدبة ..
مستقبل اليمن لن يُبنى بانتصار طرف على آخر بل بهزيمة هذا المنهج بكل تجلياته منهج الاستعلاء الديني والقبلي وتحويل السياسة إلى غنيمة والدين إلى سلاح والوطن إلى ساحة انتقام.
أي حل حقيقي يبدأ بالعدالة الانتقالية واعتراف شجاع بجرائم الماضي وكشف الحقيقة واعتذار تاريخي للضحايا، وضمانات دستورية تمنع إعادة إنتاج هذا الخراب، والاعتراف بالآخر المختلف كشريك كامل في الوطن والحقوق.
فالدول لا تُبنى بمن يظن أنه يمتلك الحقيقة بل بمن يعترف أن الوطن يتسع للجميع.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news