مقاومة النخب السياسية والثقافية لمحاولات الحوثي جرف الدولة والتعليم
قبل 5 دقيقة
منذ انقلاب ميليشيا الحوثي الإرهابية على مؤسسات الدولة في اليمن، دخلت البلاد مرحلة غير مسبوقة من محاولات التفكيك الممنهجة لبُنى المجتمع السياسية والثقافية والتعليمية. فالجماعة، التي تستند إلى خطاب سلالي مغلق وأيديولوجيا عنصرية مناقضة لمبادئ الدولة المدنية، سعت منذ اللحظة الأولى إلى الانقضاض على الداخل اليمني: مؤسساته وهويته ووعيه الجمعي. غير أن هذا المسار لم يمر دون مقاومة، إذ واجهته النخب السياسية والإعلامية والفكرية والثقافية بمواقف صلبة كشفت حجم الرفض الشعبي لمشروع الهيمنة الحوثية.
في البُعد السياسي–الثقافي، تتجلى المقاومة كجزء من معركة طويلة ومصيرية للحفاظ على الدولة اليمنية الحديثة. فقد أدركت النخب أن الحوثيين لا يستهدفون السلطة فحسب، بل يسعون لإعادة صياغة المجتمع ذاته ليصبح أسيراً لرؤيتهم الضيقة القائمة على التمييز السلالي وإقصاء أي صوت وطني خارج منظومتهم. هذا الإدراك جعل المثقفين والكتاب والإعلاميين يتصدّون بحزم لأي محاولة لفرض خطاب الجماعة أو تمرير مشروعها على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
وتعدّ المنظومة التعليمية أخطر حلقات هذا المشروع الحوثي. فمنذ سيطرة الجماعة على مؤسسات التعليم في صنعاء ومناطق أخرى، عمدت إلى إعادة صياغة المناهج بما يخدم رؤيتها الطائفية، مستخدمةً المدارس كأدوات للتجنيد الفكري، ومحو قيم الجمهورية، وتحويل الوعي الطلابي إلى نسخ مشوهة من الولاء العقائدي والسياسي. لقد تحولت المدارس، التي يفترض أن تكون فضاءات للتفكير الحر والمعرفة، إلى ساحات لفرض شعارات الجماعة وترويج رموزها، في انتهاك صارخ لمعايير التربية والتعليم.
ولم تمر هذه المحاولات مرور الكرام. فالنخب اليمنية، من أكاديميين وتربويين وإعلاميين، دقّت ناقوس الخطر منذ وقت مبكر، محذّرة من أن استهداف التعليم ليس مجرد تعديل شكلي للمناهج، بل خطوة استراتيجية لإنتاج جيل مسلوب الإرادة، محروم من القدرة على النقد، ومقصي عن الانخراط في مشروع الدولة اليمنية الموحدة. وقد شكّل هذا الرفض الواسع أحد أهم خطوط الدفاع ضد المشروع الحوثي وأسهم في إبقاء الوعي الوطني حيّاً رغم الظروف القاسية.
كما مثّلت ثورة الثاني من ديسمبر محطة مفصلية في هذا السياق. فخروج آلاف اليمنيين ضد هيمنة الحوثيين لم يكن مجرد حدث احتجاجي عابر، بل تعبيراً مباشراً عن رفض شعبي ونخبوي عميق لمحاولات طمس الهوية وتدمير مؤسسات الدولة. وأظهرت تلك اللحظة أن اليمنيين، مهما تباعدت جغرافيتهم وتنوعت انتماءاتهم، يتقاسمون رفضاً راسخاً لأي مشروع يستهدف وجودهم الجمعي أو يختطف مستقبل أبنائهم.
إلى جانب ذلك، لعب الإعلام الوطني الحر دوراً محورياً في فضح مخططات الحوثيين ومعركتهم لإعادة تشكيل الوعي العام. فقد تحولت الصحافة والمواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مقاومة فاعلة، تكشف الانتهاكات وتفضح زيف الشعارات التي تحاول الجماعة تسويقها. ورغم القمع والاعتقالات والتهديدات، واصل كثير من الصحفيين أداء دورهم بشجاعة.
في المحصلة، يثبت المشهد اليمني اليوم أن مواجهة الحوثيين لم تكن عسكرية فقط، بل معركة وجود سياسي وثقافي وفكري. وأن النخب، بوقوفها في وجه هذا المشروع، أسهمت في حماية ما تبقى من الدولة والهوية. وما لم تتوقف الجماعة عن العبث بالتعليم والمؤسسات، ستظل المقاومة الثقافية والسياسية ضرورة وطنية ملحّة، إذ لا يمكن بناء مستقبل على مشروع يقوم على الإقصاء والتجهيل وتحويل الدولة إلى كيان تابع لعصابة سلالية مغلقة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news