المواقف التي أبدتها "الإدارة الذاتية" الكردية تجاه "الإعلان الدستوري" وتشكيل الحكومة الجديدة في دمشق لا تعني، وفق مراقبين، أن الاتفاق الذي تم توقيعه مؤخرا بين قائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، مظلوم عبدي والرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع "يراوح في مكانه" ولا يسير على ما يرام.
على العكس من ذلك، يعتبر الأكاديمي السوري المقيم في القامشلي، فريد سعدون في حديثه لموقع "الحرة" أن المعارضة التي أبدتها "الإدارة الذاتية" لن يكون لها تأثير كبير على الاتفاق الموقع في مارس.
ويضيف الباحث السوري في مركز "عمران للدراسات الاستراتيجية"، أسامة شيخ علي لموقع "الحرة" أن ما اتفق عليه عبدي والشرع "شيء" والمواقف التي أبدتها الإدارة الذاتية "شيء آخر". بمعنى أن اتفاق مارس كان "أمنيا عسكريا"، وبالتالي ليس بالضرورة أن يشمل ما يطلق من تصريحات في الساحة السياسية.
علاوة على ذلك، يشير المراقبان الاثنان إلى الاتفاقية التي وقعتها "قسد" مع إدارة أحمد الشرع بخصوص حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، يوم الاثنين، ويقولان إنها تعطي مؤشرا على أن الطرفان يسيران باتجاه تثبيت البنود التي اتفقا عليها في دمشق على الأرض.
الاتفاقية التي جرت بين "المجلس المدني لحيي الأشرفية والشيخ مقصود" واللجنة المكلفة من رئاسة الجمهورية حملت 14 بندا، ونصت الغالبية منها على تثبيت حالة الاستقرار في الحيين وتثبيت الأمن، وتنسيق حركة التنقل بين مدينة حلب ومناطق شمال وشرق سوريا.
كما نصت على منح الحيين (يقطن فيهما غالبية كردية) حق التمثيل العادل في مجلس محافظة حلب وغرف التجارة والصناعة وسائر القطاعات، وفقا للقوانين النافذة.
لكن وبالعودة إلى "الإدارة الذاتية" الكردية، فقد أصدرت بعد ساعات من تشكيل الحكومة في دمشق، يوم السبت، بيانا انتقدتها فيه، ووصفتها بأنها "لا تراعي التنوع"، وأكدت أنها "لن تنفذ مستقبلا قراراتها".
وجاء الموقف المذكور استكمالا لآخر أصدرته "الإدارة الذاتية"، قبل أسبوع، ووصفت فيه الإعلان الدستوري الصادر من دمشق بأنه "مماثل لسياسات حزب البعث السابقة"، معتبرة أنه يفتقر إلى "معايير التنوع الوطني السوري، ويخلو من بصمة أبناء سوريا من الأكراد والعرب والسريان والآشوريين وغيرهم من المكونات".
ما وراء التضارب؟
وبالنظر إلى المواقف التي أبدتها "الإدارة الذاتية"، خلال الأيام الماضية، وما سبقها من اتفاق من 8 بنود بين قائد "قسد"، مظلوم عبدي وأحمد الشرع سرعان ما ترتسم حالة من التضارب الحاصل على صعيد المواقف والرؤى.
فمثلا تشي تصريحات مسؤولي "الإدارة الذاتية" بشأن الإعلان الدستوري والحكومة بأنهم سيظلون بعيدون وعلى قطيعة إزاء أي خطوة يتم الإعلان عنها من قبل الإدارة في دمشق، دون تنسيق وتوافق معهم.
لكن في المقابل كان اتفاق عبدي والشرع قد أسس لمرحلة مفصلية على صعيد المشهد السوري في مرحلة ما بعد سقوط الأسد وعلى مستوى علاقة دمشق المركز بالأطراف الكردية، التي تنشط عسكريا وسياسيا ومدنيا في شمال وشرق سوريا، منذ سنوات.
ويوضح الباحث شيخ علي أن اتفاق عبدي والشرع الذي تم توقيعه في العاشر من مارس الماضي كان "أمنيا عسكريا وليس سياسيا".
ويقول لموقع "الحرة" إن "ما نراه من تضارب في أعقاب الإعلان الدستوري وتشكيل الحكومة يمكن اعتباره بمثابة تسجيل مواقف سياسية. وهو أمر طبيعي جدا".
وبعد رفض "الإدارة الذاتية" التعامل مع الحكومة السورية الجديدة ذكر قائد "قسد"، مظلوم عبدي أنه سيدعم الاستقرار في سوريا، ولن ينجر للعنف، وسيحاول حل الأمور مع دمشق بشكل سلمي.
وتدل هذه الكلمات التي أطلقها عبدي على أن "الاتفاق الذي وقعه مع الشرع ما يزال ثابتا"، بحسب الباحث السوري، شيخ علي.
ويعتقد الأكاديمي السوري، فريد سعدون أنه المعارضة التي تبديها "الإدارة الذاتية" لن يكون لها تأثير كبير على اتفاق الرجلين (عبدي والشرع)، ويقول إن "الاتفاق ما يزال ضمن الخطوط العامة، ولا يشمل مناقشة كل القضايا الشائكة والعالقة".
وبين دمشق و"قسد" جملة من القضايا العالقة والإشكالية، وكان من المفترض أن تناقش وتخصص لها لجان لوضع المعايير والإطار الخاص، الذي من شأنه أن يقود إلى محطة الاتفاق الشامل، وفق سعدون.
وأعلنت دمشق و"قسد"، قبل أسبوعين، تشكيل لجان لتثبيت ومناقشة البنود التي اتفق عليها عبدي والشرع في دمشق. وجاء ذلك بعد اجتماع ضم مسؤولين في مدينة القامشلي شرق سوريا.
ومن المقرر أن تتولى هذه اللجان المهمة الصعبة القائمة على بحث آلية تنفيذ بنود الاتفاق وبحث تفاصيل القضايا العالقة، في أجل لا يتجاوز نهاية العام الحالي.
ما بنود اتفاق عبدي والشرع؟
وتضمن نص الاتفاق بين عبدي والشرع ثمانية بنود أولها "ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولية بناء على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية".
كما أكد أن "المجتمع الكردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة، وكافة حقوقه الدستورية".
ومن بنود الاتفاق دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة المرحلة الانتقالية، بما في ذلك المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.
وإلى جانب وقف إطلاق النار، ينص على "ضمان عودة كافة المهجرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم، وتأمين حمايتهم من الدولة السورية".
وبموجب الاتفاق أيضا، تدعم "قسد" إدارة المرحلة الانتقالية في مواجهتها لما سمتها "فلول الأسد"، و"كافة التهديدات التي تهدد أمنها (الدولة) ووحدتها".
ونص الاتفاق على "رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين كافة مكونات المجتمع السوري"، وأسند البند الأخير منه مهمة تطبيقه في أجل لا يتجاوز نهاية العام الحالي.
"براغماتية"
ويعتبر الباحث شيخ علي أن "قسد" لديها براغماتية وتدرك التحولات الجيوسياسية في الإقليم والرغبة الدولية والإقليمية لدعم الاستقرار في سوريا.
وعلى أساس ذلك، يعتقد أنها "ستوقع عدة اتفاقيات أمنية مع دمشق وهو حصل في حيي الأشرفية والشيخ مقصود"، يوم الاثنين.
وتشير المعطيات القائمة في الوقت الحالي إلى أن الاتفاقيات قد تتوالى أيضا لتشمل مناطق أخرى في الأيام المقبلة، دون أن يعني ذلك وجود توافق سياسي شامل.
وقد تنخرط في الاتفاقيات الخاصة بدمشق و"قسد" أيضا الجانب التركي، على صعيد وقف إطلاق النار على عدة جبهات في شمال وشرق سوريا، وفق الباحث السوري.
وفي المقابل يؤكد شيخ علي على فكرة أن وجود معارضة سياسية من جانب "الإدارة الذاتية" هو "أمر طبيعي". ويوضح بالقول: "ومن غير المتوقع أن تتوافق الإدارة وحزب الاتحاد الديمقراطي سياسيا مع دمشق، وكذلك الأمر مع أي طرف سياسي آخر".
كما يضيف أن "قسد" تهيئ الآن الحاضنة الشعبية وترتب صفوفها لتعيد إنتاج نفسها بطريقة سياسية أخرى، ولكي تتحول لحزب سياسي سيكون له وزن.
"هم لديهم خبرة قوية في تحشيد الشارع، وبالتالي سنشهد في قادم الأيام عملا سياسيا أكثر مقابل في مقابل تراجع العمليات الأمنية والعسكرية حتى انتهائها"، بحسب شيخ علي.
ويشير الأكاديمي سعدون إلى أن "قسد" كانت على علم بشكل "اللون الواحد" الذي جاءت فيه الحكومة السورية الجديدة، وذلك بناء على عدة مؤشرات أولها خطوة تنظيم "المؤتمر الوطني" في دمشق والحالة التي ظهر بها.
وكان لدى "قسد" أيضا إشارات واضحة على أن الحكومة لن تشملها أو تشمل أي طرف سياسي آخر، بعيدا عن "هيئة تحرير الشام"، ومن يدينون لها.
ولإدارة الشرع رؤية بأنها تشهد في الوقت الحالي مرحلة تأسيسية وانتقالية، وبالتالي "يجب أن يكون هناك تحكم في إدارة البلاد كي لا تحدث أي فوضى قد تصل إلى حد انفلات البلاد"، يضيف سعدون.
وبمعنى آخر لدى الشرع فكرة بأن البداية يجب أن تستهدف إحكام السيطرة على البلاد وإخضاع سوريا لحكومة مركزية، على أن يتم التوجه بعد ذلك لتشكيل حكومة تعددية وتشاركية، ويتابع الأكاديمي حديثه بالقول: "هم يركزون على ذلك.. و(قسد) تعي ذلك من منطلق ضرورة وجود حكومة تسيطر على كل سوريا".
ما المتوقع؟
ويتوقع الباحث السوري شيخ علي أنه سيتم حل الإشكاليات الأمنية والعسكرية بين "قسد" وإدارة الشرع في دمشق، ويقول إن سوريا قد تشهد اتفاقيات قادمة قد تنخرط فيها تركيا، لتثبت وقف شامل لإطلاق النار.
وتوقفت العمليات العسكرية بشكل شبه كامل خلال الأيام الماضية على جبهة سد تشرين، واتجهت "قسد" بالأمس إلى تفجير ألغام على خطوط التماس الداخلية.
ويرى الباحث أن كل ما سبق يعطي مؤشرا على "أننا نتجه لتقارب أكثر بين قسد ودمشق ولدعم أكثر على صعيد تثبيت الاستقرار، بعيدا عن خيار العنف والسلاح"، دون أن يستبعد شيخ علي أن تظل المعارضة السياسية قائمة بشكل طبيعي.
ويوضح الأكاديمي سعدون أن اتفاق عبدي والشرع سيستمر، ويقول إن الاتفاق الذي حصل في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب "مؤشر على أن البنود التي كتبت في دمشق (8 مارس) تسير بخطى حثيثة للاكتمال".
ولن تكون المناطق الواقعة في شرق نهر الفرات "استثناء" عن حيي الأشرفية والشيخ مقصود، ويتابع سعدون: "الأمر يحتاج لبعض الوقت، لكي تتم مناقشة البنود العامة بشكل مستفيض من قبل اللجان المشكلة بين الطرفين".
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news