تتوالى الأزمات الخدمية والمعيشية على كاهل مواطني مدينة عدن، المعلنة عاصمة مؤقتة (جنوبي اليمن)، ففي الوقت الذي لم تتوقف فيه الاحتجاجات الشعبية المنددة بانهيار قطاع الكهرباء، برزت أزمة جفاف خانقة ضربت شريان الحياة الرئيسي في المدينة، متمثلة بانقطاع مياه الشرب لأسابيع متواصلة عن منازل المواطنين.
وطبقاً لمواطنين تحدثوا لـ "بران برس"، شهدت المدينة انقطاعًا واسعًا في إمدادات المياه عن الأحياء السكنية لأسابيع متواصلة، الأمر الذي دفع السكان إلى تنظيم وقفات احتجاجية للمطالبة بإيجاد حلول عاجلة للأزمة التي طالت مختلف مديريات المدينة بدرجات متفاوتة.
وبينما تعاني بعض المناطق من شح المياه منذ سنوات، وجدت أحياء أخرى نفسها أمام انقطاعات طويلة وغير مسبوقة، ما فاقم الأعباء المعيشية للسكان، وجعل الحصول على المياه إحدى أبرز التحديات اليومية التي تواجههم.
وفي مديرية "البريقة"، نظم عشرات المواطنين وقفة احتجاجية في منطقة السوق القديم "سي كلاس" بجوار ساحة نادي الشعلة الرياضي، للمطالبة بإعادة ضخ المياه إلى منازلهم بعد أشهر من الانقطاع.
وخلال الوقفة، طالب المحتجون القائم بأعمال مدير المديرية، "أحمد الداؤودي"، بالتدخل العاجل لمعالجة الأزمة، مؤكدين أن المياه تمثل أولوية قصوى بالنسبة لهم في ظل الظروف الراهنة.
وقال عدد من المواطنين لـ"بران برس" إن خدمة المياه كانت تصل إلى منازلهم بشكل منتظم، وإن بكميات محدودة، حتى قبل نحو عامين، إلا أن الانقطاعات بدأت تتكرر بصورة أكبر منذ مطلع العام 2026، قبل أن تتحول إلى انقطاع شبه كامل في عدد من الأحياء.
وشدد المحتجون على ضرورة وضع أزمة المياه في صدارة أولويات السلطات المحلية، معتبرين أن توفير المياه يمثل أساس الحياة اليومية ولا يمكن تأجيل معالجته لصالح قضايا خدمية أخرى.
سوء إدارة في كريتر
وفي مديرية صيرة، (كريتر)، عادت أزمة المياه لتلقي بظلالها على سكان منطقتي العيدروس وشِعب العيدروس في مدينة كريتر، حيث شهدت الأحياء انقطاعًا متكررًا للخدمة خلال شهري مايو/أيار الماضي ويونيو/حزيران الجاري، ما أثار استياءً واسعًا بين الأهالي.
ووجّه سكان في المنطقة اتهامات إلى المؤسسة المحلية للمياه بعدم تشغيل المضخات التي جرى توفيرها ضمن مشروع نفذ بدعم من منظمة مانحة ومساهمات من فاعلي خير، مؤكدين أن ذلك حال دون وصول المياه إلى منازلهم رغم توفر البنية اللازمة للضخ.
وقال الناشط المجتمعي وأحد سكان المنطقة، "سامي العدني"، لـ"بران برس"، إن أزمة المياه في العيدروس "ليست جديدة"، مشيرًا إلى أن الوضع في كريتر يتسم بخصوصية وتعقيدات مرتبطة بطبيعة شبكة التوزيع وارتفاع بعض المناطق السكنية.
وأوضح أن المياه كانت تصل إلى المنازل بشكل متقطع يومًا وتنقطع في اليوم التالي، قبل أن يتوصل الأهالي إلى اتفاق مع مؤسسة المياه لإعادة تنظيم عملية الضخ ومعالجة عدد من الإشكالات القائمة في المنطقة.
وبحسب "العدني"، تضمن الاتفاق إنشاء خزّان لتجميع المياه وإعادة ضخها إلى "منطقتي العيدروس وشِعب العيدروس"، وهو مشروع جرى تنفيذه بتنسيق بين المؤسسة والسلطة المحلية والأهالي، فيما تكفلت إحدى المنظمات بإنشاء الخزّان، وساهم أحد التجار بتوفير المضخات اللازمة لتشغيله.
غير أن "العدني" أرجع استمرار الأزمة إلى ما وصفه بضعف إدارة المشروع، موضحًا أن العاملين المكلفين بالإشراف على تشغيل الخزّان والمضخات يفتقرون إلى الخبرة الفنية اللازمة لإجراء أعمال الصيانة الدورية وتنظيف الفلاتر، الأمر الذي انعكس سلبًا على كفاءة التشغيل.
وأضاف أن الخزّان يكون ممتلئًا بالمياه في كثير من الأحيان، لكن عملية الضخ إلى الأحياء المستهدفة لا تتم بصورة منتظمة، ما يؤدي إلى استمرار الانقطاعات رغم توفر المياه داخل الخزّان.
وأشار إلى أن إحدى المضخات تعطلت بشكل كامل نتيجة الإهمال، فيما تراجعت كفاءة المضخات الأخرى بصورة ملحوظة، لافتًا إلى أن الخلافات بين الجهات المعنية، بحسب قوله، حالت دون تنفيذ أعمال صيانة دورية أو شاملة للمعدات منذ بدء تشغيل المشروع.
وأكد "العدني" أن مطالب السكان تقتصر على الحصول على خدمة المياه بصورة منتظمة، داعيًا إلى فتح تحقيق في أسباب تعثر المشروع وآلية إدارته.
ويرى أن أزمة المياه لم تعد مقتصرة على كريتر، بل تمتد إلى مختلف مديريات عدن، في ظل استمرار تراجع مستوى الخدمة رغم المشاريع والتمويلات التي خُصصت خلال السنوات الماضية لتحسين قطاع المياه في المدينة.
"القلوعة" تبحث عن حل
وفي منطقة "القلوعة" الواقعة بين مديريتي التواهي والمعلا، تتواصل معاناة السكان مع أزمة مياه يقول الأهالي إنها "أصبحت جزءًا من حياتهم اليومية بعد سنوات من الانقطاعات المتكررة التي تزداد حدتها مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة".
وناشد سكان المنطقة السلطات المحلية التدخل العاجل لمعالجة الأزمة، مؤكدين أن خدمة المياه تشهد تراجعًا مستمرًا منذ سنوات دون حلول جذرية تنهي معاناتهم أو تضمن استقرار الخدمة بصورة منتظمة.
وقال عدد من الأهالي لـ"بران برس" إن القلوعة تواجه انقطاعات متكررة للمياه، الأمر الذي يضع مئات الأسر أمام تحديات يومية لتأمين احتياجاتها الأساسية، خاصة خلال فترات الحر الشديد التي يرتفع فيها الطلب على المياه.
وأشار السكان إلى أن الأزمة انعكست بصورة مباشرة على الأوضاع المعيشية للأسر، حيث باتت بعض العائلات تواجه صعوبات كبيرة في الحصول على كميات كافية من المياه للاستخدامات المنزلية، في حين تعجز أسر أخرى عن تحمل تكاليف شراء المياه المنقولة عبر الوايتات أو خزانات البيع الخاصة.
ومع استمرار الأزمة، تتزايد المخاوف لدى الأهالي من تفاقم الأوضاع الإنسانية والخدمية في المنطقة، خصوصًا في ظل غياب توضيحات رسمية بشأن الأسباب التي تحول دون انتظام وصول المياه إلى السكان.
وطالب المواطنون الجهات المعنية بالكشف عن المشكلات التي تعيق إيصال الخدمة إلى المنطقة، والعمل على تنفيذ معالجات عاجلة ومستدامة تضع حدًا للأزمة المتكررة، مؤكدين أن الحلول المؤقتة لم تعد كافية أمام اتساع حجم المعاناة.
وفي ختام حديثهم لـ"بران برس"، وصف أهالي القلوعة ملف المياه بأنه القضية الخدمية الأكثر إلحاحًا بالنسبة لهم، داعين السلطات المحلية والمؤسسة المعنية إلى اتخاذ خطوات جادة تضمن وصول المياه بصورة منتظمة وتحفظ للسكان حقهم في الحصول على إحدى أهم الخدمات الأساسية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news