تشهد محافظة إب (وسط اليمن)، الخاضعة بقوة السلاح لسيطرة جماعة الحوثي المصنفة دوليا في قوائم الإرهاب، منذ عام 2014، تصاعدًا لافتًا في جرائم القتل والعنف المسلح، في ظل انتشار السلاح والمخدرات وتراجع فاعلية الأجهزة الأمنية والمؤسسات القضائية.
وخلال أيام عيد الأضحى المبارك فقط، قُتل وأُصيب أكثر من 10 أشخاص في سلسلة حوادث دموية شهدتها عدة مديريات بالمحافظة، منها الظهار والمشنة ومذيخرة والسياني والسبرة والمخادر، وفق ما أكدته مصادر محلية لـ“برّان برس”.
وقال سكان وحقوقيون إن المحافظة، التي عُرفت تاريخيًا بالسلم الاجتماعي والتعايش، شهدت خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في جرائم القتل والثأر والعنف المسلح، حتى باتت من أكثر المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تسجيلًا لمثل هذه الجرائم.
نماذج للحوادث
خلال الأيام الأولى من عيد الأضحى، شهدت عددًا من المديريات في المحافظة حوادث قتل واعتداءات مسلحة خلفت قتلى وجرحى، مما عكّر أجواء العيد، وأثار قلق السكان.
ففي منطقة المعاين غرب مدينة إب، اندلعت مواجهات مسلحة بين الشاب عبدالرحمن مخارش وحملة حوثية كانت تحاول القبض عليه، ما أسفرت عن مقتل ضابط حوثي كان يعمل في إدارة أمن مديرية الظهار وإصابة ثلاثة آخرين، قبل أن يُقتل مخارش خلال المواجهات.
وفي حادثة أخرى، قُتل الشاب وزير قاسم القاسمي وأصيب بشار محمد علوان برصاص مسلح حوثي يُدعى عصام الرفاعي، إثر خلافات مرتبطة بجبايات القات، وفق مصادر محلية.
وفي مديرية السياني جنوب المحافظة، قُتل الشاب عمر الباشا على يد شقيقه معاوية في قرية عثارب، في واحدة من صور العنف الأسري والخلافات العائلية التي تنتهي أحيانًا بجرائم قتل.
كما قُتل الشاب عارف سعيد محمد وأصيب آخر في إطلاق نار تعرضا له بمديرية السبرة جنوب شرق المحافظة.
وفي السياني أيضًا، تعرض منزل المواطن محمد عبده علي لهجوم مسلح ليلًا في قرية العموقين. وطبقًا لمصادر محلية، نفذ الهجوم مسلحون مرتبطون بقيادات حوثية ضمن سلسلة اعتداءات استهدفت منازل سكان المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
وامتدت الفوضى إلى مديرية الظهار، حيث طاردت جماعة الحوثي عددًا من المواطنين وأئمة المساجد في منطقة ذي عامرة، واختطفت بعضهم على خلفية إقامة صلاة الغائب على الرئيس اليمني الراحل عبدربه منصور هادي.
وفي مديرية المخادر شمال المحافظة، طالت اعتداءات متفرقة شخصيات اجتماعية وقضائية؛ إذ أقدم مجهولون في منطقة السحول قرب سوق السبت على تحطيم سيارة القاضي محمد غانم الشبيبي أمام منزله، وذلك بعد يوم من إلقاء قنبلة على سيارة الشيخ عبدالله حبيب في المنطقة ذاتها، بحسب مصادر محلية.
وفي أحدث الجرائم، قُتل المواطن وليد النظاري طعنًا بآلة حادة داخل مسجد الرحمن في منطقة سائلة جبلة قبيل صلاة المغرب. وأفادت مصادر محلية بأن المتهم هو ابن شقيقته، الذي أقدم أيضًا على طعن زوجة أخيه وإصابتها بجروح خطيرة، فيما لا تزال دوافع الجريمة غير معروفة.
ويرى حقوقيون وناشطون أن تكرار هذه الحوادث واتساع نطاقها يظهر حجم التدهور الأمني والاجتماعي الذي تشهده المحافظة منذ سيطرة الحوثيين عليها قبل أكثر من عقد.
جرائم ممنهجة
وفي هذا السياق، يرى عرفات حمران، رئيس منظمة رصد للحقوق والحريات، أن ما تشهده إب اليوم هو نتاج “سياسة ممنهجة تتبعها جماعة الحوثي بهدف تفكيك النسيج المجتمعي لأبناء المحافظة”، معتبرًا أن الجماعة لا تمتلك حاضنة شعبية في إب، وأن أبناء المحافظة يرفضون أفكارها الطائفية الدخيلة.
واتهم حمران الجماعة بإدارة جرائم القتل بشكل مباشر، وقال لـ“برّان برس” إن هذه الجرائم يرتكبها “إما حوثيون أو متحوثون، فالسلاح المنتشر في المحافظة لا يوجد إلا مع الحوثيين أو من يناصرهم، وجميعهم خضعوا لدورات طائفية، ويتبعون الجماعة مباشرة”.
وأضاف أن “هذه الجرائم ليست فردية أو عشوائية، وإنما ممنهجة، وإن جاء بعضها نتيجة مشاكل أسرية أو غيرها، لكن العامل الحوثي ونشر السلاح وتعطيل مؤسسات إنفاذ القانون وعدم تنفيذ الأحكام القضائية شجع الناس على ارتكابها”.
وأشار أيضًا إلى أن الوضع الاقتصادي المتدهور وانتشار المخدرات بين الشباب أسهما في زيادة جرائم القتل والعنف داخل المحافظة.
واعتبر أن انتشار السلاح يمثل أحد أهم أسباب جرائم القتل والإصابة، موضحًا أن الحوثيين نشروا كميات كبيرة من الأسلحة، وعملوا على تسليح العديد من القبائل والأسر، خاصة الموالية لهم، وشجعوا الفوضى، وافتعلوا نزاعات على الأراضي وخلافات أسرية وقضايا ميراث، ما أسهم في توسيع دائرة العنف.
تفكيك النسيج المجتمعي
ويتفق الناشط الحقوقي أحمد هزاع مع ما طرحه حمران، قائلًا إن استهداف الحوثيين لمحافظة إب تحديدًا يعود إلى عدم امتلاكهم حاضنة شعبية فيها، ما يدفعهم لمحاولة إخضاع المجتمع بالقوة.
وأضاف لـ“برّان برس” أن هناك عملًا حوثيًا ممنهجًا لتفكيك النسيج المجتمعي عبر نشر السلاح، وتغذية الصراعات، واستقطاب الشباب إلى الدورات الصيفية والتعبوية، التي قال إنها حولت الكثير منهم إلى “قنابل موقوتة”.
وقال إن الكثير من جرائم القتل، خصوصًا الجرائم الأسرية، نفذها شباب عادوا من دورات التجنيد الحوثية، مضيفًا أن الأمر وصل في بعض الحالات إلى أن يقتل الابن والده باستخدام الخنجر (الجنبية) أو بالمعول وتهشيم الرأس، وهي مظاهر عنف لم يشهدها المجتمع اليمني من قبل.
وأكد هزاع أن جماعة الحوثي تغذي هذه الصراعات منذ انقلابها، وتواصل العمل بهذا النهج بهدف تشتيت المجتمع وإشغاله بصراعات داخلية، بعيدًا عن “الأهداف الحقيقية المتمثلة بتحرير المحافظة من قبضتها”.
تغييب القضاء وتبييض الجرائم
وبالتوازي مع انتشار السلاح، يربط حمران تصاعد الجريمة في إب بتراجع دور القضاء وتعطيل مؤسسات العدالة. وقال إن الحوثيين يتعاملون مع جرائم القتل ببرود ومماطلة، الأمر الذي شجع المواطنين على حمل السلاح والانتقام لأنفسهم، بعد فقدان الثقة بقدرة القضاء على إنصافهم.
وأضاف أن أعداد من يحملون السلاح اليوم في المحافظة أصبحت أكبر من أعداد منتسبي الجيش والأمن والشرطة سابقًا.
ويرى حمران، أن الجماعة لا ترغب في استقرار المحافظة؛ خشية أن تتجه أنظار السكان إلى ما تمارسه من فساد وجرائم، بما قد يؤدي إلى تصاعد السخط الشعبي ضدها، ولهذا قال إن الحوثيين يرتكبون جريمة داخل المحافظة “كل ساعتين تقريبًا”.
ووفقًا لحمران، فإن “الحوثيين حولوا إب الخضراء والهادئة والجميلة إلى ساحة فوضى ووكر للجريمة”، مضيفًا أن المحافظة عُرفت تاريخيًا بالانسجام والتعايش والسلم الاجتماعي، وهو دفع الجماعة لإشعال الصراعات في المحافظة وتمزيق نسيجها الاجتماعي وفق سياسة “فرّق تسد“.
ومن أسباب تزايد الجرائم في إب، وفق حمران، “غياب القضاء”، موضحًا أن الجماعة استبدلت القضاة وأعضاء المحاكم والنيابات بآخرين لا خبرة لهم في القانون أو الأعراف والقيم الاجتماعية.
وقال إن الكثير من القتلة فارين من وجه العدالة، وكثير منهم أصبحوا مرافقين لمشرفين حوثيين، مضيفًا أن هؤلاء يرتمون في أحضان المشرفين الحوثيين ويعملون مرافقين لهم، ويقتلون ويعتدون على من يريد المشرف مقابل حمايتهم”.
وأضاف: "في إب أصبح حاميها حراميها، فالقضاء مسيس، وتطول إجراءات التقاضي ولا يُفصل في القضايا، ما يضطر المواطن إلى أخذ حقه بيده بعد أن عجز عن الحصول عليه عبر القضاء.
وذكر أن بعض المشرفين والقيادات الحوثية يتدخلون في بعض القضايا، لكنهم “ينحازون لطرف على حساب آخر، ويأكلون حقوق الآخرين، ولم يفصلوا قضية واحدة حتى اليوم”.
واختتم حديثه قائلًا: “الفوضى في إب ممنهجة منذ دخول الحوثيين المحافظة، وهم يعملون على تبييض القضايا الأمنية وقضايا القتل وقضايا الثأر، ويديرون فوضى كبيرة في هذا الجانب”.
إذكاء الصراع
من جانبه، حمّل إبراهيم عسقين، مستشار محافظ إب لشؤون الإعلام، جماعة الحوثي مسؤولية الأوضاع التي تشهدها المحافظة، باعتبارها الجهة المسيطرة على مؤسسات الدولة فيها.
وقال لـ“برّان برس” إن المشرفين الحوثيين باتوا يتحكمون بالأجهزة الأمنية ومؤسسات القضاء بعد أن أزاحوا رجال الدولة والقانون واستبدلوهم بآخرين غير أكفاء، ما تسبب بتراجع فاعلية تلك المؤسسات وأضعف قدرتها على إنفاذ القانون.
وأضاف أن هذا الواقع أخل بمنظومة العدالة، ودفع كثيرًا من المواطنين إلى محاولة استعادة حقوقهم بوسائلهم الخاصة.
واتفق عسقين مع أن الانفلات الأمني وانتشار السلاح يمثلان سببًا مباشرًا في تزايد الجرائم والانتهاكات، بما فيها جرائم القتل.
وأكد أن الحوثيين يعملون على إذكاء الصراعات بين أبناء المحافظة بمختلف الوسائل لإشغالهم بالاقتتال الداخلي؛ مرجعًا ذلك إلى خوف الجماعة من اندلاع حراك شعبي واسع ضدها.
ولفت إلى حادثة “المكحل”، وما أعقبها من موجة غضب شعبي تحولت إلى انتفاضة مزقت أعلام الحوثيين وطمست شعاراتهم.
واتفق بأن تراجع سلطة القانون، وتصاعد العنف المجتمعي وتدهور الأوضاع المعيشية والضغوطات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، كلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات الجريمة.
وأكد عسقين أن محافظة إب لم تشهد جرائم بهذا الحجم وبهذه الوحشية قبل دخول الحوثيين، مضيفًا أن معظم الجرائم يرتكبها أفراد خضعوا لدورات تعبئة فكرية بثقافة العنف والكراهية والقتل.
ومع استمرار تصاعد الجرائم، يعيش سكان إب مخاوف حقيقية من توسع دائرة العنف وتلاشي السلم الاجتماعي الذي تميزت به المحافظة لعقود طويلة، في ظل غياب أي معالجات لأسباب هذه الظاهرة أو الحد من تداعياتها.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news