في كل عام، ومع بداية فصل الصيف، تعود المعاناة ذاتها لتفرض نفسها على حياة المواطنين في عدن والمناطق المحررة، وكأن الزمن توقف عند نقطة واحدة لا تتغير. ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات خانقة، وتبدأ ساعات انقطاع الكهرباء بالتمدد، ويتضاعف استهلاك المياه، وتزداد الأعباء المعيشية، بينما يجد المواطن نفسه وحيدًا في مواجهة واقع يزداد قسوة عامًا بعد آخر.
المؤلم في الأمر أن هذه المعاناة لم تعد طارئة أو استثنائية، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن. فمنذ سنوات طويلة والناس يسمعون الوعود ذاتها، والخطط ذاتها، والتبريرات ذاتها، لكن النتائج على الأرض لا تزال أقل بكثير من حجم التطلعات والاحتياجات.
لقد استقبل المواطنون الحكومة الجديدة بكثير من التفاؤل، على أمل أن يكون التغيير هذه المرة مختلفًا، وأن تنعكس التغييرات السياسية والإدارية على حياتهم اليومية، وأن يشعروا بأن هناك من يعمل بجد لمعالجة الأزمات المتراكمة التي أنهكتهم. لكن الواقع حتى اللحظة لا يقدم ما يكفي لإقناع الناس بأن شيئًا جوهريًا قد تغير.
فالمواطن لا يقيس نجاح الحكومات بعدد الاجتماعات أو البيانات أو المؤتمرات الصحفية، وإنما يقيسه بعدد ساعات الكهرباء التي تصل إلى منزله، وبقدرته على شراء احتياجات أسرته، وبوجود المياه في الأحياء السكنية، وبإمكانية الحصول على خدمة صحية تحفظ كرامته وحياته. وهذه هي المعايير الحقيقية التي يحكم من خلالها الناس على أي سلطة أو حكومة.
في عدن، التي يفترض أنها العاصمة المؤقتة ومركز إدارة الدولة في المناطق المحررة، تبدو المفارقة أكثر إيلامًا. فبدلًا من أن تكون نموذجًا للاستقرار وتحسن الخدمات، أصبحت المدينة عنوانًا لأزمات متلاحقة لا تكاد تنتهي. ساعات طويلة من الانطفاءات الكهربائية في أشد أيام السنة حرارة، وانقطاعات متكررة للمياه، وارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، وتدهور مستمر في قيمة العملة وانعكاس ذلك على حياة المواطنين.
الأسر البسيطة هي الأكثر تضررًا من هذه الأوضاع. فرب الأسرة الذي يتقاضى راتبًا محدودًا أو يعيش على دخل يومي بالكاد يكفي احتياجاته الأساسية، يجد نفسه أمام موجة متواصلة من الارتفاعات السعرية التي لا تتوقف. كل شيء أصبح أكثر كلفة، الغذاء، والمواصلات، والعلاج، والتعليم، وحتى الحصول على الماء أو الكهرباء أصبح يحمل أعباء مالية إضافية.
أما المرضى وكبار السن والأطفال فهم يدفعون الثمن الأكبر. فالحرارة المرتفعة مع انقطاع الكهرباء لا تعني مجرد انزعاج مؤقت، بل قد تتحول إلى خطر حقيقي على حياة الكثيرين، خصوصًا في ظل ضعف الإمكانيات الصحية وارتفاع تكاليف العلاج. ومع كل صيف جديد تتكرر المشاهد ذاتها، مرضى يعانون، وأسر تبحث عن وسائل بديلة للتخفيف من حرارة الطقس، ومواطنون يقضون ساعات طويلة في الظلام والحر دون أن يعرفوا متى تنتهي الأزمة.
ولا تقتصر المعاناة على عدن وحدها، بل تمتد إلى مختلف المناطق المحررة التي تعاني ظروفًا خدمية واقتصادية متشابهة. غير أن عدن تتحمل نصيبًا مضاعفًا من هذه المعاناة، لأنها أصبحت وجهة للنازحين والباحثين عن فرص العمل والعلاج والخدمات من مختلف المحافظات، ما أدى إلى زيادة الضغط على بنية تحتية وخدمات تعاني أصلًا من الضعف والتدهور.
إن ما يزيد من شعور الناس بالإحباط ليس فقط استمرار الأزمات، بل الفجوة الكبيرة بين حجم الوعود وحجم الإنجاز. فكل صيف تسبق الأزمة تصريحات مطمئنة عن حلول قادمة وتحسينات مرتقبة ومشاريع يجري تنفيذها، لكن المواطن لا يرى من ذلك سوى القليل. ولهذا لم تعد المشكلة في غياب الوعود، بل في غياب النتائج التي تمنح تلك الوعود مصداقيتها.
لقد أصبح المواطن في عدن والمناطق المحررة يشعر بأن معاناته تُناقش أكثر مما تُعالج، وأن الأزمات تُدار أكثر مما تُحل. وبينما تستمر التجاذبات السياسية والخلافات بين القوى المختلفة، يبقى المواطن الطرف الأضعف الذي يتحمل النتائج المباشرة لكل تأخير أو فشل أو تقصير.
إن الناس اليوم لا يطالبون بالمستحيل، ولا ينتظرون حلولًا سحرية تنهي سنوات من التراكمات بين ليلة وضحاها، لكنهم يتطلعون إلى رؤية إرادة حقيقية وخطوات عملية واضحة تعيد إليهم شيئًا من الثقة المفقودة. يريدون أن يشعروا بأن معاناتهم أولوية وليست مجرد بند في خطاب أو تصريح إعلامي.
فاستقرار الكهرباء ليس رفاهية، وتوفير المياه ليس امتيازًا، وتحسين الخدمات الصحية ليس منحة، والسيطرة على الأسعار ليست خيارًا ثانويًا. هذه حقوق أساسية يجب أن تكون في مقدمة أولويات أي حكومة تسعى إلى كسب ثقة مواطنيها.
ومع اشتداد حرارة الصيف وتفاقم الضغوط المعيشية، يظل السؤال الذي يتردد على ألسنة المواطنين في عدن والمناطق المحررة: إلى متى سيبقى المواطن يدفع وحده فاتورة الأزمات؟ وإلى متى ستظل الوعود أكبر من الواقع؟
إن أكبر خطر لا يكمن في الأزمة نفسها، بل في اعتياد الناس عليها وفقدانهم الثقة بإمكانية التغيير. فحين يصل المواطن إلى مرحلة لا ينتظر فيها حلولًا ولا يصدق الوعود، تكون الخسارة أكبر من انقطاع خدمة أو تراجع مستوى معيشة؛ إنها خسارة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وحتى اليوم، ما زال المواطن ينتظر ذلك التغيير الذي قيل إنه قادم. ينتظر أن يراه في منزله لا في التصريحات، وفي حياته اليومية لا في البيانات الرسمية، وفي الخدمات التي يحصل عليها لا في الوعود التي يسمعها. فالتغيير الحقيقي لا يُقاس بما يقال، بل بما يعيشه الناس على أرض الواقع.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news