آ
في صباح يوم الخميس 28 مايو 2026، أعلنت مجلس القيادة الرئاسي آ وفاة الرئيس الأسبق المشير الوحدوي عبد ربه منصور هادي في العاصمة السعودية الرياض إثر أزمة صحية مفاجئة، عن عمر ناهز 81 عامًا وفي يوم الجمعة 29 مايو وري جثمانه الثرى..
بهذا الرحيل، أغلقت صفحة سياسية معقدة ارتبطت بأكثر من عقد من التحولات والصراعات في واحدة من أكثر دول المنطقة تمزقاً داخلياً وتدخلاً إقليمياً.
في هذا التقريرآ نقدمآ قراءة متكاملة في مسيرة الراحل، أبعادها العسكرية والسياسية، ومحطاتها المفصلية التي تجلت في توليه الحكم بعد ربيع 2011، ومواجهته لانقلاب 2014، واستجابته لانهيار الدولة بطريقته الخاصة، قبل أن يقرر التنحي في 2022 ليفتح الباب أمام مرحلة جديدة لا تزال تداعياتها قائمة.
آ
المولد والنشأة والتكوين العسكري
وُلِد عبد ربه منصور هادي في 1 سبتمبر 1945 في قرية ذكين التابعة لمديرية الوضيع بمحافظة أبين، جنوب اليمن. نشأ وترعرع في بيئة جنوبية عرفت التدريب العسكري المنظم منذ عهد الاستعمار البريطاني.
تخرج عام 1964 في مدرسة "جيش محمية عدن" العسكرية، ثم التحق بأكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية في بريطانيا وتخرج منها عام 1966. تدرج في المناصب العسكرية بجنوب اليمن قبل الوحدة اليمنية عام 1990، وبات من أبرز القيادات العسكرية التي انتقلت للعمل في مؤسسات الدولة اليمنية الموحدة.
آ
آ المسيرة العسكرية والسياسية قبل الرئاسة
آ
انخرط هادي مبكراً في العمل العسكري جنوب اليمن، وتدرج في المناصب حتى أصبح رئيساً لدائرة الإمداد والتموين العسكري، ثم نائباً لرئيس الأركان لشؤون الإمداد والإدارة معنيًا بالتنظيم والبناء العسكري.
ورغم انتمائه للجنوب، فإن موقعه في السلطة لم يظهر بقوة إلا بعد حرب صيف 1994 بين شريكي الوحدة (الحكومة اليمنية بقيادة علي عبد الله صالح والحزب الاشتراكي اليمني)، حيث انحاز هادي إلى صالح في تلك الحرب، وهو ما عزز موقعه وأدى إلى تعيينه نائباً للرئيس في أكتوبر 1994.
في ذلك العام نفسه، تولى هادي أيضًا منصب وزير الدفاع لفترة قصيرة بين مايو وأكتوبر 1994.
آ الرجل "الهادئ" في ظل صالح
وظل هادي في منصب نائب الرئيس لما يقارب 18 عامًا، في واحدة من أطول فترات النيابة السياسية في المنطقة العربية.
طوال تلك الفترة ظل بعيدًا نسبيًا عن دائرة الضوء الإعلامي والسياسي، مقارنة بالرئيس صالح وشبكة مراكز القوى المحيطة به.
ارتبط اسمه في الشارع اليمني بصورة الرجل الهادئ والغامض، الذي نادرًا ما دخل في صدامات علنية مع مختلف الأطراف السياسية والقبلية.
هذه الخلفية جعلت منه شخصية محايدة نسبيًا في الصراعات الداخلية، مما أهّله للعب دور التوافقي في الفترة الانتقالية بعد ربيع 2011.
آ
آ الوصول إلى الرئاسة من بوابة المبادرة الخليجية
مع اندلاع ما سمي بالربيع العربيآ الساعي لاسقاط الأنظمةآ دخل اليمن في أزمة سياسية حادة.
ففي ظل الضغوط الدولية والإقليمية، تم توقيع "المبادرة الخليجية" التي نقلت السلطة من صالح إلى نائبه. اقترح مجلس التعاون الخليجي أن يتولى هادي مهام الرئاسة بشكل انتقالي.
في 27 فبراير 2012، سلم صالح مقاليد الرئاسة رسميًا إلى هادي في العاصمة صنعاء.
ثم أجريت الانتخابات الرئاسية المبكرة التي كان هادي المرشح الوحيد فيها، وأعلنت اللجنة العليا للانتخابات فوزه بأغلبية ساحقة بلغت 99.8% من الأصوات.
آ
آ حكم المرحلة الشائكة (2012–2022)
تولى هادي رئاسة اليمن في واحدة من أكثر فترات البلاد تعقيدًا وعدم استقرار. وقد واكبت فترة حكمه ثلاثة تحولات كبرى:
آ في عهده، رعى هادي "مؤتمر الحوار الوطني الشامل" الذي جمع كافة الأطراف اليمنية في محاولة للاتفاق على مستقبل البلاد، وكان يهدف إلى بناء دولة اتحادية عادلة قائمة على الشراكة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون.
لكن المخرجات لم تُنفذ، وسط تجاذبات القوى الإقليمية والداخلية.
آ في 21 سبتمبر 2014، سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء، ووُضع هادي تحت الإقامة الجبرية في منزله.
ورغم محاولتهآ مقاومة الحوثيين في محيط منزله مع عائلته، لكنه اضطر في النهاية إلى التفاوض.
في مطلع 2015، نجح هادي في الفرار من الإقامة الجبرية إلى مدينة عدن في جنوب البلاد.
وأصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 26 فبراير 2015 بيانًا يصف فيه هادي بـ "الرئيس الشرعي" ويدعو جميع الأطراف، وبخاصة الحوثيين، إلى الانخراط بحسن نية في عملية سياسية.
آ التدخل العربي واللجوء إلى الرياض
مع تضييق الحوثيين الخناق على عدن معقله الأخير في مارس 2015، اتخذ هادي قرارًا جريئًا حيث وجه طلبًا رسميًا إلى دول الخليج العربي بقيادة المملكة العربية السعودية للتدخل العسكري العاجل من أجل حماية اليمن وشعبه.
استجابت السعودية بإطلاق عملية "عاصفة الحزم" في 26 مارس 2015.
غادر هادي عدن إلى الرياض، حيث أقام في العاصمة السعودية منذ ذلك الحين.
وبقي طوال فترة بقاءه في الرياض رمزًا للشرعية المعترف بها دوليًا حتى في أكثر اللحظات تعقيدًا.
قرار هادي بطلب التدخل العربي كان اللحظة الأكثر جدلاً في مسيرته.
مؤيدوه يرون فيه إنقاذًا لليمن من السقوط الكامل بيد الميليشيا المدعومة من إيران، بينما يرى منتقدوه أنه فتح الباب أمام حرب إقليمية متعددة الأطراف دمرت البلاد.
آ
آ التنحي عن السلطة (2022).. القرار الذي غيّر مسار الشرعية
في 7 أبريل 2022، في خطوة مفاجئة للعديد من المراقبين، أعلن هادي تشكيل مجلس قيادة رئاسي من 8 أعضاء برئاسة الدكتور رشاد العليمي، ونقل كامل صلاحياته إليه.
كانت هذه الخطوة جزءًا من الحل السياسي الشامل الذي رعته السعودية والأمم المتحدة بهدف إنهاء الأزمة اليمنية عبر توحيد معسكر الشرعية.
تم إنشاء المجلس رسميًا بموجب قرار جمهوري أصدره هادي، وقد لاقى ترحيبًا دوليًا واسعًا.
وصف الأمير خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع السعودي آنذاك، هذا القرار بأنه خطوة حاسمة نحو توحيد الصفوف ودعم جهود إنهاء الأزمة اليمنية.
وينظر إلى هذا القرار باعتباره تصرفًا تاريخيًا جعل الشرعية اليمنية تخرج من أزمة كانت تهدد بتفتتها.
آ
إرث هادي بين التقدير والجدل
بعد رحيله، يبقى إرث هادي موضع تباين واضح على عدة مستويا/ ففي نظر أنصارهآ كان هادي هو العنوان الأساسي للشرعية المعترف بها دولياً طيلة سنوات الحرب.
استمر اسمه مرتبطًا بالإطار القانوني والسياسي الذي استندت إليه الحكومة اليمنية في مواجهة الانقلاب حتى عندما فقدت الدولة اليمنية سيطرتها على أجزاء واسعة من أراضيها.
وفي هذا السياقآ اكد بيان انعي الرئاسي على مساهمة الرئيس الراحل في تحقيق انتقال سلمي للسلطة جنّب اليمن الانزلاق إلى صراعات أوسع في مرحلة بالغة الحساسية. ك
ما يُنظر إليه باعتباره قائدًا واجه انقلاب الحوثي المشؤوم على الشرعية وصمد في وجه أزمة خانقة.
آ وفي الجانب الاخرآ ينتقده معارضوه بقوة باعتبار أن فترة حكمه لم تكن قادرة على تحقيق الاستقرار المنشود أو إنهاء الانقسام السياسي والأمني في البلاد.
بلآ هناك من راىآ تلك المرحلة أن شرعية هادي بعد فبراير 2014 لم تعد تستند إلى تفويض دستوري انتخابي مباشر، بل إلى غطاء سياسي ودولي مفروض دوليًا مرتبط بمصالح إقليمية.
آ الجميع متفق عليه
رغم الاختلافات، يتفق الجميع على نقطة مركزية ان الرئيس هادي كان حاضرًا في لحظة مفصلية من تاريخ اليمن. قراراته – سواء في طلب التدخل العسكري الخليجي عام 2015 أو في نقل السلطة عام 2022 – كان لها أثر عميق على مسار الأزمة.آ
رحيله يرمز إلى اختتام مرحلة كاملة من تاريخ اليمن الحديث، انطلقت بانتقال السلطة عام 2012 ومرت بانقلاب جماعة الحوثي إلى الحرب المستمرة وتعدد مراكز القوى.
آ يوم الخميس المنصرم أعلن التلفزيون اليمني الحكومي وفاة هادي في الرياض،آ وأعلنت رئاسة الجمهورية اليمنية الحداد الرسمي وتنكيس الأعلام لمدة ثلاثة أيام، وفتح العزاء في الداخل والخارج حدادًا على الرئيس السابق.آ
جاء في بيان النعي أن هادي تُوفي بعد "مسيرة وطنية طويلة" تقلد خلالها مناصب عسكرية وسياسية بارزة، وشيدت الرئاسة بدوره في قيادة المرحلة الانتقالية والدفاع عن الجمهورية والشرعية الدستورية.
جرى تشييع الجثمان يوم الجمعة 29 مايو 2026، بعد صلاة العصر، في جامع الإمام تركي بن عبد الله بالعاصمة السعودية الرياض، بحضور شخصيات سياسية وعسكرية يمنية وعربية بارزة.
آ
نهاية مرحلة تاريخية بموت رمزها
برحيل عبد ربه منصور هادي، يطوي اليمن صفحة سياسية معقدة امتدت لأكثر من عقد كامل. لم يكن هادي مجرد شخصية سياسية عابرة، بل كان رمزًا لمرحلة كاملة من التحول والتشظي والصراع.
هو الرجل الذي تسلّم حكم بلد منهار داخليًا ومفكك إقليميًا، وأدار أزمات متتالية كان أكبر تحدٍ فيها هو كيفية الحفاظ على أي شكل من أشكال الشرعية أو الاستقرار في وقت تنهار فيه الدولة.
ورغم أن هادي كان قد غادر السلطة فعليًا في 2022، استمر حضوره كمرجعية سياسية ورمز لمرحلة سابقة، ومع غيابه، من المنتظر أن تتغير بعض التوازنات داخل معسكر الشرعية، سواء على مستوى الخطاب أو العلاقات بين القوى المختلفة.
في النهاية، سواء نظرنا إليه كرجل حفظ الشرعية في وجه الانقلاب أو كقائد فشل في تحقيق طموحات شعبه، يظل ذلك القائد العسكريآ الذي تولى قيادة الدولة الموحدة، هادئ الطبع عاش أصعب اللحظات، وترك إرثًا من القرارات الكبرى التي ستظل موضع نقاش ودراسة لعقود قادمة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news