يحتفظ عيد الأضحى المبارك في محافظة مأرب (شمال شرقي اليمن)، بمكانة خاصة، تتجلى فيها ملامح التقاليد المتوارثة التي تعكس عمق الهوية الاجتماعية والترابط الأسري، رغم ما طرأ عليها من تغيرات بفعل الحرب والتحولات.
ومع تكبيرات الفجر، وروائح الحنيذ والبن المتصاعدة من البيوت، واستعدادات الأهالي لاستقبال الأقارب، تستعيد مأرب في عيد الأضحى جانبًا من ذاكرتها الاجتماعية المتوارثة، حيث تتداخل القيم الدينية مع الأعراف الاجتماعية، لتعكس لوحة فريدة من الفرح والتكافل والتواصل الإنساني.
ومع قدوم عيد الأضحى هذا العام، يستطلع “برّان برس” تلك السمات في أرجاء محافظة مأرب، ويستشف ما يجيش في خلجات الناس من حنين وذكريات.
استعدادات مبكرة
يوضح الباحث في التراث المأربي "مسعد عكيزان" أن أبرز ما يميز عيد الأضحى في مأرب هو الاستعداد بالأضحيات، حيث يقوم من لديهم أغنام بتربيتها خصيصًا لهذه المناسبة، بينما يلجأ آخرون إلى شراء الأضاحي من الأسواق قبل العيد بفترة. ومن العادات المصاحبة كذلك تنظيف المنازل وتزيينها، إلى جانب تنظيف أثاث البيوت بالكامل.
ويشير إلى ظاهرة اجتماعية لافتة تتمثل في إقامة حفلات الزواج خلال أيام العيد، ما يجعل الفرحة مزدوجة بين بهجة العيد وفرحة الزواج، وغالبًا ما ترتبط هذه الظاهرة بعودة المسافرين والمغتربين إلى مناطقهم لقضاء العيد مع الأهل.
كما ترافق العيد مظاهر اجتماعية متوارثة، تتصدرها لبس الجديد، وصلة الأرحام، وتبادل لحوم الأضاحي.
“الصبوح” و“البالة”.. ملامح من ذاكرة العيد
من جانبها، تستعرض فكرة الحجازي، جانبًا من عادات أهالي مأرب، خاصة في مناطق جهم، حيث يبدأ يوم العيد بعد صلاة الفجر باجتماع الأسرة عند أكبر أفراد العائلة سنًا، ويحضر كل شخص معه “جعالة” أو بنًا وتمرًا، ثم يتوجه الرجال إلى صلاة العيد، وبعدها يعودون لزيارة الأقارب، فيما تبقى النساء في المنازل لإعداد وجبة “الصبوح”.
وعقب عودة الرجال، يقوم كل منهم بذبح أضحيته، ويُقسَّم جزء منها للمحتاجين، بينما يُشوى جزء آخر أو يُعد “الحنيذ” لهم ولضيوفهم.
وتشير "فكرة" إلى أن الأجداد كانوا يحيون ليلة العيد بلعبة “البالة”، التي يشارك فيها الرجال والنساء، ويرددون أهازيج شعبية منها:
“في البالهْ.. والليلهْ العيدْ.. يامن هو من اهلهْ بعيدْ”
إلا أن هذه العادة اندثرت في الوقت الحاضر، كما تقول.
كما توضح أن الاستعدادات للعيد تبدأ بشراء الملابس وتجهيز “جعالة العيد”، فيما تقوم النساء بتنظيف المنازل وعجن الحناء لاستخدامها ليلة العيد للتزيّن بنقشها. وإذا لم تتمكن النساء من زيارة الأقارب في اليوم الأول، فإنهن يقمن بذلك في اليوم الثاني، حيث كان العيد يمتد لعشرة أيام، يتبادل خلالها الجيران الدعوات لتناول “الصبوح”.
ومن العادات القديمة أيضًا طرق حفظ اللحوم، حيث كان يتم تقطيعها إلى أجزاء صغيرة وطهيها على نار هادئة دون ماء، ثم تجفيفها وتعليقها، أو تمليحها وحفظها للاستخدام التدريجي.
ومع بساطة الحياة آنذاك، كانت بعض الأسر تُعيد استخدام ملابس عيد الفطر في عيد الأضحى بعد غسلها وتجهيزها من جديد.
المدرهة.. لعبة الكبار والصغار
ارتبط العيد في أرياف مأرب بعادات وتقاليد متوارثة، خصوصًا عيد الأضحى، ورغم اندثار الكثير منها بفعل التمدّن، إلا أنها ما تزال حية في الوجدان الشعبي.
يوضح مدير إذاعة مأرب المحلية علي الحواني، أن هذه العادات إقامة “المدرهة” أو “المرجيحة” خلال عشر ذي الحجة، وهي لعبة للكبار والصغار تقام في القرى، يتخللها الدعاء للحجاج بالعودة سالمين.
كما يشير إلى عادة “التحجاح”، وهي إعداد الخبز ورشه بالدهن البلدي وتوزيعه على سكان القرية خلال أيام العشر. ومن العادات كذلك وضع الحناء على ظهور الكباش لتمييزها كأضاحٍ والتبرك بها، إضافة إلى التكبير والتهليل الجماعي في القرى خلال هذه الأيام.
ويضيف الحواني أن منزل كبير الأسرة يمثل محور العيد، ففيه تجتمع الأسرة ليلة العيد، ومنه يبدأ إفطار الصباح وذبح الأضاحي في اليوم الأول، قبل الانتقال إلى بقية البيوت. وتستمر الزيارات طوال أيام التشريق، في أوقات محددة بعد شروق الشمس وبعد صلاة العصر، في مشهد يعكس عمق الترابط الاجتماعي بين الأهالي.
ذاكرة الطفولة والعيد في القرية
أما مدير التعليم العام في مكتب التربية بمأرب أحمد العبادي، فيستعيد ذكريات الطفولة في قرى جبل مراد، حيث كان الأطفال يجمعون الحطب ليلة العيد لإشعال النار فيما يعرف بـ”النِّصّار”، ويتنافسون في جمع أكبر كمية.
كما كانوا يجهزون ملابس العيد ليلة العيد، ويستيقظون مبكرًا لارتدائها، ثم يجتمع أهل القرية في بيت أكبرهم سنًا، ويحضر كل شخص معه البن والتمر، ويقوم صاحب البيت بإعداد فطور بسيط مثل الهريش واللبن و”الشتيح”، وهو عصيد يُصنع بطحين الذرة البيضاء أو الشامية مع اللبن والماء، وعادةً ما تؤكل دافئة مع السمن البلدي والعسل، ويتم حفر وسط العصيدة لوضع السمن البلدي والعسل.
بعدها تبدأ طقوس العيد المعتادة، يتوجه الجميع لأداء صلاة العيد في مكان متوسط بين القرى، ثم يعود كلٌّ إلى بيته لذبح الأضحية، حيث يُشوى جزء منها ويحفظ جزء آخر لأيام العيد، مع استمرار زيارات الأرحام وإعداد وجبة الغداء.
ويؤكد العبادي أن العيد في القرية له طابع خاص، تسوده روح العائلة الواحدة بين الجميع.
وفي السياق، يستعرض حسن دخنان العبيدي عادات وطقوس عيد الأضحى في وادي عبيدة قبل نحو 50 عامًا، حيث كان الأهالي يقيمون “المدريهة” مع دخول عشر ذي الحجة، ويجتمع حولها الناس للسمر وترديد الأهازيج والدعاء للحجاج.
وفي ليلة العيد، كانت الأسر تتجمع في منزل كبير العائلة، يتبادلون التهاني ويستعرضون ملابس العيد وألعاب الأطفال البسيطة مثل “الطمش القراح”.
ويضيف أنهم كانوا يتجهون مبكرًا لصلاة العيد، ثم يجتمعون في مكان مخصص، ويحضر كل بيت طعام “الصبوح”، فيأكل الجميع من طعام بعضهم البعض، مرددين عبارات شعبية مثل: “عود من ذا عيده”، فيرد الآخر: “وهو”.
وبعد الأكل وتبادل السلام ينصرفون لاستكمال طقوس العيد وزيارة الأقارب، وسط أجواء احتفالية تختلف تفاصيلها من منطقة إلى أخرى.
إرث متجدد
في المجمل، تعكس عادات وتقاليد عيد الأضحى في مأرب صورة غنية بالمعاني الاجتماعية والإنسانية، حيث يمتزج الفرح بالتكافل، وتلتقي الأجيال على إرث واحد رغم تغير الزمن.
ورغم اندثار بعض المظاهر، لا يزال العيد في مأرب يحتفظ بجوهره القديم؛ اجتماع الناس، وتقاسم الفرح، واستدعاء ذاكرة القيم الأصيلة التي شكلت وجدان المجتمع المأربي عبر عقود طويلة، ليبقى الأضحى شاهدًا حيًا على هوية عريقة لا تزال نابضة بالحياة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news