للأسبوع الثاني على التوالي، تتواصل حالة الجدل بشأن حادثة التسرب النفطي في ميناء عدن، وسط تحذيرات من كارثة تهدد الحياة البحرية والثروة السمكية، وتنعكس على معيشة الصيادين والاقتصاد المحلي.
وقال مسؤولون محليون لـ“برّان برس” إن التحقيقات الرسمية في الحادثة ما تزال مستمرة، فيما تشير معلومات أولية إلى قيام سفينة حاويات تدعى “تين نبتون”، وترفع علم دولة بنما، بتفريغ كميات من الزيوت والمخلفات النفطية في منطقة انتظار البواخر (المخطاف) بميناء عدن.
وأضافت المصادر أن السفينة لا تزال قيد الاحتجاز بتوجيهات حكومية حتى استكمال إجراءات التحقيق في الحادثة، مؤكدة أن بقعة الزيوت الطافية امتدت على نطاق واسع، متسببة في تغيّر لون المياه، وسط أنباء عن عدم امتلاك السفينة تصريحًا أو تفويضًا رسميًا بالرسو في مخطاف ميناء عدن، وهو ما يضعها أمام المساءلة القانونية.
إجراءات أولية
الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للشؤون البحرية (حكومية)، فهيم سيف علي، قال إن الهيئة اتخذت إجراءات عاجلة بمنع السفينة “تن نبتون” من المغادرة، حتى استكمال التحقيقات القانونية ودفع الغرامات المرتبطة بالتلوث.
وأوضح "فهيم سيف" في تصريح لـ“بران برس”، أن التسريب ناتج عن مخلفات زيوت من محركات السفينة، موضحًا أن الوضع الفني للسفينة “متهالك”، مؤكدًا أنها ستمنع من دخول ميناء عدن مرة أخرى.
وحول أسباب السماح لمثل هذه السفن المتهالكة بدخول السفينة إلى الميناء، أشار إلى أن ارتفاع كلفة التأمين وعزوف السفن الحديثة عن المجيء إلى الموانئ اليمنية؛ يضطر التجار لجلب بضائعهم عبر سفن قديمة ذات تأمين منخفض لنقل بضائعهم.
وأكد أن الهيئة فور تلقيها بلاغًا بوجود تلوث في منطقة المخطاف؛ شكلت “خلية أزمة”، وتم تكليف مختصين بالنزول إلى السفينة ورصد المخالفات وإثبات الحالة، ورفع القضية إلى وزير النفل الذي قال إنه تدخل للتنسيق مع الجهات المختصة لاحتجاز السفينة.
مخاوف كبيرة
من جانبها، قالت رئيسة الهيئة العامة لأبحاث علوم البحار والأحياء المائية، الدكتورة هناء رشيد، إن فرقًا مختصة من الهيئة العامة للشؤون البحرية وخفر السواحل نفذت نزولًا ميدانيًا لأخذ عينات من المياه والزيوت، وإعداد تقرير فني يحدد مصدر التسرب بشكل دقيق.
وأضافت "رشيد" في تصريح لـ“برّان برس” أن هناك مخاوف كبيرة من نفوق الأحياء البحرية وتضرر الشعاب المرجانية والثروة السمكية، إلى جانب التأثير المباشر على الصيادين وسواحل عدن.
وأكدت ضرورة التدخل السريع للحد من توسع التلوث بفعل الأمواج والرياح، مشيرة إلى أن التسربات النفطية في السواحل والموانئ القريبة من المدن، مثل عدن، قد تخلّف آثارًا طويلة الأمد على النظام البيئي البحري.
تصرف غير مسؤول
من جانبه، اعتبر المختص في البيئة البحرية، المهندس محمد سعد، ما حدث بأنه “تصرف غير مسؤول من طاقم السفينة”، موضحًا أن السفينة أفرغت “زيوت عادمة” مستخدمة، يحظر القانون الدولي والقوانين اليمنية التخلص منها في البحر.
وقال "سعد" في حديث لـ“بران برس”، إن بقعة الزيت التي أُفرغت في البحر وداخل منطقة الميناء ستحدث تلوثًا للبيئة والأحياء البحرية، وستظهر أعراض ذلك قريبًا مع انتشارها على سطح البحر.
تداعيات بحرية مباشرة
بدورها، أوضحت هناء رشيد أن التسرب النفطي يتسبب في اختناق الأسماك والكائنات البحرية الصغيرة نتيجة تغطية النفط لسطح المياه وتقليل نسبة الأكسجين، إضافة إلى تلف خياشيم الأسماك واليرقات؛ ما يؤدي إلى نفوق أعداد كبيرة منها وتراجع معدلات التكاثر.
وأضافت أنه يؤدي أيضًا إلى تسمم السلاحف والدلافين والطيور البحرية عند ابتلاع الزيت أو ملامسته لأجسامها، فضلًا عن تراكم المواد السامة في السلسلة الغذائية البحرية، بما يؤثر لاحقًا على صحة الإنسان.
كما أوضحت أن طبقات الزيت تحجب الضوء عن الشعاب المرجانية والأعشاب البحرية الضرورية لعملية البناء الضوئي؛ ما يؤدي إلى موت أجزاء منها أو توقف نموها لسنوات، إضافة إلى فقدان مناطق حضانة طبيعية للأسماك الصغيرة والقشريات.
وأكدت أن الشواطئ والرواسب الساحلية قد تتلوث بطبقات زيتية يصعب تنظيفها، فيما تبقى بعض المكونات الثقيلة للنفط مدفونة في الرمال والطين لفترات طويلة، مما يدمر موائل الطيور والكائنات الساحلية.
أضرار الحياة البحرية
ومن الأضرار المتوقعة، أوضح المختص في البيئة البحرية، المهندس محمد سعد، أن بقعة الزيت الممتدة ستحجب أشعة الشمس اللازمة لعملية التمثيل الضوئي للطافيات النباتية التي تمثل الحلقة الأولى في السلسلة الغذائية للأحياء البحرية.
وأشار إلى أن ذلك التلوث سيؤدي إلى نفوق هذه الطافيات، أو على الأقل، يتسبب بتلوثها بالمعادن الثقيلة المختلطة بالزيوت المستخدمة.
وبيّن أن تلوث أو نفوق الطافيات سينعكس على الهائمات الحيوانية التي تتغذى عليها، وصولًا إلى الأسماك والأحياء البحرية الأخرى، وخصوصًا الجمبري؛ مما يؤدي إلى حالات تسمم ونفوق لبعض الأسماك السطحية.
تأثيرات طويلة
وفي السياق ذاته، أكدت رئيسة هيئة أبحاث علوم البحار أن التسربات النفطية ستؤثر مباشرة على الثروة السمكية والصيادين، نتيجة انخفاض أعداد الأسماك وهجرة بعضها من المناطق الملوثة، إلى جانب تراجع جودة المنتجات البحرية واحتمال فرض حظر مؤقت على الصيد.
وأشارت إلى أن بعض التسربات الكبيرة قد تترك آثارًا تمتد لسنوات، بما في ذلك بطء تعافي الشعاب المرجانية وتغيّر التنوع الحيوي، ما يجعل النظام البيئي أكثر حساسية لأي تلوث جديد.
واختتمت بالتأكيد على أن “القلق يتضاعف في خليج عدن وبحر العرب؛ لأنها تضم تنوعًا بحريًا مهمًا، وتمثل مسارات هجرة للكائنات البحرية، ومناطق صيد يعتمد عليها كثير من السكان”.
حوادث متكررة
وخلال السنوات الأخيرة، شهد ميناء عدن عدة حوادث تلوث بحري وتسرب نفطي، أبرزها حادثة غرق السفينة المتهالكة “كورال” في مايو 2024، أثناء رسوها في منطقة المخطاف بالميناء.
ووفق ما نقلته صحيفة “القدس العربي” فقد أسفرت الحادثة عن تسرب ما يربو على 90 طناً مترياً من المازوت والزيوت العادمة التي طفت على سطح مياه الخليج.
وقبلها حادثة التسرب من الناقلة “لؤلؤة أثينا” في يوليو- أغسطس 2022، قبالة سواحل البريقة وميناء عدن. وتشير تقديرات إلى وجود أكثر من 22 سفينة متهالكة وغارقة في محيط ميناء عدن وميناء الاصطياد منذ عام 2015.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news