شهدت الساحة اليمنية والعربية، خلال الأيام القليلة الماضية، حالة من الغليان الشعبي والاستياء العارم، على خلفية تسريبات جديدة أطلقتها جماعة الحوثي بشأن مصير القيادي السياسي البارز محمد قحطان، الذي يُعتبر أحد أبرز الوجوه السياسية التي شكّلت المشهد العام في اليمن على مدى عقود طويلة. هذه التسريبات، التي جاءت في سياق مفاوضات الأسرى والمختطفين الجارية في العاصمة العمانية مسقط، تُعد الأكبر والأكثر إثارة منذ اختطاف قحطان وإخفائه قسرياً في السادس من أبريل عام 2015، حيث زعمت الجماعة أنه قُتل في غارة جوية للتحالف العربي خلال العام نفسه، وأنه كان مستخدماً كدرع بشري آنذاك.
ومع ذلك، تتكدس الأدلة والقرائن التي تُدحض هذه الرواية الحوثية من عدة جهات، بدءاً من أسرة القيادي المختطف نفسها التي أصدرت بياناً مفصلاً نفّت فيه المزاعم جملة وتفصيلاً، مروراً بوثائق رسمية صادرة عن النيابة الجزائية في صنعاء بتاريخ الخامس من فبراير 2019م قضت بالإفراج عنه، وصولاً إلى تصريحات سابقة لقادة الحوثيين أنفسهم خلال جولات مفاوضات سابقة أكدوا فيها استعدادهم الإفراج عنه مقابل أسرى آخرين.
الجدير بالذكر أن محمد قحطان، وهو في طريقه إلى محافظة إب، قد تم استيقافه في نقطة تفتيش تابعة للحوثيين في منطقة السحول شمال مدينة إب، قبل أن يُعاد إلى منزله في صنعاء حيث فرضت عليه الإقامة الجبرية، ثم اختُطف فيما بعد إلى جهة مجهولة، في مشهد يُجسّد حجم الجريمة التي تعرض لها هو وأسرته التي لا تزال، بعد أكثر من أحد عشر عاماً، تُعاني من غيابه دون أي تواصل أو حتى اتصال هاتفي واحد.
على مدى السنوات الماضية، مارست جماعة الحوثي ما وصفه مراقبون بـ"الابتزاز السياسي" في قضية قحطان، حيث رفضت كل الجهود الهادفة إلى كشف مصيره وإطلاق سراحه، رغم حضور اسمه المتكرر في جولات المفاوضات المتعددة، سواء في مسقط أو عبر الوساطات الأممية، مما يُشير إلى استغلال الجماعة لرمزية هذا السياسي وقيمته الوطنية لدى اليمنيين كورقة ضغط ومساومة، بعيداً عن أي اعتبارات إنسانية أو قانونية.
في المقابل، تتصاعد المطالبات بضرورة تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة وشفافة للكشف عن الحقيقة الكاملة، وتحديد المسؤولية القانونية عن جريمة الإخفاء القسري التي استمرت طوال هذه السنوات الطويلة. ويرى محللون أن استمرار غموض مصير قحطان، رغم كل الجهود الدولية والإقليمية، يُثير تساؤلات بالغة الخطورة حول مدى التزام المجتمع الدولي بمبادئ حقوق الإنسان ومكافحة الإفلات من العقاب.
وفي سياق متصل، تتعمّق الجريمة الأصلية، بحسب متابعين، ليس فقط في الاختطاف والإخفاء، بل في طريقة التعامل مع القضية عبر المراوحة في التصريحات والتقسيط المتدرج للأخبار والتلاعب بمصير رجل وأسرته، فيما يكشف عن ذهنية تستخدم الإنسان مجرد ورقة ضغط لا قيمة لحقوقه ولا حتى لحياته.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news