لم تكن الحرب التي اندلعت شرارتها في 28 فبراير الماضي مجرد جولة قتالية عابرة، بل كانت زلزالاً كشف عن فجوة عميقة بين حسابات "محور المقاومة" والواقع اللبناني المتردي.
ويجمع مراقبون على أن دخول حزب الله في هذه المواجهة كان قراراً عسكرياً غير موفق، افتقر إلى القراءة الدقيقة للواقع الميداني والاجتماعي، وأثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن قيادة المحور في طهران، ومعها قيادة الحزب، وضعوا أمن اللبنانيين في مرتبة ثانوية خلف المصالح الاستراتيجية الإقليمية، مما أدى إلى كارثة إنسانية وعمرانية غير مسبوقة، ضاربة عرض الحائط بالانهيار الاقتصادي الذي كان يرزح تحت وطأته المدنيون.
نزيف الدماء
تجاوزت الكلفة البشرية في لبنان كل التوقعات، حيث أفادت وزارة الصحة اللبنانية بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية في تقريرها الصادر منتصف أبريل، أن عدد القتلى الموثقين بلغ 1,116 قتيلاً، بينما سجلت الكشوفات الطبية الرسمية إصابة أكثر من 3,229 جريحاً.
وما يجعل القرار غير موفق أخلاقياً وعسكرياً هو أن الغالبية العظمى من هؤلاء الضحايا هم من المدنيين، نتيجة القرب الجغرافي الشديد من إسرائيل واعتمادها سياسة "الأرض المحروقة".
وفي المقابل، نقلت وكالة رويترز أن عدد القتلى في الجانب الإسرائيلي لم يتجاوز 400 شخص، مما يوضح انعدام التوازن في الكلفة التي تحملها المجتمع اللبناني دون وجود غطاء دفاعي يحميه.
الإخفاق الميداني
من الناحية العسكرية، يصف خبراء في معهد دراسات الحرب (ISW) دخول حزب الله في المواجهة بـ"السقطة الاستراتيجية"؛ فمنذ اللحظة الأولى، فقد الحزب "عنصر المفاجأة" بدخوله كطرف مساند بعد يومين من اندلاع الحرب في إيران، مما منح إسرائيل فرصة ذهبية لاستنفار كامل سلاحها الجوي واستخباراتها التقنية لتغطية مساحة لبنان الضيقة.
وأثبتت الوقائع أن "تكتيكات الإسناد" لم تنجح في ردع الاجتياح البري؛ حيث استغلت إسرائيل الموقف لتنفيذ عمليات توغل واسعة في الجنوب، نجحت خلالها في تدمير أجزاء حيوية من البنية التحتية العسكرية للحزب، وبدلاً من أن يكون لبنان "جبهة ضاغطة"، تحول إلى "ساحة استنزاف" لقوات النخبة التي تبددت في معارك جانبية لم تحقق مكاسب جغرافية واضحة.
الركام والنزوح
على صعيد البنية التحتية، كشفت تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ووزارة الأشغال عن تدمير كامل لـ 42 قرية حدودية و40 جسراً حيوياً، مع تضرر 12,000 وحدة سكنية و125 مدرسة. وتقدر الفاتورة الإجمالية لإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار.
ترافق ذلك مع مأساة اجتماعية وثقتها مفوضية اللاجئين (UNHCR)، حيث نزح أكثر من 1.2 مليون شخص من الجنوب والبقاع والضاحية.
هذا النزوح الهائل لم يراعِه قرار الحرب، بل تحول إلى عبء لوجستي وأمني ضغط على موارد الحزب المحدودة وأربك تحركاته الميدانية، مما يثبت أن قرار الدخول في الحرب لم يراعِ الحد الأدنى من "الأمان الاجتماعي" للبنانيين.
ارتهان القرار
تؤكد المعطيات السياسية أن القرار لم يكن لبنانياً في أهدافه، بل كان استجابة مباشرة لضغوط القيادة الإيرانية لتخفيف الضغط عنها. ويرى محللون في مركز كارنيغي للشرق الأوسط أن القيادة في طهران ضحت بالاستقرار اللبناني وبقوة حزب الله النوعية في معركة "انتحارية" غير متكافئة عسكرياً.
إن تغليب منطق "الساحة" الإقليمية على منطق "الوطن" المنهك، أدى في النهاية إلى خسارة تكتيكية واستراتيجية فادحة، وضعت لبنان أمام مستقبل مجهول وركام يحتاج لمليارات الدولارات التي ترفض الجهات المانحة تقديمها دون تغييرات سياسية جذرية تفك ارتهان القرار الوطني للخارج.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news