أكدت الكاتبة فوهيني فارا، في مقال نشرته مجلة ذي أتلانتيك، أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بدأ يتسلل تدريجيا إلى محتوى الصحف الأمريكية الكبرى، خصوصا في صفحات الرأي، دون الإفصاح الواضح عنه، مما يثير مخاوف متزايدة بشأن مصداقية المحتوى الصحفي.
وأوضحت أن الجدل تصاعد عقب منشور للكاتبة بيكي توك على منصة "إكس"، شككت فيه في أسلوب مقال ضمن زاوية "Modern Love" في صحيفة نيويورك تايمز، معتبرة أن لغته تبدو أقرب إلى النصوص التي تنتجها نماذج الذكاء الاصطناعي.
وأثار المنشور تفاعلا واسعا، دفع باحثين إلى اختبار النص باستخدام أدوات متخصصة في كشف المحتوى المولد آليا.
ورصدت الكاتبة أن نتائج أدوات الكشف جاءت متباينة، إذ قدّر أحدها أن أكثر من 60% من النص يحمل سمات الذكاء الاصطناعي، في حين أشارت أدوات أخرى إلى نسب أقل، أو لم ترصد استخداما واضحا، مما يعكس محدودية هذه التقنيات وعدم دقتها في الحكم النهائي.
ونقلت عن كاتبة المقال "كيت غيلغان" تأكيدها أنها لم تنسخ نصوصا جاهزة من أدوات الذكاء الاصطناعي، لكنها اعترفت باستخدامها كمساعد في التحرير، عبر الاستعانة بمنصات مثل "شات جي بي تي وكلود وجيميناي"، للمساعدة في تطوير الأفكار والحفاظ على تماسك النص، وهو ما يطرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين التحرير البشري والمساهمة الآلية.
وأشارت فوهيني فارا إلى أن هذه الواقعة ليست استثناء، بل جزء من ظاهرة أوسع، إذ أظهرت أبحاث أجراها باحثون في علوم الحاسوب، من بينهم "توهين شكرابارتي" و"جينا راسل"، مؤشرات على استخدام الذكاء الاصطناعي في مقالات رأي منشورة في عدد من أبرز الصحف الأمريكية، بينها وول ستريت جورنال وواشنطن بوست، في حين كان الحضور أقل في المواد الإخبارية التقليدية.
كما لفتت إلى حوادث أخرى أثارت جدلا، من بينها سحب رواية بعنوان "Shy Girl" من النشر بعد الاشتباه في احتوائها على نصوص مولدة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب نشر مواد صحفية تضمنت معلومات غير دقيقة، مثل قوائم كتب صيفية احتوت على عناوين غير موجودة، نتيجة الاعتماد على أدوات توليد النصوص.
وأكدت الكاتبة أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في غياب الشفافية، إذ يفترض القارئ أن المقالات المنشورة تعبر عن صوت الكاتب وخبرته، بينما قد تكون في الواقع مزيجا من إنتاج بشري وخوارزمي، دون توضيح ذلك.
وحذرت من أن هذا التداخل قد يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات الإعلامية، خاصة أن مقالات الرأي تؤثر بشكل مباشر في تشكيل توجهات الجمهور وصناع القرار، في حين تشير دراسات إلى أن النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي قد تكون أكثر إقناعا، رغم طابعها النمطي وتجانسها.
وفي هذا السياق، أوضحت أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تحمل انحيازات ثقافية أو سياسية، مما يفتح الباب أمام تسلل هذه الانحيازات إلى النقاش العام عبر منصات يفترض أنها موثوقة.
وأكدت فوهيني فارا أن الحلول لا تزال محدودة، مشيرة إلى أن أدوات الكشف تعاني من عدم الدقة، في حين تواجه فكرة "العلامة المائية" للنصوص المولدة تحديات تقنية وتجارية، خاصة أن شركات التكنولوجيا تسعى إلى جعل مخرجاتها غير قابلة للتمييز عن الكتابة البشرية.
وختمت الكاتبة بالتأكيد على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب سياسات تحريرية واضحة تُلزِم الكتّاب بالإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تدريب المحررين على رصد مؤشرات استخدامه، وربما تدخل تشريعي يفرض معايير شفافية أعلى، محذرة من أن استمرار الغموض قد يقوّض أحد أهم أسس العمل الصحفي.. الثقة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news